[ الصورة: تُظهر هذه الصورة الملتقطة بالأقمار الصناعية، التي وفّرتها شركة «فانتور» في 13 سبتمبر/أيلول 2026، آثار هجوم الطائرات المسيّرة الأخير على خط أنابيب النفط «شرق–غرب» في السعودية. (صورة أقمار صناعية © 2026 فانتور، عبر وكالة أسوشيتد برس – أرشيف) ]
شنّت ميليشيات مدعومة من إيران هجوماً دقيقاً الشهر الماضي، استهدف محطات ضخ تابعة لأهم خط أنابيب نفط في المملكة العربية السعودية، وبعد أيام، وقع هجوم آخر على قاعدة جوية عسكرية سعودية، مما أدى إلى تضرر طائرة مقاتلة إيطالية كانت داخل حظيرة للطائرات، وكان العامل الحاسم في نجاح هذه الهجمات هو ما كان يجري في السماء؛ إذ تجمعت مجموعة من أقمار التجسس الروسية فوق خط الأنابيب والقاعدة الجوية لأيام قبل وقوع الهجمات، وذلك لجمع معلومات استخباراتية.
وذكرت شركة خاصة متخصصة في الاستخبارات الجغرافية المكانية أنها فحصت 40 هجوماً، نُفذت باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة ضد السعودية من قِبل جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن وميليشيات أخرى في العراق، وذلك في الفترة ما بين الأول من يوليو و19 أكتوبر، وقد رصدت الشركة في كل حالة نمطاً متكرراً؛ حيث كانت أقمار صناعية تابعة للحكومة والجيش الروسي تحوم فوق تلك المناطق لأيام قبل الهجمات وبعدها.
وقال نواف عبيد، مؤسس شركة "أورورا جيوسيجينال إنتليجنس" ومقرها جنيف: "ما وجدناه هو تطابق بنسبة 100%" بين أنشطة الأقمار الصناعية وتوقيت الهجمات.
وتكشف هذه النتائج عن كيفية تقديم روسيا، على ما يبدو، المساعدة لإيران وحلفائها في المنطقة لاستهداف البنية التحتية النفطية والعسكرية للمملكة العربية السعودية، وهي هجمات ساهمت في رفع أسعار الطاقة عالمياً.
وأفاد ثلاثة مسؤولين، من بينهم مسؤول سعودي وآخر من قيادات جماعة الحوثي، بالإضافة إلى محلل استخباراتي مستقل، في تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس"، بأن الحوثيين وحلفاء إيران الآخرين استفادوا من معلومات استخباراتية روسية، فضلاً عن قدرات صينية، ووفقاً لتقرير الوكالة، قام مستشارون إيرانيون ميدانيون بتحليل هذه المعلومات الاستخباراتية ونقلها إلى حلفائهم.
وصرح رائد كريملي، نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة، للصحفيين الأسبوع الماضي بأن إيران والحوثيين يتلقون معلومات استخباراتية من "جهات في روسيا والصين، وأحياناً حتى من جهات تجارية"، وأضاف: "نحن نناقش هذه المسائل بانتظام مع الصين وروسيا، وسنواصل القيام بذلك".
ولم يقدم المسؤولون الروس أي تعليق فوري عند سؤالهم عن هذه المزاعم، بما في ذلك النتائج التي توصلت إليها شركة "أورورا".
يُذكر أن روسيا وإيران ترتبطان باتفاقية تعاون عسكري طويلة الأمد، تشمل نقل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. ورغم أن روسيا لم تشارك بشكل مباشر في الحروب الدائرة في المنطقة، إلا أن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين أكدوا أنها تبادلت معلومات استخباراتية مع إيران.
+
في صباح يوم 10 سبتمبر، استهدفت عدة طائرات مسيّرة، انطلقت من العراق، ثلاث محطات ضخ حيوية على طول خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، مما أدى إلى توقف فوري في تدفق النفط، ويُعد هذا الخط، الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر (746 ميلاً) عبر المملكة، مساراً بديلاً بالغ الأهمية لنقل النفط الخام إلى الأسواق، لا سيما في ظل الهجمات التي تشنها إيران على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح عبيد، وهو باحث في قسم دراسات الحرب بكلية "كينغز كوليدج" في لندن، وسبق أن عمل مستشاراً لعدد من المسؤولين السعوديين بين عامي 2004 و2016، أن محطات الضخ هذه تلعب دوراً جوهرياً في نقل النفط عبر الخط؛ الذي يرتفع لأكثر من 1100 متر (3608 أقدام) أثناء عبوره من شرق السعودية عبر هضبة نجد، وصولاً إلى الساحل الغربي للمملكة على البحر الأحمر، وقال عبيد: "هنا بالضبط قررت الميليشيات القادمة من العراق توجيه ضرباتها".
وذكر أن شركته رصدت، بدءاً من شهر يوليو، 11 قمراً صناعياً روسياً من سلسلة "كوزموس 2600" وهي تركز على الأجزاء الثلاثة المذكورة من خط الأنابيب، وأشار إلى أن وتيرة مرور هذه الأقمار فوق تلك المواقع زادت في الأسابيع التي سبقت الهجمات، وكذلك في الساعات المحيطة بتوقيت وقوعها، مما يشير إلى عمليات استطلاع جرت قبل الهجمات وبعدها.
وبعد أسبوع من ذلك، تعرضت قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف بالسعودية لهجوم بعدة مقذوفات أطلقتها جماعة الحوثي المدعومة من إيران، ووفقاً لوزارة الدفاع الإيطالية، فقد تضرر عدد من حظائر الطائرات في القاعدة، بالإضافة إلى طائرة مقاتلة إيطالية من طراز "يوروفايتر تايفون".
يذكر أن الجيش الإيطالي يحتفظ بقطع عسكرية في المملكة منذ سنوات، في إطار مشاركته ضمن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في حملاتها بالعراق وسوريا، وفي كلتا الحالتين، رصدت شركة عبيد زيادة بنسبة 50% في عدد الأقمار الصناعية الروسية التي كانت تدور فوق المواقع المستهدفة خلال فترة 72 ساعة سبقت الهجمات وتلتها، وذلك مقارنة بمعدلات شهر يوليو.
ومما يسترعي الانتباه أن الهجوم في الطائف استهدف بدقة طائرةً حربيةً إيطاليةً، بدلاً من الطائرات السعودية المتمركزة في القاعدة ذاتها؛ وهو ما يشير، بحسب عبيد، إلى وجود "دعم استخباراتي عالي التخصص لا يمتلكه الحوثيون ولا الإيرانيون".
وقد حذّر الحوثيون القوى الأجنبية من تقديم المساعدة للمملكة.
+
ذكر عبيد أن شركة "أورورا" استخدمت معلومات مفتوحة المصدر إلى جانب مصادر استخباراتية أخرى لتحديد 72 قمراً صناعياً روسياً مخصصاً للاستطلاع، من بين أكثر من 11 ألف مركبة فضائية تدور حول الأرض، وقد تتبعت الشركة مسارات هذه الأقمار ومناوراتها، وقارنتها بالأنشطة العسكرية على الأرض.
وأوضح عبيد أن الشركة لم ترصد عمليات نقل فعلية لمعلومات استخباراتية إلى إيران أو حلفائها، لكنها تمكنت من رصد نمط محدد لمواقع الأقمار الصناعية الروسية وأنشطتها الاستطلاعية حول أهداف استراتيجية قبيل وقوع هجمات؛ مما يشير إلى جمع معلومات استخباراتية ونقلها لتمكين الحوثيين والميليشيات العراقية من استهداف تلك المواقع.
وأضاف عبيد أن الأنماط ذاتها للأقمار الصناعية ظهرت أيضاً بالتزامن مع هجمات إيرانية على قواعد أمريكية في الشرق الأوسط خلال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران التي بدأت في فبراير/شباط، وقال: "هذا هو التحول الجوهري في التوازن العسكري الإقليمي؛ إذ أصبح النظام الاستخباراتي الذي يقف خلف السلاح لا يقل أهمية عن السلاح نفسه".
من جانبه، أشار آدم مارش، نائب رئيس الحلول التكنولوجية في شركة "ليولابس" وهي شركة متخصصة في الاستخبارات المدارية ومقرها كاليفورنيا إلى أن حشد الأقمار الصناعية بهذا الشكل هو أمر متوقع في سياق جمع المعلومات الاستخباراتية. وأوضح أن الجانب الروسي قد ينفي قيامه بذلك، لكنه لفت إلى غياب أي هيئة تنظيمية، متسائلاً: "كيف يمكن منع أي طرف من القيام بذلك؟".
وذكر مسؤول مطلع على التحقيقات التي تجريها السعودية بشأن الهجمات الأخيرة، أن المعلومات الاستخباراتية أظهرت أن أقماراً صناعية روسية ساعدت الحوثيين وميليشيات عراقية في ضرب أهداف حساسة، بما في ذلك محطات الضخ التابعة لخط أنابيب النفط "شرق-غرب"، وقد تحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته، نظراً لعدم حصوله على تفويض بالتحدث إلى وسائل الإعلام.
وأضاف المسؤول أن هذه الأقمار الصناعية ساعدت أيضاً في تنفيذ هجمات إيرانية في مارس/آذار استهدفت قاعدة "الأمير سلطان" الجوية في المملكة حيث تعرضت طائرة مراقبة أمريكية لأضرار جسيمة وكذلك وحدة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية داخل مجمع السفارة الأمريكية في الرياض.
وأشار المسؤول إلى أن التحقيقات كشفت أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي استخدمها الحوثيون في هجماتهم تحتوي على مكونات روسية وصينية الصنع، ووفقاً لما ذكره عبيد وأحد قادة جماعة الحوثي، فقد ساعدت معلومات استخباراتية مستمدة من أقمار صناعية روسية الحوثيين في تحقيق تقدم ميداني لافت ضد خصومهم المدعومين من السعودية في الحرب الأهلية اليمنية.
وأوضح عبيد أن شركة "أورورا" رصدت تحركات لأقمار صناعية فوق مواقع مستهدفة، وذلك في سياق هجمات شنها الحوثيون؛ شملت هجوماً في 15 أكتوبر/تشرين الأول على القصر الرئاسي في مدينة عدن (جنوبي اليمن) ومركز قيادة مجاور يستخدمه التحالف الذي تقوده السعودية، بالإضافة إلى هجوم على مركز لتجنيد القوات الحكومية في محافظة شبوة، أسفر عن مقتل 75 مجنداً جديداً.
وفي تصريح لوكالة "أسوشيتد برس"، ذكر قيادي بارز في جماعة الحوثي أن مستشارين إيرانيين موجودين على الأرض في اليمن يزودون المتمردين ببيانات تستند إلى معلومات استخباراتية من أقمار صناعية روسية، وذلك للمساعدة في تحديد الأهداف، وقد تحدث هذا القيادي شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الدور الذي يؤديه هؤلاء المستشارون.
من جانبه، أشار مزاحم السلوم، وهو محلل أمني يتابع الجماعات المدعومة من إيران منذ نحو عقد ويدير حالياً شركة استخبارات خاصة، إلى أن هؤلاء المستشارين يستخدمون معلومات من أقمار صناعية روسية للتجسس، لتزويد الجانب الإيراني بقوائم الأهداف ومعلومات عملياتية.
كما ذكر القيادي الحوثي أن الإيرانيين زودوا المتمردين بمعدات أكثر تطوراً، بما في ذلك أنظمة لتوجيه الطائرات المسيرة (الدرونز) وأخرى تساعد الصواريخ على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي.
وأوضح القيادي أن هذه المعدات إما طوّرها الإيرانيون، أو تم شراؤها من الأسواق التجارية، أو قدمتها روسيا والصين؛ مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه لا يعلم ما إذا كانت تلك الدول على دراية بأن معداتها تُستخدم في الحرب الدائرة في اليمن.