دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة. فالحرب التي تصدّرت عناوين الأخبار في وقتٍ سابق من هذا العام تفسح المجال بصورة متزايدة أمام صراع أوسع نطاقًا يشمل الضغوط الاقتصادية، والأمن البحري، والدبلوماسية، واستعراض القوة. وقد أسهم هذا الصراع في تسريع اتجاهات وتحولات قائمة في مختلف أنحاء العالم، ممهدًا لقيام نظام عالمي جديد.
وقد أوضحت إدارة ترامب أنها ترى أن المرحلة المقبلة من الحملة ستعتمد بدرجة أقل على الضربات الجوية، وبدرجة أكبر على عزل إيران اقتصاديًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الردع العسكري. أما طهران، فتسعى من جانبها إلى حشد ما تبقى لها من حلفاء وأصدقاء، وإثبات أنها لا تزال تمتلك أوراقًا وأدوات نفوذ يمكنها استخدامها.
وهنا خمسة أوجه يتغير من خلالها الصراع بين الولايات المتحدة وإيران:
• أولًا: قد يتحول مضيق هرمز من ساحة معركة إلى ممر ملاحي
جاءت إحدى أوضح مؤشرات هذا التحول اليوم، عندما أعلن الرئيس (دونالد ترامب) أن البحرية الأمريكية نجحت في إزالة الألغام البحرية من مضيق هرمز. وكتب ترامب على منصة «تروث سوشيال»: «تمت إزالة جميع الألغام و/أو تفجيرها داخل المياه الدولية لمضيق هرمز».
لكن الرسالة تتجاوز مسألة الألغام بحد ذاتها بكثير؛ فهي تعكس عزم واشنطن على ضمان حرية الملاحة، رغم المحاولات العديدة التي تبذلها إيران لتعطيل حركة الملاحة البحرية. كما حذّر ترامب من أن إيران أُبلغت بأن أي سفينة تحاول زرع ألغام إضافية ستتعرض لـ«التدمير الفوري والمنهجي». وقد تبنّت الولايات المتحدة سياسة دعم حرية الملاحة منذ عهد إدارة الرئيس (وودرو ويلسون)، أي قبل أكثر من 100 عام.
لكن الرسالة تتجاوز مسألة الألغام بحد ذاتها بكثير، فهي تعكس عزم واشنطن على ضمان حرية الملاحة، رغم المحاولات العديدة التي تبذلها إيران لتعطيل حركة الملاحة البحرية. كما حذّر ترامب من أن إيران أُبلغت بأن أي سفينة تحاول زرع ألغام إضافية ستتعرض لـ«التدمير الفوري والمنهجي». وقد تبنّت الولايات المتحدة سياسة دعم حرية الملاحة منذ عهد إدارة الرئيس وودرو ويلسون، أي قبل أكثر من 100 عام.
ويبدو أن الهدف الأمريكي في الوقت الراهن يتمثل في حرمان إيران من أوراق الضغط التي تمتلكها، مع طمأنة أسواق الطاقة العالمية إلى إمكانية استمرار حركة الملاحة الدولية بصورة طبيعية.
• ثانيًا: أصبح الضغط الاقتصادي السلاح الرئيسي لواشنطن
أشارت إدارة ترامب إلى أن الضغط الاقتصادي يُشكّل محور الاستراتيجية الأمريكية.
وأعلن وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) إطلاق «عملية المنبوذ الاقتصادي»، واصفًا إياها بأنها حملة غير مسبوقة تهدف إلى عزل إيران ماليًا.
وقال بيسنت: «في الحرب العالمية الثانية، مثّل يوم الإنزال بداية تاريخية لحملة خاضها حلفاؤنا لاستهداف العدو ودفعه إلى الخروج من مواقعه. واليوم، وبالروح ذاتها، نطلق هجومًا اقتصاديًا واسعًا على الروابط المالية الإيرانية حول العالم».
وتشير وزارة الخزانة إلى أنها قامت برسم خريطة للشبكات المالية الإيرانية، وعمليات تهريب النفط، وآليات الالتفاف على العقوبات، وقنوات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي (IRGC). ويتمثل الهدف الأمريكي في قطع ما تصفه واشنطن بأنه كل شريان اقتصادي متبقٍ يدعم النظام الإيراني.
وعلى خلاف حملات العقوبات السابقة، تبدو هذه المبادرة مصممة باعتبارها جهدًا عالميًا مفتوح المدى، وليس مجرد سلسلة من حزم العقوبات المنفصلة. كما تقدم واشنطن هذه الحملة للدول النامية باعتبارها خيارًا واضحًا: الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، أو المخاطرة بالتعرض للعزلة الاقتصادية إلى جانب إيران.
ويبقى مدى نجاح هذه الاستراتيجية أمرًا ستكشفه التطورات المقبلة.
• ثالثًا: بدأت الصين تُبدي قلقها إزاء الصراع مع اقترابه تدريجيًا من المنطقة
سلّطت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الضوء فورًا على واقع آخر، يتمثل في الأهمية المتزايدة للصين. فقد انتقدت الصين العقوبات الجديدة، محذرة من أنها «لن تؤدي إلا إلى زيادة حدة التوترات»، ومؤكدة أن تعاونها المشروع مع إيران يجب ألا يتعرض للعرقلة. كما عارض المسؤولون الصينيون مجددًا ما وصفوه بأنه عقوبات أمريكية أحادية الجانب.
وترتبط الصين بإيران باتفاقية اقتصادية تمتد لـ25 عامًا. ومن اللافت أن الصين تستفيد من انشغال الولايات المتحدة وانخراطها في مواجهتها مع إيران.
وفي السياق ذاته، شدد مسؤولون إيرانيون على أن الصين لا تزال واحدة من أهم شركاء طهران. وقال وزير الاقتصاد الإيراني (سيد علي مدني زاده)، إن كلاً من الصين وروسيا لم تُبديا أي مؤشرات على عزمهما الامتثال الكامل للحملة الأمريكية الجديدة.
ويعكس ذلك تنافسًا جيوسياسيًا أوسع نطاقًا. فمنذ سنوات، اتجهت إيران شرقًا مع تدهور علاقاتها بالدول الغربية. فقد اشترت الصين النفط الإيراني، واستثمرت في البنية التحتية، ووسعت علاقاتها السياسية مع طهران. كما عمّقت روسيا بدورها تعاونها العسكري والاستراتيجي مع إيران. وتتوقع طهران المزيد من الصين، إلا أن بكين أظهرت حتى الآن حذرًا براغماتيًا في تعاملها مع هذا الملف.
وبالتالي، باتت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتنافس الأوسع بين القوى الكبرى، في وقتٍ يشهد فيه النظام العالمي تحولات تستدعي إعادة ترتيب موازين القوى والعلاقات الدولية بما يتلاءم معها. وقد لا يتوقف نجاح «عملية المنبوذ الاقتصادي» على قدرة الولايات المتحدة على فرضها وإنفاذها فحسب، بل أيضًا على ما إذا كانت الصين وروسيا ستقرران الحد من انخراطهما وعلاقاتهما مع إيران.
• رابعًا: تردّ إيران على الضغوط الاقتصادية
يعكس ردّ إيران أن طهران باتت تنظر بصورة متزايدة إلى الضغط الاقتصادي باعتباره شكلًا آخر من أشكال الحرب. و وصف مدني زاده العقوبات الجديدة بأنها «هجوم إرهابي اقتصادي»، محذرًا من أن على واشنطن أن «تتوقع هجومًا» ردًا عليها. وقال خلال مقابلة بثها التلفزيون الإيراني الرسمي: «نحن نعرف أيضًا كيف نلعب هذه اللعبة».
ورغم أن المعنى الدقيق لهذه التصريحات لا يزال غير واضح، فإن القادة الإيرانيين سعوا إلى مواجهة الضغوط الاقتصادية عبر ما يُعرف بالوسائل غير المتكافئة. فقد تزامنت فترات سابقة من العقوبات مع ردود شملت هجمات إلكترونية، وتهديدات من جماعات تعمل بالوكالة ومدعومة من إيران، وهجمات بحرية، ومحاولات لتعطيل البنية التحتية الإقليمية للطاقة.
وتشير النجاحات التي حققتها واشنطن في التعامل مع الألغام الإيرانية إلى أن إيران لم تعد قادرة على التحكم في وتيرة الحرب ومسار تصعيدها.
• خامسًا: الدبلوماسية الإقليمية مستمرة رغم الحرب، ولم تختفِ الدبلوماسية بعد
في 25 أغسطس/ آب، أصدرت سلطنة عُمان وإيران بيانًا مشتركًا عقب مشاورات بين وزير الخارجية العُماني السيد (بدر بن حمد البوسعيدي) ووزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي). ونشر الجانبان عبر منصة «إكس» (تويتر سابقًا) تفاصيل مبادرتهما الجديدة.
وركزت المباحثات على استعادة الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، مع احترام سيادة الدول. وقالت الحكومتان إنهما ناقشتا إطارًا مرحليًا يمكن أن يوفر أساسًا عمليًا للمضي قدمًا بعد الصراع الأخير.
لطالما أدت عُمان دورًا محوريًا في الدبلوماسية الإقليمية. فقد حافظت السلطنة على علاقات مع كل من واشنطن وطهران، وكثيرًا ما أدت دور قناة اتصال هادئة وغير معلنة للمفاوضات. كما استفادت جولات سابقة من المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران من الوساطة العُمانية، وهو ما أدى إلى تهديدات أمريكية وُجّهت ضد عُمان.
وتسعى إيران إلى إظهار قدرتها على الصمود، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خياراتها الدبلوماسية من خلال شركاء مثل عُمان. وتحاول دول المنطقة منع حدوث اندلاع موجة تصعيد جديدة قد تهدد مجددًا أسواق الطاقة العالمية. وجاء التحرك العُماني بعد زيارة مسؤولين باكستانيين إلى طهران.