تحقيق: حملات تضليل ممنهجة تطارد "عاملات" المنظمات الدولية في اليمن من دون حماية
يمن فيوتشر - اريج- سالي عبد الله (اسم مستعار): السبت, 29 أغسطس, 2026 - 05:48 مساءً
تحقيق:  حملات تضليل ممنهجة تطارد

يوثق التحقيق حملات تضليل ممنهجة تنطلق من بعض المساجد، بالتزامن مع انتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، تستهدف العاملات في منظمات المجتمع المدني، وبعض المؤسسات الدولية في اليمن. تؤدي هذه الحملات إلى خلق "وصمة اجتماعية" تطارد العاملات، وتؤثر سلباً في حياتهن الشخصية والعملية، وتتحول أحياناً إلى ملاحقة أمنية واعتقالات، في ظل غياب أي مساءلة قانونية جدية لمروّجيها.

لم تتصور فاطمة، اسم مستعار، التي كانت شعلة من الحماس في العمل المجتمعي والتطوعي باليمن، وخاضت عدة تجارب في هذا المجال منذ حصولها على الثانوية العامة، أن يتحول نشاطها يوماً إلى شبهة تدفعها إلى مغادرة بلدها، بعد التحاقها بإحدى منظمات المجتمع المدني في صنعاء عقب تخرجها في الجامعة.

 

صناعة الوصمة

تقول فاطمة إن نهج التضييق والملاحقة الذي تمارسه السلطات في صنعاء والمناطق التابعة لسيطرتها، بدأ في 2016، وتدرّج على أرض الواقع من تشويه السمعة إلى الانتهاكات المباشرة.

لم تكن قصة فاطمة حالة فردية، فهي عيّنة من نمط ممنهج وثّق التحقيق امتداده إلى عشرات النساء العاملات في منظمات المجتمع المدني اليمني. وتنوعت أدواته بين حملات تضليل أدارتها حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وخطاب تحريضي امتد إلى منابر المساجد، مخلفة أضراراً أمنية واجتماعية ونفسية، مباشرة وغير مباشرة.

 

تكاتف منابر الشيطنة

ادّعت فاطمة أمام جيرانها ومحيطها أنها تعمل في أحد المعاهد، تجنباً لوصمها بالانحلال الأخلاقي، بسبب تبني المحيطين بها للخطاب المضلل الذي كانت تسمعه باستمرار من المسجد المجاور لمبنى سكنها، حيث تواصلت المحاضرات المحرّضة على المنظمات والنساء العاملات فيها.

لم تكن تجربة فاطمة معزولة عن سياق أوسع؛ تكرّرت فيه رسائل مضللة مشابهة عبر منابر المساجد. والمفارقة أن هذه المنابر، رغم اختلاف اصطفافاتها السياسية بين الشمال، حيث تقع معظمها في مناطق خاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين، والجنوب، الخاضع في غالبه لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، اتفقت في خطابها المحرّض على النساء العاملات في منظمات المجتمع المدني، مستندة إلى الخلفية المحافظة لقطاع واسع من المجتمع اليمني.

حرص أحد مشايخ الدين (ع.م) على تقديم محاضرات تحريضية بشكل يومي بين صلاتي المغرب والعشاء، وأخرى بعد العصر، يطعن فيها في أخلاق الفتيات العاملات في المنظمات. ولم يتوقف الأمر عند المنابر؛ إذ كان يُرسل مراقبين من الرجال معهن في كل نزول ميداني، لينقلوا إليه تفاصيل ما يدور، بحسب ما ذكرته إلهام (إحدى العاملات في هذه المنظمات).

كما لم يكتفِ (أ.و)، وهو رجل دين من مدينة قعطبة بمحافظة الضالع، بالتحريض عبر المساجد، فاتجه إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائل مضللة، تركت آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة على هؤلاء الفتيات.

يرى الدكتور عبدالله القيسي، الباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، أن كثيراً من المفاهيم المتداولة بين الناس لا تستند إلى دليل ديني قطعي؛ مشيراً إلى أن بعضها محل خلاف، وبعضها لا دليل عليه أصلاً. ويضيف أن استخدام المنابر لإطلاق اتهامات جماعية أو نشر شكوك بلا بيّنة، يُفقد الدين جوهر رسالته الأخلاقية، ويحوّله من وسيلة لحماية الإنسان إلى أداة لإقصائه وتشويه صورته اجتماعياً.

ولم يبقَ هذا الخطاب حبيس الكلام؛ ففي 21 كانون الأول/ديسمبر 2019، أدى التحريض المضلل إلى إقدام متطرفين على تفجير مقر لجنة الإنقاذ الدولية (المبنى الرئيس)، ومبنى دعم وحماية المرأة التابع لها بمحافظة الضالع جنوبي البلاد. وفي الشهر ذاته، استمرت حالة الاستهداف الممنهج، مستغلة الوضع المضطرب في الجنوب، لتطول التفجيرات أيضاً منظمة ACTED، ومنظمة أوكسفام، وعدداً آخر قبلها، بحسب المتحدث الإعلامي باسم محور الضالع.

 

ثمن التشويه

دفعت "إلهام" ثمن هذا التشويه غالياً؛ إذ أُجبرت على المكوث في البيت، وفُسخت خطوبتها مرتين جراء الوصمة التي لحقت بها، كونها إحدى العاملات في هذه المنظمات.

يفسر المختص النفسي، بسام الأرياني، كيف تؤثر سلباً هذه الحملات، المرتبطة بانتشار معلومات كاذبة، في صورة المرأة العاملة ذاتياً أمام نفسها، من خلال آلية تسمى "التشويه المعرفي". ومع تكرار الأكاذيب، قد تبدأ المرأة تدريجياً في "تصديقها والتأثر بها" والتشكيك في ذاكرتها وقيمها، فتتراجع ثقتها بنفسها، ويحلّ صوت نقدي قاسٍ محل صوتها الداخلي الإيجابي، عاكساً روايات التشويه والتضليل التي تعرضت لها.

ويحذّر الأرياني من أن هذه الحالة قد تتطور إلى اضطرابات نفسية معقدة؛ إذ تتحول الضغوط المتراكمة إلى قلق مزمن وترقّب دائم لما قد يحمله المستقبل من أحداث سلبية، ثم قد تتطور إلى اكتئاب يصاحبه شعور بالعجز وفقدان المتعة. وعلى المستوى الاجتماعي، قد تميل العاملات تدريجياً إلى العزلة والابتعاد عن المناسبات، بما يعمّق لديهن مشاعر الوحدة النفسية.

 

التضليل صناعة متماسكة

أغلقت فاطمة حسابها على فيسبوك عام 2020، نتيجة تفاقم حملات التضليل والتعليقات المسيئة التي انهالت عليها وعلى زميلاتها العاملات في المنظمات المدنية والإنسانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وطارد شبح المنشورات المضللة، المجتزأة والموظفة في سياقات الاختلاط و"الحرب الناعمة" والفساد الأخلاقي، "مروى" أيضاً. التحقت عام 2015 بإحدى المنظمات الإنسانية العاملة في مجال الصحة، بعد عودتها من الجنوب إلى إحدى المحافظات الوسطى. لكن في عام 2022، لاحقتها السلطات أمنياً بتهم تتعلق بنشر الانحلال والفساد الأخلاقي. ودفع ذلك أسرتها إلى إخفائها في منطقة بعيدة، مع التعهد بمنعها من العمل مع المنظمات أو السفر لأي نشاط مستقبلاً.

ولم تتوقف الوصمة عند هذا الحد؛ إذ ظلت تلاحقها حتى بعد انتقالها إلى العمل معلمةً في السنوات اللاحقة، حين اقتصر تعاملها مع الأطفال، دون الطالبات في سن المراهقة.

لكن كيف تُبنى هذه الحملات؟

يوضح الخبير التقني، فهمي الباحث، أن آلية صناعة حملات التضليل تبدأ باختيار توقيت محدد لاصطياد الضحية، بعد ظهورها إعلامياً أو مشاركتها في نشاط عام. حينها يجمع المهاجمون معلومات عنها، ثم يشرعون في بناء رواية يمكن عبرها استثارة غضب مجتمع محافظ، مؤكداً أن هناك طرقاً أخرى لبناء الحملة ترتكز على استهداف المنظمات ككل؛ ما ينعكس بالضرورة على قاعدتها المتمثلة بكوادرها من الموظفات والعاملات.

 

من خلال تحليل عينة من المنشورات، التي استهدفت العاملات والعمال في المنظمات، رصدنا موجات نشر لسرديات تكررت فيها مجموعة من الوسوم التي تمثل خطاباً إعلامياً موجهاً على منصتي فيسبوك وإكس، ومنها #جواسيس_أمريكا_وإسرائيل، و#فضح_المنظمات، و#معركة_وعي و#خطر_المنظمات و#الحرب_الناعمة. تزعم منشورات أن الغرض من وجود منظمات في اليمن هو استهداف ثقافي للبلاد تنفذه الولايات المتحدة الأميركية، وتحمل المنشورات اتهامات بالتجسس والعمالة، إضافة إلى اتهامات أخلاقية وتشويه السمعة. ومن خلال التحليل الشبكي للعينة (من الوسوم والحسابات الناشرة عليها)، تبين وجود ارتباط بين عدد منها.

 

 

ويعتمد المضللون في هذه الحملات على أساليب متعددة يمكن رصدها؛ في مقدمتها التشهير عبر توجيه اتهامات أخلاقية، ووصم النساء بالعمالة والتجسس، وتحريف الصور أو تركيبها، وتزوير المحادثات والوثائق ولقطات الشاشة. كما يلجأون إلى إنشاء حسابات وصفحات تنتحل أسماء الضحايا أو تستخدم صورهن، ونشر صور حقيقية أو مفبركة لهن، وصولاً إلى تنظيم موجات من التعليقات المسيئة والتهديدات والبلاغات الجماعية، والضغط عليهن عبر التواصل مع أسرهن أو الجهات المانحة، بما يوسّع نطاق الضرر الواقع عليهن.

 

أما عن إمكانية الملاحقة القانونية للمضللين، فتشير المحامية اليمنية هدى الصراري، إلى أن ذلك يصطدم بعدة عوائق، أبرزها غياب آليات تقنية رسمية لتتبع الحسابات المجهولة، وعدم وجود جهة نيابية متخصصة في الأدلة الرقمية وفق معايير موحدة. ويزيد من التعقيد تعدد السلطات القضائية والأمنية الفعلية بين صنعاء وعدن ومناطق أخرى؛ بما يجعل تحديد الاختصاص المكاني أكثر صعوبة، إلى جانب ضعف تعاون منصات التواصل مع طلبات الجهات اليمنية لكشف هويات أصحاب الحسابات.

وتضيف الصراري أن نمط "اغتيال الشخصية" بات أداة ممنهجة تُستخدم ضد الناشطات والحقوقيات، غالباً من دون تحقيق جدي.

 

من التشويه إلى الاحتجاز

لم يتوقف الخطر عند حدود التضليل الرقمي والديني؛ فقد أدى هذا النمط إلى احتجاز "فاطمة" برفقة مجموعة من صديقاتها بعد عودتهن من ورشة تدريبية في عدن، بتهمة "عدم وجود محرم والاختلاط بالسائق". وظلت الفتيات الأربع من الساعة 11 ليلاً حتى الخامسة فجراً في نقطة أمنية نائية ومنقطعة عن الاتصال، فيما تضخمت التهمة خلال محاولاتهن التواصل طلباً للمساعدة.

واتضح لاحقاً أن حملة تشويه كانت قد طالتهن، تزعم أنهن جئن إلى صنعاء لنشر الرذيلة بعد تلقيهن تدريبات على موضوعات جنسية داخل منتجع في عدن. وعلى إثر ذلك، أُجبرن على التوقيع على تعهد بعدم السفر مجدداً إلا برفقة محرم، وعدم الالتحاق بهذه "الورش".

ثم تصاعدت وتيرة الاستهداف بشكل غير مسبوق. في مايو/آيار 2024، اعتُقل رئيس المنظمة السابق التي كانت فاطمة تعمل بها، أثناء عودته برفقة عائلته من عدن، بعد إتلاف كل محتويات منزله بصنعاء. وتوالت بعدها الاعتقالات للعاملات والعاملين في منظمات محلية ودولية بصنعاء، وفي مناطق أخرى واقعة تحت سلطتها، دون ذكر أسباب واضحة، وتوفي أحد هؤلاء المعتقلين، وهو زميل فاطمة، داخل السجن.

بعد يومين من اعتقاله، داهمت مجموعات مسلحة، من بينها نساء، مكاتب المنظمة، وأجبرت الحارس على فتح المقر، ثم أرغمت مسؤول تقنية المعلومات على فتح أجهزة الحواسيب. واقتادت المجموعة الحارس، والمديرة آنذاك إلى منزل، وليس إلى مكان احتجاز رسمي، وصادرت هواتفهما، لمنعهما من التواصل مع زملائهم، بحسب فاطمة.

وتشرح فاطمة أنه في اليوم التالي، شنّوا حملة مصادرة وتفتيش لبقية الموظفين، وطلبوا من المديرة التواصل مع فاطمة لتسليم جهاز المحمول الذي بحوزتها، والذي كان يتضمن أوراق سياسات وأبحاثاً بصفتها مديرة وحدة البحوث؛ فأخذوا الجهاز مع هاتفها، الذي أعادوه لاحقاً، لكنّه بدا تحت المراقبة.

وتواصل فاطمة وصف ما حدث: جرت هذه الاعتقالات بشكل فردي، ومعزول عن بقية الزملاء، لأن خطوط التواصل بينهم كانت مقطوعة تماماً. دفعت هذه الأحداث عدداً من العاملات إلى ترك العمل، وأجبرت أخريات، بينهن فاطمة، على التفكير بالمغادرة، وإن ظللن خائفات لأن أسماءهن كانت معمّمة على النقاط والمنافذ الأمنية.

ومع تصاعد الحملة، عُرضت على الفضائيات تسجيلات قيل إنها تتضمن اعترافات بـ"الخيانة والعمالة" لعدد كبير من الموظفين، فيما ظلّ بقية العاملين، الذين ما زالوا في منازلهم، يترقبون بقلق الدور الذي قد يأتي عليهم.

 

في محاولة للنجاة

في الأسبوع الثاني من حزيران/يونيو 2024، اهتدت فاطمة إلى فكرة بدت لها مغامرة خطرة؛ فأي خطأ قد يتحول إلى دليل إدانة، وأي التفاتة قد تفضي إلى الاعتقال. لكن انعدام الخيارات دفعها إلى تجربة السفر منتقّبة، والاختباء مع حقائبها وطفل أخيها في صندوق سيارة صغيرة، بعدما عُمّم اسمها على النقاط الأمنية.

كانت سكة سفر طويلة ومضنية، بين خوف واختناق وترقب لأي مفاجأة، لكن الحظ خدمها ووصلت أخيراً إلى القرية.

من القرية، سافرت مع عمتها في أثناء ذهابها لزيارة زوجة ابنها في عدن، وقد تملّكها الرعب تحسباً من أن تتسبب بضرر لأحد، فاعتزلت الجميع قرابة شهر في أحد فنادق عدن، تتابع أخبار الاعتقالات وما قيل إنها اعترافات "عمالة وتجسس" على التلفزيون، ولم تخرج سوى مرتين أو ثلاث، بانتظار أن يلحق بها زوجها.

انتقل الزوجان من عدن إلى السعودية بتأشيرة عمرة، ومكثا عند صديق قرابة شهر. لاحقاً، استطاعت فاطمة السفر إلى إحدى الدول الأوروبية، حيث تعيش هناك بلا أفق واضح، سوى أمل أن يُقبل طلب لجوئها بعد أن ضاق بها صدر الوطن.

 

بلا ظهر حماية

قصة فاطمة ليست معزولة عن سياق أوسع من تخاذل المنظمات الدولية في حماية موظفيها المحليين. "غادة" (اسم مستعار)، إحدى العاملات في مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بصنعاء، تتحدث عن ذلك بالقول: "هناك تسيّب ما يزال قائماً من قبل الأمم المتحدة نحو موظفيها، لدرجة أنهم غير قادرين على حمايتهم، والأسوأ وجود تباين في التعامل بين موظف محلي وآخر أجنبي".

وتضيف: "تقف المنظمة بكل ثقلها مع الموظف الخارجي، فيما تترك الموظف المحلي يواجه مصيره، ويختلقون لهذا التخاذل مبررات غير صحيحة، من بينها أن الموظف المحلي اعتُقل لأسباب لا علاقة لها بعمله مع الأمم المتحدة، أو أنهم يقدمون تطمينات بأنهم يتواصلون مع السلطات، وفي الحقيقة تتعقد أمور المعتقلين أكثر".

من "فاطمة" إلى "مروى" و"إلهام" و"غادة"، تتكرر القصة بأشكال مختلفة: خطاب تحريضي يبدأ من منابر المساجد وحسابات التواصل، يتحول إلى وصمة اجتماعية، ثم إلى ملاحقة أمنية، وأحياناً إلى اعتقال واختفاء قسري، بينما تقف المنظمات الدولية عاجزة -أو غير مكترثة بما يكفي- عن حماية الكوادر النسائية التي تدفع، بمفردها في الغالب، ثمن عملها المدني في بيئة تزداد عدائية تجاه صوت المرأة العاملة في اليمن.

أنتج هذا التحقيق بدعم من أريج.


التعليقات