تحليل: ماذا يعني «يوم ترامب الاقتصادي الحاسم» ضد إيران بالنسبة إلى دول الخليج؟
يمن فيوتشر - العربي الجديد - جورجيو كافيرو- ترجمة خاصة الاربعاء, 26 أغسطس, 2026 - 07:01 صباحاً
تحليل: ماذا يعني «يوم ترامب الاقتصادي الحاسم» ضد إيران بالنسبة إلى دول الخليج؟

تكثّف إدارة ترامب جهودها لقطع شرايين التمويل الحيوية لإيران.

وفي 24 أغسطس/آب، أعلن وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) عن «عملية المنبوذ الاقتصادي»، وهي حملة عقوبات واسعة النطاق تهدف إلى عزل طهران وممارسة ضغوط على حكومتها لدفعها نحو الانهيار.

وتقول الولايات المتحدة إنها حددت الشبكات والشركات والسفن والقنوات المالية التي تساعد إيران على بيع النفط والحصول على التكنولوجيا وتوليد الإيرادات، محذرةً في الوقت نفسه الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران من احتمال تعرّضها لعقوبات ثانوية.

وتستهدف الإجراءات الجديدة أكثر من 60 فردًا وشركة وسفينة مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية، وبرامجها النووية والصاروخية، وعملياتها السيبرانية، وشبكاتها المالية.

كما تركز الحملة على شركاء إيران الدوليين، مع إمكانية فرض عقوبات ثانوية تطال قطاعات مثل الشحن والطيران والتكنولوجيا والذهب والأصول الرقمية.

وتكتسب الصين أهمية خاصة، نظرًا إلى أنها تشتري نحو 90% من النفط الإيراني المُصدَّر، إلا أن بيسنت لم يصل إلى حد الإعلان عن عقوبات محددة بحق البنوك أو الشركات الصينية.

ومن المؤكد أن الضغوط المتصاعدة التي تمارسها إدارة ترامب على إيران ستفرض تكاليف بشرية واقتصادية باهظة على الشعب الإيراني.

وكانت إيران تعاني أصلًا، قبل إطلاق «عملية المنبوذ الاقتصادي»، من تضخم حاد، وانهيار في قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص في إمدادات الكهرباء، وارتفاع الأسعار.

ولن تؤدي الإجراءات الجديدة إلا إلى تفاقم هذه المعاناة بالنسبة إلى المواطنين العاديين. لكن ما إذا كان إلحاق مزيد من الألم بالإيرانيين سيُترجم إلى انتصار أمريكي، بما يتيح لإدارة ترامب تحقيق أهدافها، فهذه مسألة أخرى. وهناك أسباب وجيهة تدعو إلى الشك في نجاح هذه الاستراتيجية.

ومن الواضح أن إدارة ترامب تشعر بالإحباط إزاء مسار الحرب خلال الأشهر الستة الماضية. ويبدو أن البيت الأبيض مصمم الآن على تحقيق أهدافه من خلال استراتيجية جديدة تنطوي على تكاليف سياسية أقل بكثير في الداخل، حيث لطالما كانت الحرب غير شعبية، وأصبحت تحظى بتأييد أقل بصورة متزايدة.

وقالت (نيجار مرتضوي)، وهي صحفية تقيم في واشنطن ومقدمة برنامج «ذا إيران بودكاست» وزميلة أولى في مركز السياسة الدولية، في مقابلة مع العربي الجديد: «يعود ترامب إلى ممارسة الضغوط الاقتصادية على إيران لأن القوة العسكرية فشلت في تحقيق الانتصار الذي كان يتوقعه».

وفي هذه المرحلة، فإن نجاح «عملية المنبوذ الاقتصادي» ليس مضمونًا بأي حال من الأحوال، لا سيما في ظل خبرة إيران الممتدة لعقود في التحايل على العقوبات الأمريكية والأوروبية وتجاوزها. كما ستتطلب هذه الاستراتيجية من واشنطن تحقيق توازن بين هدفها المتمثل في عزل طهران، وبين المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية المرتبطة بمواجهة الصين وغيرها من الشركاء التجاريين الرئيسيين.

وعلى الرغم من أن استراتيجية إدارة ترامب للعقوبات تتسم بقدر لافت من التصعيد والعدائية، إلا أنها تظل في جوهرها غامضة إلى حدٍّ كبير، إذ لا توجد إجابة واضحة بشأن الخطوة التالية، لا سيما في ضوء إقرار الإدارة بأن التنفيذ الكامل لهذه الإجراءات قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المالي العالمي، كما أشار الدبلوماسي الأمريكي السابق (روبرت مالي).

وفي حين ستؤدي «عقوبات يوم الإنزال» إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية والمعاناة الإنسانية على الإيرانيين، إلا أنها قد تدفع أيضًا الجمهورية الإسلامية إلى تبني نهج أكثر تشددًا، بما يزيد احتمالات التصعيد العسكري إذا خلص المسؤولون الإيرانيون إلى أن الهدف النهائي للبيت الأبيض هو تغيير النظام.

وتكمن المفارقة في أن إدارة ترامب تمارس ضغوطًا اقتصادية تحديدًا من أجل تحقيق أهدافها من دون العودة إلى الحرب، على الأقل إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقرر إجراؤها هذا العام.

 

 

الإمارات محور أساسي في حملة ترامب للضغط على إيران

تُعد الإمارات العربية المتحدة، ودبي على وجه الخصوص، محورًا أساسيًا في هذه الجهود، نظرًا إلى دورها الممتد منذ عقود بوصفها بوابة تجارية ومالية مهمة لإيران ومركزًا رئيسيًا لإعادة التصدير.

وقبيل وقتٍ قصير من إعلان إدارة ترامب عن «عملية المنبوذ الاقتصادي»، أعلنت الإمارات تعليق تجارتها مع إيران، ردًا على الهجمات الصاروخية الباليستية التي شنتها طهران.

وأوضح (محمد الحمد)، المحلل الجيوسياسي السعودي ورئيس مجموعة سعودي إيليت، في مقابلة مع العربي الجديد، أن قرار الإمارات تعليق التجارة سيكون له «تأثير حقيقي» على إيران، وأن أهميته ستتجاوز بكثير مجرد تعليق التجارة الثنائية بحد ذاته.

وقال (ديفيد دي روش)، الأستاذ في معهد ثاير مارشال: «عندما تتوافر السجلات التاريخية ونراجعها، أعتقد أننا سنجد أن الإمارات قطعت العلاقات المصرفية والمالية مع إيران، وكان ذلك شرطًا أساسيًا ليوم الإنزال الاقتصادي».

وأشار الحمد إلى أن «إدارة ترامب محقة في تركيزها على شرايين التمويل الخارجية هذه. فحرمان طهران من الوصول إلى القنوات المصرفية والوسطاء التجاريين والشركات الواجهة والأصول الرقمية وشبكات إعادة التصدير يجعل نقل الأموال والتحايل على القيود أكثر صعوبة وتكلفة بكثير».

ومع ذلك، وبينما وصف الحمد تعليق التجارة الإماراتية-الإيرانية بأنه «خطوة مهمة»، شدد على أن فعالية حملة الضغط هذه ستعتمد في نهاية المطاف على مدى صرامة تنفيذها وتطبيقها.

وأوضح للعربي الجديد: «لا يزال هناك حاجة إلى تشديد كبير في مراقبة المعاملات المالية، وشبكات تحويل الأموال، وأنشطة العملات المشفرة، والشركات الوهمية، وآليات الدفع غير الرسمية في مختلف أنحاء المنطقة. وإذا جرى تقييد هذه القنوات المتبقية بشكل جاد، فسيصبح من الصعب على طهران الإفلات من الضغوط الاقتصادية بدرجة كبيرة».

 

 

الخليج يواجه خطر الانتقام الإيراني

قد تواجه دول مجلس التعاون الخليجي صعوبة في التعامل مع تداعيات حملة الضغط التي تشنها إدارة ترامب. إذ تواجه دول الخليج العربية معادلة استراتيجية شديدة التعقيد، تتطلب الحفاظ على علاقات أمنية قوية مع الولايات المتحدة، مع السعي في الوقت نفسه إلى تجنب جولة جديدة من التصعيد الإقليمي.

وقد كانت إيران واضحة في تهديداتها بالانتقام من الدول التي تتهمها طهران بالتواطؤ في «عملية المنبوذ الاقتصادي».

وتناول دي روش احتمال شن إيران ضرباتٍ عسكرية ضد دول مجلس التعاون الخليجي، معتبرًا أن طهران ستواجه صعوبة في تبرير مهاجمة «دول محايدة» ردًا على إجراءات اقتصادية لا عسكرية، وأن مثل هذا السيناريو قد يمنح ترامب ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران.

وقال للعربي الجديد: «إدارة ترامب لم تقدّم في الأساس مبررات مقنعة لشن الحرب، لكن في ظل حالة السلام النسبي القائمة حاليًا، إذا بادرت إيران فجأة إلى شن هجمات من دون أن تكون قد تعرضت لهجوم، فأعتقد أن ترامب وحزبه سيطرحان الأمر على النحو التالي: “عليكم دعم شركائكم هنا، ولم تعد هذه حربًا اختيارية”».

وإذا ردت إيران بالانتقام من الدول العربية الخليجية على أساس أنها تقف إلى جانب حملة الضغط التي تقودها إدارة ترامب، فإن الحمد يرى أن هذه الخطوة قد تنقلب على طهران، من خلال تعزيز التعاون الاستخباراتي والبحري والدفاعي ضد الصواريخ، إلى جانب التعاون الأمني الأوسع بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.

لكن مرتضوي سلطت الضوء على مخاوف أكثر أهمية على المدى الطويل، تتمثل في أن مثل هذه الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المُسيّرة ضد دول مجلس التعاون قد تعزز قناعات موجودة أصلًا في العواصم الخليجية، مفادها أن الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها ضامنًا للأمن يعرّضها على نحو خطير لصراعات لم تبادر إليها، وثبت أنها تتجاوز قدرتها على السيطرة عليها.

وفي المرحلة المقبلة، سيتوقف نجاح «يوم الإنزال الاقتصادي» في نهاية المطاف على ما ستُفضي إليه هذه الضغوط على الصعيد السياسي.

ومن منظور إدارة ترامب، ستكون النتيجة المثالية أن تدفع «عملية المنبوذ الاقتصادي» طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وهي مستعدة لتقديم تنازلات مهينة لواشنطن في إطار اتفاقٍ جديد، من دون التسبب في جولة أخرى من الحرب الشديدة التي قد تلحق أضرارًا بالغة بالاقتصاد العالمي.

لكن إذا ردت الجمهورية الإسلامية بتصعيد المواجهة بدلًا من تغيير مسارها، فقد تؤدي الحملة، في المقابل، إلى تفاقم التوترات، وزيادة المخاطر التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي، والمساهمة في إشعال دورة جديدة من الصراع الإقليمي.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في معرفة ما إذا كان الضغط الاقتصادي قادرًا على فتح المجال أمام الدبلوماسية، بدلًا من أن يتحول إلى مسار يقود إلى مزيد من التصعيد.

واستنادًا إلى تجربة حملات «الضغط الأقصى» السابقة التي قادتها إدارات أمريكية سابقة، والتي فرضت أعباء اقتصادية كبيرة على الإيرانيين العاديين من دون أن تؤدي إلى استسلام سياسي، تبدي مرتضوي تشككًا في نجاح هذه الاستراتيجية.

وقالت للعربي الجديد: «تؤدي العقوبات إلى تعميق المعاناة الاقتصادية للإيرانيين العاديين. لكن سنوات من ممارسة أقصى درجات الضغط أظهرت أن المعاناة الاقتصادية لا تفضي بالضرورة إلى استسلام سياسي».

وعليه، فإن المخاطر التي تواجهها دول الخليج العربية تتجاوز بكثير التأثير الاقتصادي المباشر للعقوبات.

ومع سعي واشنطن إلى تشديد الخناق على طهران بما يتجاوز ما سبق أن اتخذته من إجراءات، سيتعين على دول مجلس التعاون الخليجي التعامل مع احتمال أن تؤدي التدابير الرامية إلى تجنب موجة جديدة من الأعمال العدائية، بدلًا من ذلك، إلى إشعالها، والزج بالدول العربية الخليجية في حالة من الاضطراب والفوضى.

وبالنسبة إلى العواصم الخليجية، لا تقتصر المعضلة الأساسية على كيفية التعامل مع حملة واشنطن، بل تمتد إلى كيفية إدارة علاقاتها مع إيران بوصفها قوة إقليمية مجاورة سيستمر دورها في المنطقة إلى ما بعد انتهاء المواجهة الحالية.

وكما قالت مرتضوي: «تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها مرة أخرى عالقة بين حليف قوي يبعد آلاف الأميال عنها، وجار قوي موجود في هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وسيظل جارًا لها بعد فترة طويلة من انتهاء هذه الحرب».


التعليقات