تحليل: هل تنجح استراتيجية ترامب لعزل إيران من دون موافقة الصين؟
يمن فيوتشر - سي إن إن - سيمون مكارثي- ترجمة خاصة الخميس, 27 أغسطس, 2026 - 01:00 صباحاً
تحليل: هل تنجح استراتيجية ترامب لعزل إيران من دون موافقة الصين؟

عندما كشف وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) عن «عملية المنبوذ الاقتصادي»، مهددًا بفرض عقوبات جديدة ومؤلمة على الدول التي ترفض وقف تعاملاتها التجارية مع إيران، لم يسمِّ الدولة الوحيدة التي قد تحدد نجاح هذه العملية أو فشلها: الصين.

لطالما شكّلت ثاني أكبر اقتصاد في العالم شريانًا اقتصاديًا حيويًا لطهران، إذ تشتري الغالبية العظمى من صادراتها النفطية، التي قُدّرت قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية العام الماضي، فضلًا عن تعاملات تجارية أخرى.

غير أن إقناع الصين بالانضمام إلى أحدث جهود البيت الأبيض لإخضاع القيادة الإيرانية، التي لا تزال ترفض بعناد الاستسلام رغم ما يقرب من ستة أشهر من الحرب، سيكون مهمة بالغة الصعوبة.

وترفض بكين رفضًا قاطعًا ما تصفه بـ«العقوبات الأمريكية أحادية الجانب»، ودافعت منذ فترة طويلة عن حقها في إقامة علاقات تجارية طبيعية مع شركاء مثل إيران وروسيا. كما ترى أن واشنطن ستتردد في إشعال مواجهة اقتصادية أوسع نطاقًا من شأنها أن تلحق الضرر بالبلدين، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.

ويوم الثلاثاء، وعقب المؤتمر الصحفي الذي عقده بيسنت، تعهدت وزارة الخارجية الصينية بـ«اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة» لحماية «حقوقها ومصالحها المشروعة» في مواجهة التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات.

وقال المتحدث باسم الوزارة (لين جيان): «الحرب الاقتصادية وسياسة الضغط الأقصى لن تساعدا في حل القضية، بل ستؤديان فقط إلى زيادة حدة التوترات والصراعات، وخلق مخاطر لامتداد تداعياتها، وتعطيل النظام الاقتصادي والمالي العالمي».

ويأتي تهديد بيسنت أيضًا قبيل زيارة مرتقبة بشدة للزعيم الصيني (شي جين بينغ) إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل، حيث قد يحرز الجانبان تقدمًا في تمديد الهدنة التجارية المهمة، التي من المقرر أن تنتهي في وقت لاحق من هذا الخريف.

وكان الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) قد قال في وقت سابق إنه لم يطلب من شي «أي خدمات» بشأن إيران خلال اجتماع جمعهما في مايو/أيار الماضي؛ وهو تصريح، إذا كان دقيقًا، فمن المرجح أن يُفسَّر في بكين على أنه مؤشر على يأس الولايات المتحدة لإنهاء الصراع.

وما تبقى الآن هو حسابات دقيقة ومدروسة يتعين على البلدين إجراؤها بشأن كيفية التعامل مع ما وصفه بيسنت بأنه مرحلة من «الدبلوماسية الهادئة»؛ أي توجيه إنذارات نهائية إلى شركاء إيران الاقتصاديين بصورة سرية، من دون أن يكشف وزير الخزانة تحديدًا عن أسماء هؤلاء الشركاء خلال مؤتمره الصحفي.

ويرى محللون صينيون أن هامش الاستجابة لمطالب واشنطن محدود. وقال (تشاو لونغ)، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والأمنية الدولية التابع لمعاهد شنغهاي للدراسات الدولية: «من غير المرجح أن تقبل الصين بوضع تحدد فيه واشنطن ما يجوز للشركات الصينية أن تتاجر به قانونًا مع دول ثالثة».

وأضاف: «فهذا من شأنه أن يرسخ سابقة تُمكّن العقوبات الأمريكية الثانوية فعليًا من تحديد العلاقات التجارية للصين مع دول ثالثة».

 

 

ما الذي يمكن لواشنطن أن تفعله؟

تستورد الصين النفط الإيراني عبر منظومة معقدة وغير شفافة صُممت أصلًا بحيث تكون معزولة عن النظام المالي القائم على الدولار الأمريكي، وبالتالي عن العقوبات أيضًا.

وتشتري مصافي التكرير الخاصة، المعروفة باسم «مصافي إبريق الشاي»، النفط الخام الإيراني الخاضع للعقوبات الأمريكية وتقوم بتكريره، مستفيدةً من شبكة من الموانئ والمؤسسات المالية وناقلات النفط التي تكون هي الأخرى، في كثير من الأحيان، محصّنة من الانكشاف على النظام المالي الدولي. ولم تعد الصين تسجّل هذه المشتريات رسميًا منذ سنوات، وذلك منذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران، عقب انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرم في عهد الرئيس (باراك أوباما).

لكن المحللين يقولون إن هناك بالفعل نقاط ضغط يمكن لواشنطن استغلالها.

وقال (ماكس ميزليش)، كبير محللي الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية متخصصة في شؤون الأمن والسياسة الخارجية ومقرها واشنطن: «عندما تنظر إلى هيكل ملكية هذه الكيانات في أعلى هيكل ملكيتها، ستجد أن العديد منها مملوك بشكل مباشر أو غير مباشر لكيانات صينية كبرى مملوكة للدولة، وهي مندمجة بدرجة كبيرة في النظام القائم على الدولار الأمريكي».

وأضاف: «ومن خلال فرض العقوبات على الشركات التابعة لها، تستطيع الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على الشركات الأم لدفعها إلى التخلي عن هذه الاستثمارات، خشية أن تُصنَّف على أنها تقدم دعمًا مباشرًا أو غير مباشر لكيانات خاضعة للعقوبات».

وكان بيسنت قد قال في وقت سابق من هذا العام إن واشنطن وجهت تحذيرات إلى مصرفين صينيين لم تسمِّهما، بسبب دورهما في معاملات مرتبطة بإيران. وعندما سُئل خلال مؤتمره الصحفي يوم الاثنين عن الإجراءات التي ستتخذها الولايات المتحدة بحق البنوك وشركات الشحن الصينية التي لا تمتثل للعقوبات، قال إن «لا أحد بمنأى عن العقوبات الأمريكية».

وعلى الرغم من اللهجة الحازمة، سبق لبكين أن شهدت تهديدات أمريكية بفرض عقوبات واسعة النطاق، قبل أن تتراجع واشنطن عنها لاحقًا. كما تدرك بكين تمامًا أن واشنطن على دراية بنفوذ الصين الاقتصادي الكبير على الولايات المتحدة، ولا سيما من خلال هيمنة الصين على الإمدادات العالمية من المعادن الأرضية النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية.

وقال (سون تشنغهاو)، الباحث الأول في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا في بكين: «إذا تجاوزت واشنطن ذلك الخط، أي إذا فرضت عقوبات على بنوك صينية كبرى، فمن شبه المؤكد أن بكين سترد، وسيتدهور المناخ السياسي المحيط بالقمة بين ترامب وشي بصورة حادة».

وأضاف أن مثل هذه الخطوة قد لا تؤدي تلقائيًا إلى إلغاء اجتماعهما، لكنها ستؤدي إلى «تحويل مسار القمة من العمل على تحقيق الاستقرار إلى احتواء الأضرار».

 

 

اعتبارات القمة

سيعكف الجانبان على تقييم تداعيات أي تصعيد على تلك القمة، التي يُتوقع أن تكون أول زيارة دولة يجريها شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة منذ 11 عامًا.

وفي حين أن بكين لن ترغب في أن تبدو وكأنها تتعاون مع نظام عقوبات تعارضه، فإن بإمكانها اتخاذ بعض الخطوات المحسوبة والمدروسة، مثل خفض مشترياتها من النفط الإيراني بهدوء، أو رفع مستوى رسائلها السياسية الموجهة إلى طهران، وبذل جهود لتشجيعها على ضبط النفس.

وقد تراجعت مشتريات الصين من النفط الإيراني بالفعل بشكل حاد مقارنة بالعام الماضي، في ظل تقييد الحصار الأمريكي لصادرات النفط الخام الإيراني.

وأشار محللون صينيون أيضًا خلال الأسابيع الأخيرة إلى وجود نقاط التقاء بين مصالح واشنطن وبكين، ولا سيما فيما يتعلق بضرورة استعادة حركة التجارة عبر مضيق هرمز، الذي تضررت حركة الملاحة فيه بشدة بسبب الصراع، إلى جانب استعادة الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع، وهو أمر من شأنه أيضًا أن يهيئ ظروفًا مواتية للتجارة.

وفي الأيام الأخيرة، جدّدت بكين كذلك رسائلها الداعية إلى ضبط النفس والحفاظ على سير العمليات الطبيعية في محيط المضيق.

وفي بيان مشترك صدر عقب اجتماع مع العاهل الأردني (الملك عبد الله الثاني) في بكين يوم الاثنين، دعا (شي جين بينغ) إلى استعادة «المرور الطبيعي» عبر المضيق، وإلى التوصل إلى «حل شامل» للصراع.

وقال نائب وزير الخارجية الصيني (مياو دييو) الأسبوع الماضي، خلال استضافته مسؤولين إيرانيين في بكين، إن الصين «ملتزمة بنشاط بالدفع نحو محادثات السلام».

ومع ذلك، أظهرت بكين حذرًا إزاء القيام بدور الوسيط المباشر في الصراع، مفضلةً اتخاذ موقف يحمي مصالحها الاقتصادية الخاصة، ويعزز في الوقت ذاته صورتها كقوة مستقرة تدعم السلام الإقليمي، في مقابل ما تعتبره تذبذبًا في المواقف الأمريكية.

وقال (تشاو لونغ) في شنغهاي إن أي تعاون مع الولايات المتحدة في استعادة السلام الإقليمي «يجب ألا يُختزل في مجرد تقديم خدمة لترامب».

وأضاف: «بكين مستعدة للمساهمة في إنهاء الأزمة، لكنها ليست مستعدة لأن تتحول إلى أداة في استراتيجية واشنطن القائمة على ممارسة أقصى قدر من الضغط».


التعليقات