منذ اليوم الأول لولادتهما، قبل سبعة أسابيع فقط، والتوأمان (رغد حسن) وشقيقها (رعد) يصارعان من أجل البقاء على قيد الحياة.
وُلد التوأمان قبل أوانهما، بالتزامن مع تصاعد القتال في الحرب الأهلية المستمرة منذ سنوات في اليمن، بين المقاتلين الحوثيين والقوات الحكومية.
وعندما وصل الحوثيون إلى قريتهما في جبال كهبوب جنوب غربي اليمن، اضطرت أسرتهما المكوّنة من سبعة أفراد إلى الفرار وسط القصف بالصواريخ والقنابل وهجمات الطائرات المُسيّرة، ولم يكن لدى التوأمين ما يحميهما سوى الأغطية.
واستغرقت الرحلة إلى مدينة عدن الساحلية ثلاثة أيام سيرًا على الأقدام.
يقول والدهما، (بجاش علي صغير حسن)، وهو راعٍ يتحدث بصوت خافت: «كان الأمر صعبًا للغاية. لم نجد سيارات أو أي وسيلة نقل. وفي اليوم الرابع، أوصلنا إلى هنا شخص طيب، بينما رفض آخرون مساعدتنا».
وبحسب والدتهما (لينا)، ازدادت حالة التوأمين سوءًا أثناء سير الأسرة. وتقول: «لقد أُنهكا تمامًا كان الجو باردًا ومغبرًا، كما ازدادت معاناتهما من القيء والإسهال سوءًا».
وعندما وصلت الأسرة، التي أصبحت بلا مأوى، إلى مستشفى الصداقة في عدن، كان التوأمان على شفا الموت، بالكاد يتمسكان بالحياة.
وقال أحد الأطباء، وهو يهز رأسه وينظر إلى أطرافهما الهزيلة: «لم يبقَ منهما سوى الجلد والعظام».
وكان رعد، التوأم الأكثر تدهورًا في حالته الصحية، إذ كانت أضلاعه بارزة، وصدره يعلو ويهبط مع أنفاسه السريعة والسطحية. ولم يكن حجمه أكبر بكثير من يدي الممرضة التي حملته برفق لوزنه وقياس طوله.
كان بجاش يراقب المشهد، وقد ارتسم القلق بوضوح على وجهه. وأخبرنا أن التوأمين يتناولان الحليب مرتين يوميًا، لكنه لا يستطيع أحيانًا أن يقدم لهما سوى الماء، بعدما أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار حليب الأطفال.
وسرعان ما جاء التشخيص: سوء تغذية حاد وخيم، وهي حالة قد تكون فتاكة بقدر رصاصة.
يمثل سوء التغذية في اليمن أزمة داخل أزمة، وجبهة أخرى من جبهات الحرب الأهلية المدمرة. فالجوع لم يبدأ مع اندلاع الصراع، لكنه آخذ في الانتشار مع موجة العنف الدامية الأخيرة.
و تقول الأمم المتحدة إن نحو 800 ألف شخص لم يعودوا قادرين على الحصول على المساعدات المنقذة للحياة، فيما نزح أكثر من 250 ألف شخص، وذلك عقب انهيار هدنة غير رسمية خلال الصيف.
ومنذ ذلك الحين، حقق الحوثيون تقدمًا خاطفًا على طول الساحل المطل على البحر الأحمر، وتمكنوا الآن من قطع جميع الطرق المؤدية إلى مدينة تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، وعزلها بالكامل.
وتحذّر الأمم المتحدة من أن المدنيين في المدينة «معرّضون لخطرٍ جسيم»، ويعانون نقصًا في الغذاء بسبب الارتفاع الحاد في الأسعار.
وتحاول الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا التصدي للحوثيين، بمساعدة الغارات الجوية السعودية.
وفي خضم كل هذه الأحداث، يجد آباء مثل بجاش أنفسهم عالقين وسط الصراع، يكافحون من أجل الحصول على المساعدة لأطفالهم. وقد شاهدنا أمًا أخرى تحمل طفلًا يعاني من سوء التغذية، بينما يُرفض استقبالها وتُعاد أدراجها دون تلقي المساعدة.
و رافقنا بجاش وهو يهرع عبر ممرات المستشفى، محاولًا الحصول على ورقة القبول الضرورية لإدخال التوأمين. وهناك وجد من يسانده، وهي الممرضة المشرفة الحازمة (عائشة رجب)، التي اضطرت هي الأخرى إلى الفرار من الحرب عام 2018.
قالت عائشة: «أشعر بمعاناتهم، لأنني عشت هذه الظروف بنفسي من قبل».
لم يكن بالإمكان توفير سريرين للتوأمين، لكن عائشة لم تستسلم.
وقالت: «سأحل هذه المشكلة بجعل التوأمين يتشاركان سريرًا واحدًا حتى نتمكن من إنقاذهما. والله، سأقنع الأطباء».
وفي غضون ساعة، كان التوأمان يرقدان على سرير واحد، فيما لم تشغل جسداهما الصغيران سوى مساحة ضئيلة منه.
كانت لينا تطعمهما رشفات من الحليب المدعّم من زجاجة صغيرة، لكن رعد لم يكن قادرًا على الاحتفاظ بالحليب في معدته، إذ كان يتقيأه. احتضنته أمه بين ذراعيها، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما ووجنتاه غائرتان.
وعندما سُئلت عما إذا كانت تعتقد أن توأميها سيتعافيان، أجابت لينا بصوت خافت: «إن شاء الله».
و بينما كنا نتجول في أروقة القسم ذي الجدران الوردية، لاحظنا أن بعض أبوابه كانت موصدة بالأقفال.
يضم القسم 22 سريرًا، لكن العاملين فيه أخبرونا أنه لا يُسمح بإدخال أكثر من 13 مريضًا في الوقت نفسه، وهم الحالات الأشد خطورة، بسبب نقص التمويل الدولي والكوادر الطبية والمعدات.
وهذه حقيقة مؤلمة يصعب على الدكتورة (نور محمد)، وهي طبيبة شابة ترزح تحت ضغط العمل، تقبّلها.
تقول: «من المحزن أن أقول ذلك، لكننا نفقد مرضى بسبب هذه الظروف».
وتضيف: «لا نملك معدات جيدة، مثل أجهزة التنفس الاصطناعي وأسطوانات الأكسجين. كما نفتقر إلى الإمكانات اللازمة، وإجراء الكثير من الفحوصات المخبرية أمر بالغ الصعوبة».
وقد أدّى تجدد الاشتباكات وتصاعد حدة القتال مؤخرًا إلى تعريض المدنيين لخطر الوقوع في مرمى النيران.
وحتى قبل التصعيد الأخير، كانت الأمم المتحدة قد قدّرت أن نصف مليون طفل يمني سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال هذا العام.
و يشهد قسم سوء التغذية في مستشفى الصداقة دوامة متواصلة من المعاناة، فبمجرد خروج طفل رضيع يعاني من حالة صحية حرجة، يصل طفل آخر ليحلّ محله. وحتى بعض الأطفال الذين يُسمح لهم بمغادرة المستشفى، لا يلبثون أن يعودوا إليه بعد فترة وجيزة.
تقول الدكتورة محمد: «أحيانًا يعود إلينا طفل بعد أسبوع، وأحيانًا بعد يومين فقط. وفي بعض الأحيان، يعود في اليوم نفسه. نستقبله مجددًا وندخله المستشفى، وتبدأ المعاناة من جديد».
ويعود هؤلاء الأطفال لأن أسرهم لا تستطيع تحمّل تكاليف التغذية السليمة أو الفيتامينات أو المضادات الحيوية.
وتقول لي الدكتورة محمد: «جاء أهالي كل طفل هنا لأنهم لا يملكون شيئًا. ليس لديهم المال ولا التأمين الصحي. وهم هنا لأنهم لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج في مستشفى خاص».
وتضيف أنها تبذل قصارى جهدها لمساعدة هؤلاء الأطفال، وأنها تبكي من أجلهم.
و يحاول كثير من الآباء، مثل بجاش، الفرار من الحرب والفقر معًا. فقد أصبح الآن راعيًا بلا قطيع، بعدما اضطر إلى ترك عشرة أغنام خلفه عندما فرّ من قريته، وكانت مصدر رزقه الوحيد.
وبينما كان الأطباء يتابعون حالة توأميه، تولّى رعاية أطفاله الثلاثة الأكبر سنًا، وجميعهم دون الخامسة. أمضى الأطفال وقتهم على مقعد في صالة استقبال المستشفى، دون ألعاب أو أغطية أو أي متعلقات شخصية. لكن لم يكن بإمكانهم المبيت هناك.
لذلك، أمضوا ليلتهم في الخارج، على قارعة الطريق، ليصبحوا أسرة أخرى تحمل جراح الحرب التي لا تُرى بالعين، لكنها ستترك ندوبًا عميقة في جيل بأكمله.
لقراءة التقرير من موقعه الاصلي على هذا الرابط: