في خضمّ تصاعد الاحتجاجات في إيران، عاد الجدل في العواصم الغربية ليتجاوز معادلة «التفاوض أم الاتفاق» نحو سؤالٍ أكثر جوهرية: كيف يُدعَم حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره وتغيير النظام من دون الانزلاق إلى حرب خارجية أو تدخل عسكري مباشر؟
ضمن هذا السياق، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو، في مداخلات إعلامية على شبكة فوكس نيوز خلال يناير/كانون الثاني 2026، إن النظام في طهران لا يتراجع إلا أمام ضغطٍ حقيقي، محذّرًا من الرهان على تنازلات أو صيغ تفاوضية لا تُغيّر سلوك النظام.
هذه الرسالة — بغضّ النظر عن التقييم السياسي لها — تتقاطع مع تحوّلٍ أوسع في الغرب: تراجع منطق المسايرة لمصلحة نهجٍ يقوم على الردع والمحاسبة وربط العلاقات بسجلّ حقوق الإنسان.
أوروبيًا، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا يدين القمع العنيف للاحتجاجات، ويدعو إلى توسيع الإجراءات التقييدية وربط أي مسار للعلاقات بمعايير الديمقراطية والحقوق الأساسية. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، أفادت رويترز بأن بروكسل تتجه لاعتماد حزمة عقوبات جديدة ضد أفراد وكيانات على خلفية القمع، إلى جانب تشديد ضوابط تصدير مكوّنات حسّاسة تُستخدم في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما دفعت إيطاليا — بحسب رويترز — باتجاه تشديد المقاربة الأوروبية تجاه الحرس الثوري وطرح فكرة إدراجه على لوائح الإرهاب، رغم تباينات داخلية أوروبية حول هذه الخطوة.
وفي الأمم المتحدة، أعلنت مفوضية حقوق الإنسان أن مجلس حقوق الإنسان اعتمد قرارًا يمدّد ولاية لجنة تقصّي الحقائق بشأن إيران لسنتين إضافيتين، ويطلب تحقيقًا عاجلًا في الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، بهدف جمع الأدلة تمهيدًا لمساءلة محتملة مستقبلًا. وفي واشنطن، وسّعت وزارة الخزانة الأميركية أدوات الضغط عبر عقوبات على ما يُعرف بـ«أسطول الظل» المرتبط بتمويل النظام، في سياق ربط الموارد المالية بتمكين القمع الداخلي.
المعنى السياسي للتحوّل: دعم حق التغيير… بلا تدخل عسكري
جوهر التحوّل المطلوب ليس الانتقال من «المسايرة» إلى «الحرب»، بل إلى سياسةٍ ثالثة: ضغط دولي صارم + اعتراف سياسي بحق الشعب الإيراني في التغيير. فالمعارضة الإيرانية والعديد من الناشطين يؤكدون — كما يكرّرون في خطابهم — أنهم لا يطلبون حربًا خارجية ولا قوات أجنبية، وأن تغيير إيران يجب أن يكون إيرانيًا، بقيادة الشعب وقواه المنظمة، بينما يقتصر دور المجتمع الدولي على وقف منح النظام الأكسجين السياسي والاقتصادي، وفرض المحاسبة على أدوات القمع.
وفي هذا الإطار، تبرز نقطة عملية تطرحها قوى في المعارضة: أن الغرب لا ينبغي أن يكتفي بالعقوبات والبيانات، ثم يترك الإيرانيين العُزّل في مواجهة آلة القمع. وتدعو هذه الأطراف إلى إعادة معدات أو ممتلكات دفاعية صودرت من معارضين إيرانيين في العراق ضمن ترتيبات موثّقة، وإلى الاعتراف بحقهم في الحماية والدفاع عن النفس — كجزء من مقاربة «لا تدخل عسكري» ولكن أيضًا «لا تجريد للضحايا من وسائل الحماية» في مواجهة نظامٍ يملك السلاح والميليشيات والمال.
نحو سياسة «ما بعد المسايرة»
إذا أراد الغرب فعلًا كسر الحلقة المفرغة بين «صفقات لا تغيّر شيئًا» و«تصعيد يفتح باب الحرب»، فإن المعادلة الأكثر قابلية للاستمرار تقوم على:
• مواصلة الضغط والمحاسبة عبر العقوبات الموجّهة، والتقييد التكنولوجي، وتوسيع مسارات توثيق الجرائم وملاحقة المسؤولين.
• ترسيخ الاعتراف بحق الإيرانيين في تقرير المصير، وربط أي علاقة أو انفتاح بمعايير حقوقية واضحة لا تُترك للوعود.
• حماية المجتمع المدني والمعارضين وعدم تركهم مكشوفين، بما في ذلك دعم أدوات السلامة والحماية ورفع كلفة القمع على مرتكبيه.
بهذا المعنى، فإن «إنهاء المسايرة» لا يعني فتح جبهة حرب، بل يعني الاعتراف بأن الشعب الإيراني — ومقاومته المنظمة — هو صاحب الحق في تقرير مستقبل إيران، وأن دور العالم هو الوقوف إلى جانب هذا الحق بسياسات واقعية: ضغط، محاسبة، وحماية… لا تدخل عسكري.