تتمتع محافظة شبوة بجغرافيا فريدة، تتنوع بين السهول الخصبة والسواحل الممتدة والمرتفعات الجبلية والصحارى الشاسعة، كما تزخر بموارد طبيعية غنية، مثل النفط والغاز. هذه الثروة الطبيعية جعلت من شبوة موقعًا لأكبر مشروع استثماري في اليمن: محطة بلحاف لتسييل الغاز الطبيعي.
بعكس التطلعات المحلية، أثر مشروع بلحاف وغيره من المشاريع الهيدروكربونية في المحافظة على البيئة والسكان معًا، دون مراعاة كافية للتبعات طويلة الأمد؛ فقد تسببت التسربات النفطية والتلوث الناتج عن هذا القطاع ضعيف الرقابة والتنظيم، في إلحاق أضرار بصحة السكان، ونفوق الماشية، وتلويث الأراضي الزراعية. وتطور الأمر خلال السنوات الأخيرة، حيث أفاد سكان محليون بتزايد حالات الإصابة بالسرطان وأمراض الكلى في مديريتي الروضة وميفعة شرقي شبوة.
تتزايد المخاوف داخل المجتمع من وجود علاقة محتملة بين هذه الحالات والتسربات النفطية في المنطقة، لكن مركز الأورام بالمحافظة لم يؤكد هذه المخاوف رسميًا ولم ينفها أيضًا. غير أن دراسات بدأت مؤخرًا تسلط الضوء على آثار التسربات النفطية في اليمن، بما في ذلك بحث حديث يركز على محافظة شبوة. ومع ذلك، لا يزال مستوى الاهتمام بهذه القضية بعيدًا جدًا عن المستوى المطلوب، فيما يدعو سكان المناطق المتضررة إلى تدخل حكومي عاجل ومستدام للتعامل مع الخطر المتفاقم على حياتهم وسبل عيشهم.
تآكل البنية التحتية النفطية في شبوة
اكتُشف النفط في شبوة عام 1987، عندما عثرت شركة «تكنوإكسبورت» السوفيتية على أول الاحتياطيات غربي القطاع 4 (عياذ). توالت بعدها الاكتشافات في أربعة قطاعات رئيسية أدارتها شركات محلية وأجنبية، وقد مثلت نقطة تحول اقتصادية مهمة، إذ فتحت الباب أمام استثمارات واسعة في البنية التحتية النفطية بالمحافظة، لكنها لم تقترن بأطر تنظيمية كافية لإدارة المخاطر.
أدى توسع الاستثمار في قطاع النفط في شبوة إلى تحديات كبيرة، فما تزال حوكمة القطاع ضعيفة وموجهة إلى حد كبير لخدمة مصالح الشركات الأجنبية والحكومة المركزية، مع اعتبار محدود للمجتمعات المحلية والآثار البيئية والرقابة التنظيمية. وأسهمت هذه السياسات في حدوث أعمال تخريبية على يد مسلحين مجهولين، إذ لا يرى السكان فوائد ملموسة، مثل فرص العمل أو مشاريع البنية التحتية، ما فاقم التوترات الكامنة بين المجتمعات المحلية من جهة، والحكومة والشركات المشغلة من جهة أخرى.
بحسب بيان صادر عن فرع الهيئة العامة لحماية البيئة بشبوة، لم يخضع خط الأنابيب الممتد من منشأة عياذ إلى ميناء النشيمة لأي أعمال صيانة منذ إنشائه عام 1987، لكنه لا يزال قيد التشغيل رغم تعرضه المتكرر لأعمال تخريب من قبل رجال قبائل محليين يرون أنهم لا يستفيدون من النفط المستخرج من أراضيهم.
ونتيجة لذلك، أصبحت التسربات النفطية حالة دائمة، مخلفة تلوثًا مزمنًا في المديريات التي يمر بها خط الأنابيب. تبدأ التسربات النفطية من منطقة لهية بمديرية حبان، وتمر عبر منطقة عزان بمديرية ميفعة، وتصل إلى مناطق بمديرية الروضة، مثل غيل السعيدي وقرن بامحرز. وقد لوثت هذه التسربات المستمرة الأراضي الزراعية والأودية ومصادر المياه التي يعتمد عليها السكان والبيئة المحيطة، بينما تُرك السكان المحليون في مواجهة هذا التلوث بمفردهم.
بدافع من المعاناة التي يواجهها السكان المحليون، ناشدت جمعية زراعية في منطقة غرير بمديرية الروضة، في ديسمبر/كانون الأول 2025، السلطة المحلية والشركات المشغلة صيانة خط الأنابيب وتنظيف التسربات النفطية وإزالة التربة الملوثة. ومع ذلك، لم تُتخذ أي إجراءات جوهرية، إذ اقتصرت زيارات اللجان المتخصصة على تقييم المشكلة وإجراء إصلاحات طارئة، دون معالجة الأسباب الجذرية.
أثر ممتد
أشار عادل بامحرز، من سكان قرن بامحرز في مديرية الروضة، إلى أن التسربات النفطية المستمرة خلفت آثارًا واسعة على الحياة المحلية، طالت مصادر المياه وجودة التربة والغطاء النباتي والصحة العامة. ووفقًا له، فقد لوثت هذه التسربات مصادر المياه الرئيسية في المنطقة، وتسببت في أضرار كبيرة بالمحاصيل والأراضي الصالحة للزراعة.
كما يشير عبدالسلام بن سما إلى أن الإنتاج الزراعي تراجع بشكل كبير؛ ففي منطقة غيل السعيدي اندثرت مزارع محلية كانت عامرة بالنخيل والمانجو والأعلاف، وتشكل مصدرًا رئيسيًا لسبل عيش الأسر المحلية في المنطقة. كما اندثرت معها أشجار الثقب، وتضررت الثروة الحيوانية، إذ نفقت مواشٍ نتيجة شرب مياه ملوثة بالنفط.
والأسوأ من ذلك أن صحة السكان تأثرت بشكل مباشر، مع ورود تقارير محلية عن انتشار واسع لمشكلات جلدية وتنفسية بين السكان، إضافة إلى تزايد حالات الإصابة بالسرطان وأمراض الكلى.
وأكدت دراسة حديثة قيّمت تلوث التربة بالقرب من خط أنابيب النفط الخام في شبوة، تلوث التربة بمواد خطرة، بما في ذلك الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، حيث تبقى هذه المركبات في التربة لفترات طويلة، وترتبط على نحو معروف بالطفرات الجينية والسرطان، ما يشكل تهديدًا كبيرًا لصحة الإنسان والبيئة على حد سواء.
غضّ الطرف
ثمة مشكلات جوهرية واضحة في إدارة قطاع النفط بالبلاد، وتظهر سياسة الحكومة القائمة على غض الطرف عن الأزمة في شبوة تغليب المصالح الاقتصادية على سلامة السكان. يمثل ذلك انتهاكًا للقانون اليمني، وتحديدًا المادتين 35 و36 من القانون رقم 26 لسنة 1995 بشأن حماية البيئة، اللتين تحددان المسؤولية عن الأضرار في مثل هذه الحالات.
إن استمرار تجاهل سلامة المجتمعات المحلية يقوض الثقة بالسلطات الرسمية، ويزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى معالجة الأضرار، ويهدد الاستقرار المحلي.
بالمقابل، ظهرت مبادرات محلية لافتة، شملت جهودًا لتوثيق الأضرار الناجمة عن التسربات النفطية، وتشكيل لجان محلية لمتابعة القضية مع السلطة المحلية بالمحافظة والوزارة المعنية، وتنظيم حملات محلية لرفع وعي السكان بآثار التسربات النفطية.
ورغم محدودية الموارد، أظهرت المجتمعات المحلية في شبوة اعتمادًا كبيرًا على الذات في جهودها للتخفيف من آثار هذا التلوث، لكن لم يعد ممكنًا التعامل مع التسربات النفطية في المحافظة بوصفها حوادث عرضية أو طارئة، بل ينبغي تحليلها باعتبارها مشكلة واقعة ضمن الإطار البنيوي لإدارة قطاع النفط.
ويتعين على الحكومة وشركات النفط العاملة محليًا الالتزام بالقوانين الوطنية والدولية ومعايير السلامة، بما يكفل حماية البيئة وصحة المجتمعات المتضررة وسبل عيشها واستدامة الموارد الطبيعية.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي:
https://sanaacenter.org/ar/the-yemen-review/jan-mar-2026/27449