على مدى السنوات الثلاث الماضية، انصبّ جانب كبير من النقاش العام حول التهديدات البحرية في الجنوب على اليمن. ودأبت وسائل الإعلام الإسرائيلية على متابعة عمليات إطلاق الصواريخ من جانب الحوثيين، ودوي صفارات الإنذار في إيلات، وتحويل سفن الشحن مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر، عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
لكن على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، وعبر مضيق باب المندب، برز تصدع جيوسياسي كبير. ففي 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، انهارت العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا، بعدما أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، ما دفع أسمرة إلى قطع جميع العلاقات مع إثيوبيا. وفي اليوم نفسه، تبادلت إثيوبيا ومصر إجراءات الطرد الدبلوماسي.
وقد جعلت هذه التطورات منطقة البحر الأحمر الغربية ساحة أكثر خطورة للمواجهة الإقليمية، ما يزيد من مخاطر حدوث ثغرات في عمليات المراقبة وإنفاذ الإجراءات الأمنية والبحرية.
و يشكّل الطريق البحري الممتد من خليج العقبة إلى المحيط الهندي منظومة أمنية مترابطة واحدة. ويمكن أن تمتد تداعيات عدم الاستقرار إلى ممرات الشحن البحري، وتوفر ثغرات أمام جهات معادية، وتُضعف العمق الاستراتيجي لإسرائيل على امتداد طرقها البحرية الجنوبية.
ومن ثم، تزداد أهمية إدراك هذه التحولات البنيوية على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، باعتبار ذلك عاملًا مهمًا لضمان حرية الملاحة وتعزيز أمن إسرائيل.
• انهيار الاتفاق وتبادل الطرد الدبلوماسي
يتمثل المحفز المباشر لهذه الأزمة في انهيار «الإعلان المشترك للسلام والصداقة» المبرم بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018. فمنذ ثماني سنوات، وقّع رئيس الوزراء الإثيوبي (أبي أحمد) والرئيس الإريتري (أسياس أفورقي) اتفاقًا تاريخيًا أنهى عقدين من الصراع الحدودي، وأسهم في حصول أبي أحمد على جائزة نوبل للسلام.
وفي وقتٍ لاحق، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال حرب تيغراي التي دارت بين عامي 2020 و2022. وأدى «اتفاق بريتوريا» الموقّع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إلى وقف الأعمال القتالية الرئيسية، إلا أن انعدام الثقة السياسية ظل قائمًا.
أما ذلك السلام الهش، فقد انهار الآن. وامتد القتال إلى مناطق تيغراي وعفر وأمهرة، حيث تخوض القوات الفيدرالية الإثيوبية وتحالف للمعارضة بقيادة «جبهة تحرير شعب تيغراي» (TPLF) معارك للسيطرة. واتهمت السلطات الإثيوبية إريتريا ومصر والسودان بدعم قوات المعارضة، وهي اتهامات ترفضها حكومات الدول الثلاث.
و في 1 أكتوبر/تشرين الأول، قطعت أديس أبابا رسميًا علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا، وأعلنت 10 دبلوماسيين إريتريين «أشخاصًا غير مرغوب فيهم»، ومنحتهم مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد. وردّت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، متهمةً إثيوبيا بتهديد سيادتها والسعي إلى الوصول إلى الموانئ الإريترية.
واتسعت دائرة المواجهة الدبلوماسية في اليوم نفسه، عندما طردت إثيوبيا الدبلوماسي المصري البارز (أحمد محرّم أحمد سليمان). وردّت مصر خلال ساعات بطرد مستشار في السفارة الإثيوبية.
وتتكثف عمليات الحشد العسكري والقتال العنيف في أنحاء شمال إثيوبيا، ما يزيد من خطر امتداد الصراع إلى الأراضي الإريترية عبر الحدود.
ويغذي هذا التصعيد إصرار إثيوبيا على تأمين منفذ بحري سيادي. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، اعتمدت إثيوبيا، وهي دولة حبيسة لا تطل على البحر، بدرجة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الدولية، إذ يمر أكثر من 95% من تجارتها الخارجية من حيث حجم الواردات والصادرات عبر ممر أديس أبابا–جيبوتي.
وفي 1 يناير/كانون الثاني 2024، وقّع أبي أحمد مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال، سعت إثيوبيا بموجبها إلى استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا لتأمين منفذ بحري وإنشاء منشأة بحرية. ونددت الصومال بالاتفاق باعتباره انتهاكًا لسيادتها، ما أدى إلى احتدام الخلاف مع مقديشو بشأن مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر.
• مصر والسودان والضغط الاستراتيجي
تتداخل هذه الأزمة مع الجهود الأوسع التي تبذلها مصر لمواجهة النفوذ الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي. فمنذ سنوات، تخوض القاهرة وأديس أبابا مواجهة بشأن «سد النهضة الإثيوبي الكبير»، الذي تعتبره مصر تهديدًا رئيسيًا لأمنها المائي.
وتؤكد عمليات الطرد الدبلوماسي الأخيرة مدى السرعة التي يتحول بها الصراع في شمال إثيوبيا إلى نزاع إقليمي أوسع. وقد حثّ الاتحاد الأفريقي إثيوبيا وإريتريا ومصر على ضبط النفس.
كما عمّقت مصر علاقاتها العسكرية مع الصومال من خلال اتفاقٍ أمني، وتسليم شحنات من الأسلحة، وبحلول عام 2026، نشر قوات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM). وفي الوقت نفسه، وسّعت القاهرة نطاق التنسيق الأمني رفيع المستوى مع إريتريا، بما في ذلك التعاون في مجالي النقل البحري والموانئ.
مجتمعةً، تضع هذه العلاقات إثيوبيا تحت ضغوط استراتيجية متزايدة من عدة اتجاهات، وتمنح مصر نطاقًا إقليميًا أوسع للتحرك في محيط إثيوبيا من جهتيها الشرقية والشمالية.
وتضيف الحرب المستمرة في السودان طبقة أخرى من عدم اليقين، مما يجعل من الصعب بدرجة أكبر عزل التطورات الجارية على طول الساحل الأفريقي للبحر الأحمر عن تداعيات الصراع الإقليمي.
ويترتب على اتساع الحضور العسكري المصري تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي. فقد تضرر الاقتصاد المصري بالفعل من الاضطرابات في البحر الأحمر، إذ انخفضت إيرادات قناة السويس بأكثر من 60% في عام 2024.
وإذا انخرطت القوات المصرية في حرب بالوكالة أو في مواجهات مباشرة حول محيط إثيوبيا، فقد تتفاقم التكاليف الاقتصادية والأمنية. ومن شأن تعرض مصر لضغوط اقتصادية وامتداد انخراطها العسكري إلى نطاقات أوسع أن يضيف تعقيدًا آخر إلى الاستقرار الإقليمي والبيئة الأمنية المحيطة بالحدود الغربية لإسرائيل.
• التهريب والتصعيد والتهديد الإيراني
لا يكمن الخطر الذي تفرضه أزمة إثيوبيا وإريتريا على الأمن البحري في أن يتحول الساحل الأفريقي فجأة إلى منطقة خارجة عن القانون، وإنما في أن يؤدي الصراع الممتد إلى نشوء ثغرات جديدة في عمليات المراقبة وإنفاذ القانون.
فقد كانت قناة السويس تتعامل مع نحو 12% إلى 15% من حركة التجارة العالمية قبل اندلاع أزمة البحر الأحمر، فيما يُعد مضيق باب المندب نفسه أحد أهم نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية في العالم. وتسيطر إريتريا على أكثر من 1,000 كيلومتر من ساحل البحر الأحمر، يمتد شمالًا من باب المندب وعلى الجانب المقابل من البحر لليمن.
وإذا حوّلت القوات الإريترية موارد كبيرة نحو المواجهة مع إثيوبيا، فقد يصبح من الصعب الحفاظ على عمليات المراقبة البحرية في محيط موانئ مثل مصوع وعصب.
وتستغل شبكات التهريب القائمة بالفعل منطقة البحر الأحمر الأوسع والقرن الأفريقي. وتستخدم شبكات الاتجار غير المشروع سفنًا صغيرة لنقل الأسلحة وغيرها من الشحنات غير المشروعة عبر الممرات البحرية التي تربط السودان والقرن الأفريقي واليمن.
و قد يؤدي اندلاع أعمال قتالية واسعة النطاق بين إثيوبيا وإريتريا إلى توسيع نطاق الثغرات القائمة في عمليات المراقبة، بما يهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة لنشاط مهربي الأسلحة ومهربي البشر والقراصنة. كما ربطت تقارير حديثة بين شبكات الحوثيين والدعم الإيراني وأنشطة تهريب تشمل السودان والصومال وإريتريا.
وأثبتت إيران والحوثيون قدرتهما على استغلال طرق التهريب البحرية في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن شأن تعمق الصراع على الساحل الأفريقي أن يجعل مراقبة تلك الطرق أكثر صعوبة، وأن يتيح فرصًا إضافية لنقل الأسلحة وجمع المعلومات الاستخبارية والأنشطة اللوجستية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة نظرًا إلى أن الجانب اليمني من باب المندب يشهد أيضًا تصاعدًا في حدة التنافس. فقد تقدمت القوات الحوثية إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، في حين تستعد السعودية لعملية عسكرية تهدف إلى كسر سيطرة الحوثيين على الممر البحري.
وبالتالي، تواجه إسرائيل تحديًا استراتيجيًا على ضفتي المنظومة البحرية نفسها.
• الأولويات الاستراتيجية للقدس
تفرض الاحتياجات الأمنية المباشرة لإسرائيل بطبيعة الحال تركيز الاهتمام على غزة ولبنان وسوريا واليمن. لكن الساحل الأفريقي للبحر الأحمر بات يكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، بحيث لم يعد من الممكن أن يظل خارج حسابات القدس الأمنية اليومية.
ويمثل الجانب الأفريقي من البحر الأحمر أولوية استخباراتية لا تقل أهمية عن المداخل البحرية المحيطة باليمن، ما يتطلب مراقبة مستمرة للموانئ والمطارات والقواعد الجوية والرادارات الساحلية والانتشار العسكري والبنية التحتية الأمنية الأجنبية الناشئة.
وينبغي إيلاء اهتمام خاص لمينائي عصب ومصوع في إريتريا، وبربرة في أرض الصومال. ويُعد تتبع تحركات القوات والنشاط البحري والتحالفات بين الفصائل على امتداد هذا الساحل أمرًا أساسيًا لرصد التهديدات البحرية والتصدي لها قبل وصولها إلى المداخل الجنوبية القريبة من إيلات.
كما يمكن للتحرك الدبلوماسي أن يعزز هياكل الأمن البحري الإقليمية. ويعني ذلك الحفاظ على قنوات التواصل مع الشركاء الإقليميين، ومراقبة الأوضاع الأمنية المحيطة بالبنية التحتية الحيوية للموانئ، وضمان احتفاظ القوات البحرية الدولية بمستوى كافٍ من الوعي بالوضع على طول الساحل الأفريقي، بدلًا من تركيز اهتمامها بصورة حصرية على المياه اليمنية.
و بالنسبة إلى إسرائيل، تبدو الخلاصة واضحة: لا يمكن تأمين البحر الأحمر من خلال مراقبة اليمن وحده. فقد أصبح الساحل الأفريقي ساحة تزداد أهميتها للتنافس بين إثيوبيا وإريتريا ومصر وقوى خارجية.
وإذا امتد هذا التنافس إلى البنية التحتية البحرية أو شبكات التهريب أو انتشار القوات العسكرية الأجنبية، فقد تصل تداعياته في نهاية المطاف إلى المياه التي تمر عبرها طرق التجارة والأمن الجنوبية لإسرائيل.
ولا يشترط أن تتحول أي أزمة منفردة إلى حرب إقليمية حتى يتغير ميزان القوى الاستراتيجي. ويكمن الخطر في أن يتمكن طرف معادٍ من ترسيخ موطئ قدم له دون مواجهة على الجانب الغربي من البحر الأحمر، في وقت يظل فيه الاهتمام منصبًا على اليمن.