كيف تنظر الجماعات الجهادية السنية – وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة – إلى الصراع مع إسرائيل؟ وما هي التداعيات العملية لوجهات نظرها؟
الإجابة على هذه التساؤلات تؤثر على قدرة هذه الجماعات على تجنيد العناصر وارتكاب المزيد من أعمال العنف.
و بالرغم من أن كلا التنظيمين يشتركان في فهم الصراع كحرب دينية ضد اليهود، ويدعوان المسلمين لدعم قضية فلسطين من خلال تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية ويهودية وغربية، إلا أن لديهما مواقف مختلفة بشكلٍ واضح تجاه حركة حماس. حيث يتبنى تنظيم الدولة الإسلامية موقفًا أيديولوجيًا نقيًا، مقارنة بموقف تنظيم القاعدة الذي يظهر تضامنًا شعبويًا. علاوة على ذلك، يركز تنظيم الدولة الإسلامية بشكل خاص على ضرورة معارضة وقتال الشيعة كعنصر أساسي لتصحيح مسار النضال الفلسطيني، وهو موقف لا يتبناه تنظيم القاعدة، رغم عدائه العام للشيعة.
و قدرة كلا التنظيمين على تقديم نفسيهما للجمهور المسلم الأوسع كقنوات حقيقية لدعم القضية الفلسطينية محدودة. ومع ذلك، هناك تهديد متزايد من إمكانية تحفيز الأفراد، وخاصة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، لتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية ويهودية وغربية. و التقارير حول الهجمات الفعلية والمخططات التي تم إحباطها تشير إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية، وليس القاعدة، هو الذي يقود جهود التحريض والإلهام. و هذا يوضح أنه رغم أن القاعدة ليست بالضرورة غير ذات صلة، إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية يشكل تهديدًا أكبر بشكل عام. و حقيقة أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل التهديد الأكبر تعد مقياسًا آخر لكيفية تفوقه على القاعدة، رغم أن القاعدة هي التنظيم الأقدم.
و دعاية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الرسمية تعكس بشأن الصراع اتجاهات طويلة الأمد تتميز بانتشارها وتنسيقها بشكل يفوق دعاية تنظيم القاعدة. و يتضح ذلك بشكل خاص في الإنتاج المنتظم لقسم الإعلام المركزي لداعش، الذي يصدر نشرة أسبوعية باللغة العربية تُعرف بـ"النبأ". حيث يقوم أنصار داعش بترجمة هذه النشرة وتوزيعها بعدة لغات، مما يوسع نطاق رسائل التنظيم.
و نظرًا لجهود داعش الإعلامية الأوسع والأكثر انتظامًا، من المناسب تسليط الضوء على وجهات نظره تجاه الصراع. و يظهر تباين واضح عند مقارنتها بوجهة نظر تنظيم القاعدة، لا سيما أن القاعدة كان أقل نجاحًا في تنظيم المؤامرات أو إلهام الهجمات، خاصة ضد الأهداف الإسرائيلية واليهودية والغربية.
و يتناول هذا التحليل التداعيات العملية لموقف كل من التنظيمين والتهديد الأمني العام الذي يشكلانه.
• داعش: فهم الحرب ضد اليهود:
يعكس خطاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المنظور الأوسع للجهادية السنية، حيث يُصوَّر الصراع مع إسرائيل ليس كقضية وطنية أو إقليمية، بل كحرب دينية بين اليهود والمسلمين السنة. و بالنسبة لداعش والجهاديين الآخرين، فإن الصراع مع اليهود يعود إلى ما قبل تأسيس إسرائيل، إذ يرون إسرائيل وأفعالها كتجسيد معاصر للصور السلبية التقليدية لليهود في القرآن.
و يمكن القول إن الجدل القرآني حول اليهود يشير بشكل خاص إلى القبائل اليهودية في يثرب التي عارضت المجتمع الإسلامي المبكر. ومع ذلك، يفسر داعش والجهاديون الآخرون هذه الآيات على أنها تُنسب سمات سلبية دائمة لليهود، ويطبقونها عالميًا في السياقات التاريخية والحالية. و تشمل هذه السمات المزعومة رفض الله، والعناد، وتحريف كلام الله، والخيانة، وقتل الأنبياء، والعداء المتأصل تجاه المسلمين.
و في فبراير/ شباط 2023، نُشرت افتتاحية في النشرة الأسبوعية لداعش "النبأ" بعنوان "اقتلوا اليهود"، حيث عززت هذه التصورات وطرحت سؤالًا بلاغيًا: هل يمكن لأي شخص أن يدعي بصدق أن الصراع مع اليهود ليس دينيًا بطبيعته؟ وصُوِّرت الأوضاع في "فلسطين" كنتيجة طبيعية لعداء اليهود للمسلمين ونشرهم الفساد في الأرض. وتم تذكير الفلسطينيين بأن الصراع مع اليهود يجب أن يُفهم على أنه ديني بحت، مع التركيز على أهمية استهداف المعابد اليهودية وأماكن عبادتهم.
و نُشرت الافتتاحية بعد هجوم بالقنابل في القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، حيث ظهرت صورة المهاجم في أعلى المقالة، رغم أن داعش لم يعلن رسميًا مسؤوليته عن الهجوم. وحث المقال المسلمين على استهداف الأحياء اليهودية وأماكن عبادتهم في أوروبا وحول العالم.
و ظل خطاب داعش الذي يُصور الصراع كحرب دينية ضد اليهود ويدعو إلى هجمات عالمية على المواقع اليهودية متماسكًا. ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تم تعزيز هذا السرد كجزء من جهود أوسع لدعم المسلمين في غزة وفلسطين.
• الشر الأعظم لـ"المرتدين"، خاصة الشيعة:
على الرغم من تحريض تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الحرب ضد اليهود، فقد ظل التنظيم وأسلافه التنظيميون متمسكين برؤية مفادها أن الردة –أي التخلي عن الإسلام بعد اعتناقه– أشد خطورة من الكفر الأصلي (أي عدم الإيمان بالإسلام منذ البداية). و ينبع هذا الاعتقاد من الرؤية التي تعتبر أن التخلي عن الحق بعد قبوله رسميًا أشد فداحة من عدم قبوله على الإطلاق.
و يبرز هذا التركيز على شر "الردة" الأكبر في البيان الرسمي لمعتقدات داعش، بعنوان "هذه هي عقيدتنا و منهجيتنا"، وهو نسخة معدلة قليلاً من بيان لتنظيم القاعدة في العراق صدر عام 2005. و يتضمن كلا البيانين الفقرة الرئيسية التالية: "كفر الردة أشد بالإجماع من الكفر الأصلي، وبالتالي، في نظرنا، قتال المرتدين أولى من قتال الكافر الأصلي."
ز تطبيقًا لهذا المبدأ على إسرائيل، يجادل داعش بأن القتال ضد إسرائيل لا يمكن أن يكون فعالاً حقًا طالما كانت محاطة بـ"كيانات مرتدة"، أي تلك التي تعمل كحلفاء للدولة اليهودية أو تقوض النضال ضدها. و إسرائيل نفسها، التي يحكمها اليهود الذين يُنظر إليهم كـ"كفار أصليين" لعدم اعتناقهم الإسلام أبدًا، تظل هدفًا. أما الدول "المرتدة" التي تعمل كحلفاء وحماة لإسرائيل فتشمل جيرانها العرب السنة مثل الأردن ومصر.
و ما يثير القلق أكثر في نظر داعش هو إيران والفصائل الشيعية المسلحة المتحالفة معها التي تشكل "محور المقاومة". و يرى داعش أن هذه الجماعات تستغل القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها الخاصة، بينما تروج لعقائد دينية يعتبرها داعش تشويهاً للإسلام من الداخل.
• افتتاحية النبأ: "نقاط على الحروف" وتأملات حول الصراع بين إسرائيل وحزب الله:
في خريف 2024، سلطت افتتاحية في النشرة الأسبوعية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بعنوان "نقاط على الحروف"، الضوء على تصعيد القتال بين إسرائيل وحزب الله. و وفقًا للمقالة، لا يُعتبر الصراع بين "الرافضة" (وهو مصطلح تحقيري يستخدمه داعش للإشارة إلى الشيعة الاثني عشرية، التي تشكل جوهر الحكومة الإيرانية و"محور المقاومة") صراعًا دينيًا حقيقيًا بالمعنى ذاته للصراع بين اليهود والمسلمين السنة، والذي ينظر إليه داعش كمعركة بين الإيمان والكفر.
و بدلاً من ذلك، يصف داعش الصراع اليهودي-الشيعي بأنه حرب بين "طرفين كافرين يشنان حربًا على الإسلام." ومع ذلك، يرى التنظيم أن صعود وسيطرة "الرافضة" يمثل تهديدًا أكبر للإسلام والمسلمين. و السبب في ذلك هو أن المسلمين يعترفون عالميًا باليهود ككفار، دون قلق بشأن اعتناق واسع النطاق للإسلام من قِبَل اليهود. و وفقًا لداعش، يهدد اليهود حياة وثروات المسلمين، لكن "الرافضة" يمثلون ضررًا أشد، إذ يمكنهم إغواء المسلمين لاعتناق دينهم الباطل، وإفساد الإسلام من الداخل، وتقديم أنفسهم زورًا كمدافعين حقيقيين عن القضية الفلسطينية.
كما يستدعي داعش مقارناتٍ تاريخية بالفترة التي كانت فيها القومية العربية العلمانية القوة الرئيسية في الكفاح ضد إسرائيل. و وفقًا لداعش، مثلت هذه الأيديولوجية شكلًا من أشكال الردة التي كانت قد تُضِل المسلمين عن الإسلام لو نجحت في الحرب ضد إسرائيل. ومع ذلك، فإن الشر الأعظم الذي يمثله "الرافضة" لا يبرر التحالف مع اليهود، تمامًا كما أن الطابع الشرير لليهود لا ينبغي أن يدفع المؤمنين لدعم إيران و"محور المقاومة."
و يسلط داعش الضوء على ما يراه عبثية هذا الصراع، قائلاً إنه في حين يعتبر جميع الأهداف اليهودية مشروعة، فإن إيران و"محور المقاومة" يلتزمان بقواعد اشتباك محددة. غعلى سبيل المثال، يُقال إن الهجوم الصاروخي الباليستي الإيراني اقتصر على استهداف منشآت عسكرية إسرائيلية (يُزعم أنها فارغة) بدلاً من استهداف تجمعات لليهود لزيادة الخسائر البشرية إلى أقصى حد.
وفي خطاب له في يناير/ كانون الثاني، أكد المتحدث باسم داعش (أبو حذيفة الأنصاري) على ما يراه الشر الأعظم لـ"الرافضة." وأشار إلى أنه في حين يطمح اليهود إلى إقامة دولة تمتد من النيل إلى الفرات (نظرية المؤامرة المعروفة بـ"إسرائيل الكبرى")، فإن "الرافضة" لديهم طموحاتهم الخاصة بإقامة "الهلال الشيعي" الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى إيران.
بالإضافة إلى ذلك، يشير داعش إلى أن "الرافضة" يسعون إلى السيطرة على شبه الجزيرة العربية، مما يعني ضمنيًا السيطرة على الحرمين الشريفين – مكة المكرمة والمدينة المنورة.
• عداء داعش لحركة حماس والإخوان المسلمين:
يمتد عداء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لإيران و"محور المقاومة" الشيعي ليشمل الفصائل السنية المتحالفة معه، وعلى رأسها حركة حماس. حيث يهاجم خطاب داعش باستمرار "الإخوان المرتدين"، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، لارتباطها بإيران و"محور المقاومة"، مع التركيز بشكل خاص على حماس في هذه الانتقادات. و وفقًا لداعش، فإن "السنة الحقيقيين" يجب أن يتبرأوا من الشيعة واليهود ككفار، مع الإقرار بأن الجهاد واجب ضد كلا الطرفين. أما بالنسبة لـ"الإخوان المرتدين" الذين انحازوا إلى "معسكر الرافضة"، فيؤكد داعش أن مصيرهم محتوم، واصفًا إياهم بـ"خونة السنة."
و هذا العداء تجاه حماس كحركة "مرتدة" يفسر رفض داعش الإشادة بهجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول ضد إسرائيل أو التعبير عن أي تعاطف مع حماس في صراعها المستمر مع إسرائيل في غزة وخارجها.
و لم تغيّر الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة والصراع الأوسع مع "محور المقاومة" من حسابات داعش الأساسية. و يرى التنظيم أن الحرب ضد "المرتدين" -وخاصة الشيعة- لها الأولوية على القتال ضد إسرائيل. وبحسب داعش، يجب التخلص من هؤلاء "المرتدين" وإسقاطهم أولًا من أجل الإعداد للمواجهة الحاسمة التي ستؤدي إلى تدمير الدولة اليهودية.
و بشكل عام، يتماشى هذا النهج مع منطق التركيز على "العدو القريب"، وهو مفهوم صاغه لأول مرة المفكر الجهادي المصري (محمد عبد السلام فرج). حيث جادل فرج في كتابه "الجهاد: الفريضة الغائبة" بأن التركيز على القضاء على "الاستعمار" (مثل إسرائيل) لا جدوى منه دون الإطاحة أولاً بـ"الحكام الكافرين" في أراضي المسلمين وإقامة نظام إسلامي شامل.
ومع ذلك، لم يُبدِ فرج اهتمامًا كبيرًا بالخلافات الطائفية داخل الإسلام، على عكس أيديولوجية داعش المعادية بشدة للشيعة، والتي تأثرت بشكل كبير بخطابات (أبي مصعب الزرقاوي) التي أدان فيها الشيعة بشدة.
تلخيص استراتيجية داعش في قتال إسرائيل:
يروج خطاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لاستراتيجية تقوم على مبدأ "قاتلوا جميع الكفار في كل مكان وبأي وسيلة ممكنة". و يتم توجيه أعضاء داعش وداعميه لمهاجمة أي كافر يمكن استهدافه بفعالية.
على سبيل المثال، يتم تشجيع عضو داعش المنخرط في تمرد في إحدى "ولايات" التنظيم، مثل العراق أو سوريا أو موزمبيق، على تكثيف هذه الجهود بناءً على توجيهات القيادة المركزية. وبالمثل، فإن مؤيدًا لداعش في أوروبا، لا يستطيع الانضمام إلى إحدى "الولايات" الأمامية لقتال دولة "مرتدة"، ولكنه قادر على مهاجمة مجتمع يهودي أو مسيحي محلي، يُحث على تنفيذ مثل هذه الهجمات.
• التشابهات بين داعش والقاعدة: الحرب الدينية والهجمات على اليهود والغرب:
يشترك تنظيم القاعدة مع داعش في رؤية الصراع مع إسرائيل على أنه صراع ديني ضد اليهود، وليس مجرد صراع ناتج عن احتلال الأرض. ومع ذلك، فإن وجود إسرائيل كدولة على "أرض المسلمين" يمثل لهم قضية حقيقية، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لداعش. ويظهر الطابع الديني للصراع من خلال فيديو طويل للأسئلة والأجوبة حول "طوفان الأقصى" (الاسم الذي أطلقته حماس على الهجوم الذي قادته في 7 أكتوبر/ تشرين الأول) مع (خالد بطارفي)، زعيم القاعدة في جزيرة العرب آنذاك. وعندما سُئل عن رسالته "للجماهير المسلمة"، أكد بطارفي قائلاً:
"معركتنا اليوم مع اليهود والصليبيين هي معركة دينية، فلا يُخدع أحد بأننا نقاتل اليهود فقط لأنهم يحتلون أرض المسلمين أو لأن الأمريكيين يحتلون أرض المسلمين ويمارسون القوة علينا. هذا أحد أسباب قتالنا لهم، وبخلاف ذلك، نحن نقاتلهم لأنهم كفروا بالله تعالى."
وبالمثل، يرى (سيف العدل)، المفترض أنه زعيم القاعدة، أن الصراع مع إسرائيل هو صراع ضد اليهود أنفسهم. و مثل داعش، يستند سيف العدل إلى القرآن ليؤكد أن اليهود يمثلون مشكلة جوهرية، مشيرًا إلى أن "أبناء نبي الله إسحاق (عليه السلام) هم اليهود، وهم الأمة التي غضب الله عليها والتي حذرنا الله بشأنها، فقد قال سبحانه: 'لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا."
كما ركزت القاعدة على أهمية شن هجماتٍ ضد اليهود والأهداف الغربية. و بالنسبة لسيف العدل، لا يجب أن يكون هناك "خطوط حمراء" عندما يتعلق الأمر باستهداف اليهود، حيث يدعي أن اليهود لم يظهروا أي حدود في قتل المدنيين وتدمير المساجد والبنية التحتية في غزة. و تصدر القاعدة بيانًا من القيادة العامة بعنوان "دعم وتأييد عمليات الأسود المنفردة ضد الصهاينة المعتدين" يدعو إلى الهجمات على اليهود والأهداف الغربية. كما يتم تشجيع "أهل الإسلام" على اتباع المثال الذي وضعته "طليعة التحرير"، الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن قتل رجل أعمال إسرائيلي في الإسكندرية في مايو/ آيار 2024. كما يشجع البيان على إنشاء مجموعات مخصصة لـ "فن معاقبة اليهود والأمريكيين ومن يتعاون معهم."
بالإضافة إلى ذلك، أصدرت القاعدة في جزيرة العرب سلسلة إعلامية بعنوان "إلهام"، وهو اسم يذكر بمجلتها الشهيرة التي كانت تصدر بالإنجليزية. و تتضمن السلسلة تحريضًا وتعليمات تقنية للهجمات على الأهداف الأمريكية والغربية دعماً لفلسطين.
• التباينات بين داعش والقاعدة: الموقف من حماس:
هناك اختلافات كبيرة بين خطابَي القاعدة وداعش. حيث تسعى القاعدة إلى اتباع نهج أكثر شعبية، بينما يرفض داعش أي محاولة للتوجه نحو الرأي العام في حال كان ذلك سيؤثر على نقاء العقيدة. و يظهر الفرق بين الجماعتين بوضوح في مواقفهما تجاه حماس منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. بينما يستمر داعش في اعتبار حماس كيانًا "مرتدًا" لا يستحق الثناء، كانت القاعدة حريصة على تأييد "طوفان الأقصى" وواصلت دعمها للصراع المستمر لحماس ضد إسرائيل.
على سبيل المثال، وصف بطارفي الهجوم في السابع من أكتوبر بأنه "عملية مباركة"، مشيدًا بتخطيطها والانهيار السريع للقوات المعادية. كما ذهب بيان القيادة العامة للقاعدة إلى حد تصوير "فيضانات الأقصى" كلحظة تاريخية من الجهاد، قابلة للمقارنة بهجمات 11 سبتمبر/ أيلول.
وبالمثل، أصدرت القاعدة تعازيها لقياديي حماس وأسرهم الذين قُتلوا على يد إسرائيل. ففي أبريل/ نيسان، أصدر بيان القيادة العامة للقاعدة تعازيها لعائلة هنية بعد مقتل ثلاثة من أبناء إسماعيل هنية وأربعة من أحفاده في غارات جوية إسرائيلية على غزة، داعين الله أن يجعل "جزاء فضيلته الشيخ أبو إسماعيل عظيمًا". كما أصدرت القاعدة في شبه القارة الهندية (AQIS) رثاءً للقيادي في حماس إسماعيل هنية بعد اغتياله على يد إسرائيل في يوليو/ تموز 2024، معتبرة إياه "شهيدًا" و"أحد قادة مجاهدي الإسلام" الذين قتلتهم "عدو الله ورسوله والمسلمين الأبدي: اليهود".
و مؤخرًا، أصدرت القيادة المركزية للقاعدة رثاءً للقيادي في حماس يحيى السنوار. في المقابل، دان داعش السنوار لتحالفه مع "محور المقاومة" ووجه انتقادات لأولئك الذين يصورونه كبطل. حتى أنه أشار بشكل ساخر إلى "طوفان الأقصى" بأنه "طوفان انحراف في العقيدة".
• التأثير الإيراني على تنظيم القاعدة:
لم يحظَ تأييد تنظيم القاعدة لحماس بقبول كامل بين جميع الجهاديين خارج معسكر داعش. وكما أشار (كول بونزل)، فقد جذبت مواقف القاعدة انتقاداتٍ من أولئك الذين قد يدعمون عملية "طوفان الأقصى" التي قادتها حماس، لكنهم يرون أن أوجه القصور في تطبيقها للشريعة الإسلامية وتحالفها مع إيران لا ينبغي تجاهلها.
و يمثل هذا الموقف الأكثر تشددًا اثنان من المفكرين الجهاديين المستقلين: الأردني أبو محمد المقدسي والكندي طارق عبد الحليم. الأخير، على وجه الخصوص، يشير إلى أن تأييد القاعدة لحماس مرتبط بعلاقات مزعومة وثيقة بين إيران ومصطفى حامد، وهو صهر سيف العدل ويُقال إنه يشرف على الجناح الإعلامي المركزي للقاعدة، مؤسسة السحاب الإعلامية. كما تدعم منصة "أخبار الآن" الإماراتية فكرة أن إيران تسيطر على التنظيم المركزي للقاعدة.
ومع ذلك، فإن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP)، الذي أشاد أيضًا بحماس وعملية "طوفان الأقصى" ولكنه ينتقد إيران ودورها في المنطقة بشدة، و يرفض فكرة السيطرة الإيرانية.
و بالنظر إلى أهمية AQAP كأحد الفروع الرئيسية للقاعدة، يمكن توقع أن تُوجه القيادة المركزية AQAP للامتناع عن انتقاد إيران وحلفائها الشيعة إذا كانت تحت السيطرة الإيرانية حقًا.
و أظهر AQAP موقفه المعادي لإيران في بيان يدين ضربة إسرائيلية على ميناء الحديدة الذي تسيطر عليه جماعة الحوثي في اليمن. و سعى التنظيم إلى تبني زاوية شعبية من خلال إدانة ما اعتبره عدوانًا إسرائيليًا على أراضٍ مسلمة ذات سيادة، مدعيًا أنها "تحت الاحتلال الغربي وحكومات متعاونة مرتدة." وفي الوقت نفسه، أكد التنظيم أنه لا يغفل "العداوة القائمة بيننا وبين جماعة الحوثي، ذراع إيران الرافضية في اليمن"، ولا يتجاهل "جرائم الجماعة ضد شعبنا في أرض اليمن بشكل عام."
وأخيرًا، يصر التنظيم على أنه "مدرك تمامًا أن الشيعة الرافضة هم معول الهدم للإسلام و دين الشيعة الإمامية [الاثني عشرية] مبني على خيانة المسلمين."
و في حين أن القاعدة أعربت عن إشادتها بحماس و"طوفان الأقصى"، إلا أنها تمتنع عن تأييد إيران وحلفائها الشيعة ضمن "محور المقاومة" بسبب أعمالهم ضد إسرائيل، كما ترفض تقديم التعازي عند مقتل شخصيات قيادية إيرانية أو فصائل شيعية على يد إسرائيل.
و على الرغم من أن تنظيم القاعدة لا يظهر أي تعاطف أو تضامن مع الشيعة، فإنه -بخلاف تنظيم داعش- لم يجعل استراتيجية مناهضة الشيعة محورًا أساسيًا لنهجه في تدمير إسرائيل و"تحرير فلسطين." و يعكس نهج القاعدة مخاوف طويلة الأمد داخل قيادته المركزية بشأن جعل استهداف الشيعة عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيتها الجهادية، وهو اختلاف تكتيكي يعود إلى حقبة أبو مصعب الزرقاوي وتركّزه على استهداف الشيعة في العراق.
و التفسير الأكثر احتمالًا لدعم القاعدة لحماس يكمن في أن التنظيم، إلى جانب إشادته بهجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، يسعى لتجنب الانتقادات الشعبية التي قد تنشأ إذا ركز على الاختلافات الأيديولوجية والسياسية مع حماس أثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة. وبدلًا من ذلك، يضع التنظيم الأولوية لدعم غزة والتعبير عن التضامن مع المدافعين عنها.
و كان هذا النهج واضحًا أيضًا في مقابلة أجريتها مع حملة "جاهد بمالك"، وهي مبادرة أُنشئت في شمال غرب سوريا لجمع التبرعات لغزة بقيادة الجهادي الغزاوي المستقل الزبير الغزاوي. و كانت الحُجّة المطروحة أن حماس ارتكبت أخطاءً، ومن المناسب تقديم النصيحة والانتقاد قبل الحرب، ولكن أثناء الصراع يجب أن يكون التركيز على دعم جهود المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي.
• الخلاصة: التهديد العام:
يتشارك تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وجهات نظر متشابهة بشأن الصراع مع إسرائيل، حيث يُنظر إليه كحرب ضد جميع اليهود، مما يبرر استهداف الأهداف الغربية واليهودية. ومع ذلك، يختلف التنظيمان بحدة في موقفهما تجاه حركة حماس. فرغم أن أياً منهما لا يتعاطف مع الشيعة، إلا إن تنظيم داعش يتبنى مشاعر معادية للشيعة أكثر شدة، ما يؤثر أيضاً على نهجه في الصراع مع إسرائيل. و بالنسبة لداعش، فإن تدمير إسرائيل مستحيل دون القضاء أولاً على النفوذ الشيعي، وهو منطق غائب عن خطاب القاعدة.
و بصورة أعمّ، فإن هذا التشابه بشأن إسرائيل غير كافٍ لتحقيق أي تقارب أو تحالف بين التنظيمين. كما يُعتبر تنظيم القاعدة "حركة مرتدة" بسبب رفضه لخلافة داعش واصطفافه مع أعداء التنظيم، مما يُعد في نظر داعش إبطالاً للإسلام. و من جهته، تنظر القاعدة إلى داعش كجماعة من "الخوارج"، وهو مصطلح يستخدم في الخطاب السني للإشارة إلى التطرف السني، ويُصرّ على مقاومة هجماتها ضد المسلمين السنة.
و على أرض الواقع، أدت هذه المنافسة -بعيداً عن الصراع مع إسرائيل- إلى مواجهات مستمرة بين فروع داعش والقاعدة في منطقة الساحل والصومال.
إلى حد ما، تعتبر الاختلافات في المواقف بشأن الصراع مع إسرائيل مساهمة في المنافسة بين المجموعتين، وتوفر لتنظيم داعش ذخيرة خطابية إضافية لانتقاد القاعدة. فمن وجهة نظر داعش، يُعد دعم القاعدة لحماس "المرتدة" دليلاً آخر على انحرافها الأيديولوجي. وحتى في القضايا التكتيكية البسيطة، يستغل داعش كل فرصة دعائية لانتقاد القاعدة. على سبيل المثال، استخدم داعش توصية سيف العدل للمسلمين بالاستفادة من الخدمة العسكرية الإلزامية لاكتساب المهارات القتالية كدليل إضافي على انحراف القاعدة، بحجة أن الخدمة في قوات أمن "الحكومات المرتدة" تشكل عملاً من أعمال الردة.
و بينما أثيرت مخاوف بشأن تزايد قوة أو عودة ظهور فروع تنظيم داعش والقاعدة في مواقع مثل سوريا (داعش)، ومنطقة الساحل (القاعدة وداعش)، والصومال (القاعدة وداعش)، وموزمبيق (داعش)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (داعش)، إلا أنه لا توجد أدلة تشير إلى أن نجاحات هذه الفروع أو مكاسبها في التجنيد مرتبطة برسائل حول الصراع في غزة أو الصراع الأوسع مع إسرائيل و"محور المقاومة". بدلاً من ذلك، تُعزى هذه التمردات في الأساس إلى الديناميكيات المحلية.
و على مستوى أوسع، يبدو من المشكوك فيه أن يتمكن داعش والقاعدة من تقديم نفسيهما كجماعتين ينبغي للمسلمين دعمهما بعد السابع من أكتوبر. إذ تفشلان في تقديم أسباب مقنعة لدعمها كبدائل قابلة للتطبيق لحماس أو لـ"محور المقاومة" الأوسع، خاصةً أن حماس وحلفاءها قد ألحقوا أضراراً حقيقية بإسرائيل وقدموا أنفسهم كقوى تتصدى للدولة اليهودية. و في حالة القاعدة، قد يتساءل المرء بحق لماذا تستحق الجماعة دعماً خاصاً من الجمهور المسلم بالنظر إلى تضامنها المعلن مع حماس. في الاحتجاجات العالمية من أجل غزة وفلسطين، تحظى جماعات مثل حماس، وحزب الله، والحوثيين بشعارات تعاطف، بينما لا تحظى داعش والقاعدة بأي دعم من هذا النوع.
و على الرغم من أن من غير المحتمل أن يشهد أي من تنظيمي القاعدة أو داعش تحسنًا كبيرًا في أوضاعهما بسبب هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول وما تبعها، إلا أن هناك قلقًا حقيقيًا من احتمال تأثر الأفراد بتحريض أحد التنظيمين لتنفيذ هجمات تستهدف إسرائيل أو الدول الغربية أو أهدافًا يهودية أو غير مسلمة. فاستلهام الهجمات لا يتطلب دعمًا جماهيريًا واسعًا، بل يكفي أن يكون هناك شخص واحد مصمم على التنفيذ. وفي هذا السياق، تشكل داعش تهديدًا أكبر، مما يعكس الرؤية العامة بأنها القوة الأبرز حاليًا في الحركة الجهادية السنية العالمية، سواء من حيث الإنتاج الدعائي أو النفوذ الدولي.
و منذ 7 أكتوبر، وقعت عدة هجمات ومخططات مرتبطة بداعش في أنحاء مختلفة من العالم، منها الهجوم على قاعة الحفلات في موسكو، وتفجيرات انتحارية في إيران، وهجوم على الشيعة في عُمان، وعمليات طعن في ألمانيا، وهجوم على كنيسة في إسطنبول، ومخططات تم إحباطها في إسرائيل، بالإضافة إلى مخططات فاشلة استهدفت مواقع يهودية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. جميع هذه الهجمات والمخططات ترتبط بدعوات داعش لمهاجمة اليهود والمسيحيين و"المرتدين"، ويتم تقديمها كوسيلة للتعبير عن الدعم الحقيقي لغزة وفلسطين من خلال مبايعة داعش ومتابعة أجندتها الجهادية. في المقابل، لم تُسجل أي هجمات إرهابية كبيرة أو مخططات مرتبطة بالقاعدة منذ 7 أكتوبر.
و بدون حل حاسم للحملات العسكرية الإسرائيلية، وخصوصًا في غزة، سيبقى من الممكن لداعش والقاعدة استغلال الأحداث لأغراض دعائية، مما قد يؤدي إلى مزيد من الهجمات والمخططات المجهضة في إسرائيل والغرب. ومن المرجح أن تكون معظم هذه الهجمات والمخططات مرتبطة بداعش.