تمر ملايين الدولارات من العملات المشفرة عبر مكتب في دبي تديره واحدة من أكبر شبكات المقامرة غير المشروعة في العالم، في إطار عملية يعتقد أنها تهدف للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران تقدر قيمتها بنحو أربعة مليارات دولار.
وكشف محلل مستقل وبيانات راجعتها رويترز من شركتين متخصصتين في التحقيقات المتعلقة بالعملات المشفرة أن المكتب يقع فوق فندق متواضع في حي لا يعتبر من الأحياء الراقية، وهو العنوان الرسمي المسجل لشركة (شيلبيت)، وهي شركة عملات مشفرة غير مرخصة يديرها إيراني مغترب.
ومن بين أبرز عملاء شيلبيت شبكة مقامرات ومراهنات تدار باللغة الفارسية وتضم أكثر من ألفي موقع إلكتروني. ويرتبط بالشبكة اثنان من المؤثرين الإيرانيين البارزين يتمتعان بعلاقات مع شخصيات رفيعة المستوى في دوائر الحكم، ويعمل أحدهما من فيلا فخمة في مدريد، بينما كان الآخر، حتى وقت قريب، يقيم في فندق فاخر في هونج كونج.
وأدين الرجلان والإيراني الذي يدير شيلبيت بتهمة التواطؤ في أنشطة قمار غير قانونية في إيران عام 2023.
وتحظر الجمهورية الإسلامية المقامرة وتعاقب عليها بالجلد والسجن. مع ذلك، تتمتع شبكة المقامرة التي حددتها رويترز بإمكانية الوصول إلى نظام المدفوعات الإلكتروني في إيران، الخاضع لرقابة وثيقة من البنك المركزي.
وتعد شيلبيت محور شبكة تحويل الأموال الإيرانية، التي تتمكن من خلالها شبكة المقامرة والبنك المركزي وكيانات إيرانية أخرى خاضعة للعقوبات من الوصول إلى أسواق العملات المشفرة العالمية.
وقامت الشركتان المتخصصتان في التحقيقات المتعلقة بالعملات المشفرة إلى جانب ريتش ساندرز، وهو محقق وباحث مستقل في مجال سجلات معاملات العملات المشفرة (بلوك تشين) يركز على إيران، بتحليل البيانات الخاصة بتدفقات الأموال عبر شيلبيت، بما في ذلك معاملات بأربعة مليارات دولار على الأقل منذ مايو أيار 2024.
وطلبت الشركتان عدم نشر اسميهما نظرا لحساسية البيانات، التي راجعتها رويترز. ويمكن تتبع عشرات الملايين من الدولارات من العملات الرقمية لشبكة المقامرة عبر سجلات البلوك تشين إلى شركة شيلبيت.
وحولت شيلبيت عملات بمئات الملايين إلى بعض من أبرز الجهات في مجال العملات المشفرة، ومن بينهم (بينانس) أكبر منصة في العالم لتداول العملات الرقمية.
وتتعامل شيلبيت مباشرة أيضا مع البنك المركزي الإيراني ومحافظ رقمية قالت الحكومة الإسرائيلية إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومع منصة (نوبيتكس) الإيرانية التي فرضت الحكومة الأمريكية عقوبات عليها في وقت سابق من العام بعد أن كشف تحقيق أجرته رويترز عن صلاتها بالحكومة.
وجاء جزء من العملات المشفرة التي تدفقت إلى شيلبيت من عملية إيرانية لتعدين البتكوين، تقول شركتا التحقيقات في العملات المشفرة إنها تنتج عملات رقمية جديدة.
وقال ساندرز عن شيلبيت "إنها عملية للحرس الثوري الإيراني، وهذا واضح وضوح الشمس".
واستمرت التدفقات إلى شيلبيت في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير شباط. وظلت العملات المشفرة تتدفق حتى بعد أن قصفت إيران مرارا الإمارات، بما في ذلك هجوم بطائرة مسيرة أصابت موقعا يبعد أقل من كيلومتر عن مقر شيلبيت.
ويظهر الكشف عن شبكة تحويل الأموال هذه براعة إيران وقدرتها على الصمود في وجه عقوبات تجارية ومصرفية قاسية مفروضة عليها منذ سنوات. ولعب الحرس الثوري دورا محوريا في الحفاظ على تماسك الاقتصاد خلال المواجهات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معززا نفوذه أكثر من أي وقت مضى.
وخلص تحقيق رويترز أيضا إلى أن الحرس الثوري سيطر منذ سنوات على أكبر مواقع المقامرة المتاحة داخل إيران واستخدمها منذ ذلك الحين في تحويل أموال إلى الخارج.
ولكشف شبكة التحايل على العقوبات، تحدثت رويترز إلى أكثر من 30 شخصا من بينهم اثنان كانت لهما صلات سابقة بالحرس الثوري، ومسؤول حكومي سابق، وإيرانيان مطلعان على المخطط وآخرون على دراية مباشرة بالتحقيقات التي تجريها حكومة الإمارات بشأن هذه العملية. وتم تحديد مواقع المقامرة الإلكترونية والعلاقات فيما بينها بالتعاون مع شركة (إنفوبلوكس) للأمن السيبراني.
وقال جون فويتشيك، الباحث السابق لدى إنفوبلوكس، والذي أمضى سبع سنوات في التحقيق في أنشطة المقامرة غير القانونية لصالح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة "هذه هي أكبر شبكة مقامرة غير قانونية إيرانية تم اكتشافها على الإطلاق، وواحدة من أكبر الشبكات في العالم". ويشغل فويتشيك حاليا منصب كبير المحللين لدى (تي.آر.إم لابز).
وتعد الشبكة أيضا واحدة من أكبر شبكات الالتفاف على العقوبات الإيرانية التي تم اكتشافها منذ عام 2016 عندما أحبطت الولايات المتحدة عملية لمبادلة النفط بالذهب بقيمة 20 مليار دولار تقريبا حاول الحرس الثوري تنفيذها عن طريق تركيا.
ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كان الحرس الثوري يسيطر بشكل مباشر على شبكة المقامرة وشركة شيلبيت أو من المسؤول تحديدا داخل الدولة الإيرانية عن عملية التحايل على العقوبات. ولم يتسن لرويترز أيضا تحديد الوجهة التي انتهى إليها جزء كبير من العملات المشفرة.
وقال مصدر مطلع إن سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي تحقق في الدور المزعوم لشركة شيلبيت في مساعدة إيران على غسل أموال والتهرب من العقوبات.
وأضاف أن سلطة تنظيم الأصول الافتراضية تدقق أيضا في أنشطة سياوش كيانبور مؤسس شيلبيت والشبكة الأوسع من الإيرانيين المتورطين في أنشطة المقامرة غير القانونية القائمة على العملات المشفرة.
وأكدت السلطة أنها ودائرة الاقتصاد والسياحة في دبي اتخذتا إجراءات في عام 2025 ضد شيلبيت لأنها تعمل بدون ترخيص. وأصدرت في 24 يوليو تموز -بعد فترة وجيزة من طلب رويترز تعليقا منها- إشعارا قالت فيه إن شيلبيت تنتهك قوانين غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأمرتها بالتوقف فورا عن جميع أنشطة الأصول الافتراضية غير المرخصة.
وجاء في الإشعار، الذي نشرته السلطة على موقعها الإلكتروني، أن المخاطر التي رصدتها تتجاوز نطاق حماية المستهلك لتشمل معاملات أخطر عبر الحدود من المحتمل أن تؤثر على سلامة النظام المالي لدولة الإمارات.
•المؤثران
أحد الرجلين اللذين يقفان وراء عملية المقامرة هو ساشا سبحاني، وهو نجل دبلوماسي إيراني كبير ووزير سابق، تبرأ منه والده علنا بسبب ما وصفه بسلوكيات تتنافى مع تعاليم الإسلام.
والآخر هو بويان مختاري، وهو مؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي ومغن كان يتنقل بين الفنادق الفاخرة في هونج كونج بعد طرده في أواخر أبريل نيسان من دبي حيث ألقت السلطات القبض عليه واتهمته بتمويل منظمات إرهابية إيرانية.
وتباهى الرجلان بأسلوب حياتهما الباذخ على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانا ينشران مقاطع فيديو لسيارات رياضية فاخرة وطائرات خاصة، وحفلات على متن يخوت.
ونفى مختاري التهم التي وجهت إليه في دبي، وقال إنه ليس عضوا في الحرس الثوري أو أي جماعات عسكرية إيرانية. ولم يذكر ما إذا كان قد أجرى أعمالا تجارية معهم.
وقال خلال مقابلة أجريت معه في هونج كونج "أنا لست جزءا منهم، لكنني أتمنى، بل أرجو أن أصبح يوما ما مثلهم، ليس لمهاجمة أي شخص، (وإنما) للدفاع عن الناس".
وأضاف "لم أستخدم أبدا نفوذي أو أموالي أو مكانتي على وسائل التواصل الاجتماعي لإيذاء أي شخص أو الإضرار بالبشرية".
ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية على الأسئلة المتعلقة بالقبض على مختاري أو الإفراج عنه أو وضع تأشيرته.
وقالت الوزارة في بيان لرويترز إن الإمارات تلتزم بأعلى المعايير الدولية وتفرض رقابة صارمة على جميع القطاعات وتعمل عن كثب مع الشركاء الدوليين للتصدي لكل أشكال التدفقات المالية غير المشروعة ومنعها.
وقال مختاري لمتابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي في أواخر يونيو حزيران إنه يعتزم أن يحضر في أوائل يوليو تموز جنازة الزعيم الأعلى علي خامنئي الذي قُتل في بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وعلى مدار عدة أيام، نشر مختاري صورا له وهو بشعر مصبوغ حديثا، وهو في صالة ألعاب رياضية، وهو يحزم أمتعته، وهو يتسوق لشراء الهدايا.
وكتب في الرابع من يوليو تموز يقول "إنه شعور غريب. أنا عائد إلى الوطن" ووضع رمزا تعبيريا (إيموجي) لوجه يبكي.
ونفى مختاري وسبحاني أن تكون مواقع المقامرة التي يروجان لها مرتبطة ببعضها البعض. لكن شركة إنفوبلوكس قالت إن هناك برمجيات وخصائص تقنية أخرى تربط بين تلك المواقع رغم أنه تم تسجيل نطاقاتها في أوقات مختلفة، وباستخدام أسماء وعلامات تجارية مختلفة.
وقال الرجلان إنهما لا يعلمان بأي دور للدولة الإيرانية في أنشطتهما ولا يعرفان كيانبور أو شيلبيت.
وقال سبحاني في بيان أرسله بالبريد الإلكتروني إلى رويترز "أنفي بشكل قاطع أي تورط في غسل أموال أو التهرب من العقوبات أو تمويل الإرهاب أو تحويل أموال نيابة عن الحكومة الإيرانية أو البنك المركزي أو الحرس الثوري أو أي مؤسسة حكومية إيرانية أخرى".
ولم يرد كيانبور ولا الحكومة الإيرانية على طلبات للتعليق. ولم ترد شرطة دبي والنيابة العامة أيضا على طلبات للتعقيب. ولم يرد اسما سبحاني أو مختاري في بيان سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي.
وذكر متحدث باسم وزارة الخزانة الأمريكية أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة "على علم بهذه الاتهامات ويأخذها على محمل الجد".
وأضاف "تستهدف وزارة الخزانة بقوة الأصول الرقمية المرتبطة بالنظام الإيراني منذ أن استأنف الرئيس (دونالد) ترامب مهام منصبه".
وأظهرت البيانات التي راجعتها رويترز أن شيلبيت أجرت معاملات بما لا يقل عن 130 مليون دولار لموقع واحد فقط من مواقع المقامرة المرتبطة بالشبكة الأوسع منذ مايو أيار 2024، وهو التاريخ الذي يبدو أن الشركة بدأت فيه عملياتها.
وقال مياد مالكي، الذي ساعد في صياغة سياسة وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بالتهرب من العقوبات المفروضة على إيران عندما كان مساعدا لمدير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وهو المنصب الذي شغله حتى العام الماضي "الأيديولوجيا هي الواجهة التي يقدم بها الحرس الثوري نفسه، أما الربح فهو ما يحرك أعماله".
وأضاف "عندما يتعلق الأمر بالمقامرة، أدرك الحرس الثوري مبكرا أكثر الدروس ربحا في الجمهورية الإسلامية: تجريم النشاط أولا، ثم السيطرة على آليات منعه وعلى السوق التي تنشأ حوله في الخفاء".
والحرس الثوري هو ذراع الدولة الإيرانية المسؤولة عن حماية الثورة الإسلامية، ويشرف على مؤسسات تجارية بمليارات الدولارات.
ورغم المليارات التي تم تحويلها عبر شيلبيت، لا توجد حاليا أي طريقة يستطيع عامة الناس من خلالها استخدام هذه المنصة.
وقال ثلاثة أشخاص في العنوان المسجل لمكتب شيلبيت في حي ديرة بدبي لمراسل رويترز، الذي زار المكان، إنهم لم يسمعوا قط عن الشركة ولا علاقة لهم بالعملات المشفرة. كما أن إجراء المعاملات عبر الإنترنت مستحيل، لأن شيلبيت لم تعد تمتلك موقعا إلكترونيا.
وردا على سؤال عن تعاملاتها مع شيلبيت، قالت شركة بينانس إن شيلبيت لم تمتلك حسابا على منصتها ولم تخضع لأي عقوبات. ولم تنكر بينانس قيامها بمعاملات بمئات الملايين من الدولارات لصالح شيلبيت، وقالت إن تلك المعاملات لم تعتبر عالية المخاطر.
وأضافت في بيان "عندما تفاعل مستخدمون مرتبطون بشركة شيلبيت مع منصتنا، عمل برنامج الامتثال لدينا كما ينبغي، فقد تحقق وجمد الحسابات ذات الصلة، وأبلغ سلطات إنفاذ القانون عنها". ولم تقدم الشركة مزيدا من التفاصيل.
•فرض السيطرة
يمثل تبني الحرس الثوري الإيراني للمقامرة عبر الإنترنت امتدادا للهيمنة المتزايدة التي يفرضها على الاقتصاد الإيراني، سواء في قطاعاته القانونية أو غير القانونية. وبينما أثيرت شبهات حول ضلوع الدولة في أنشطة المقامرة في تقارير عدة، من بينها تقرير لمعهد واشنطن عام 2021، فإن رويترز هي أول مؤسسة إخبارية تكشف بالتفصيل سيطرة الحرس الثوري على هذا القطاع المربح.
وقال رضا غيبي، وهو مسؤول حكومي إيراني سابق غادر إيران عام 2022 ويقيم حاليا في بريطانيا، إنه عندما بدأت المقامرة عبر الإنترنت بالانتشار في إيران قبل نحو عقد من الزمن، رأى الحرس الثوري فيها فرصة وفرض سيطرته على القطاع.
وأضاف أن المقامرة عبر الإنترنت تطلبت أيضا تعاون البنك المركزي، الذي يسيطر على البنية التحتية المحلية للمدفوعات الإلكترونية، بما في ذلك البطاقات المصرفية والتحويلات المالية.
وأكد حميد نيكو الذي سبق أن عمل مستشارا للحرس الثوري في مجال السياسات الاستراتيجية ومحمد حسين تركمان، العضو السابق في إحدى وحدات الحرس الثوري المكلفة بالحماية الشخصية للزعيم الأعلى وأفراد أسرته، إضافة إلى إيرانيين اثنين آخرين على إطلاع مباشر بالموضوع، سيطرة الحرس الثوري على قطاع المقامرة في إيران.
وقال نيكو "عندما تتوسع المؤسسات المالية وتعمل بصورة مستقلة عن المؤسسة الحاكمة والأجهزة الأمنية، يتدخل الحرس الثوري للإشراف عليها... لقد استخدموا مواقع المقامرة وسيلة لربط الأنظمة المالية داخل البلاد وخارجها".
ووفقا لغيبي ونيكو وتركمان، استقطب الحرس الثوري فنانين ومؤثرين إيرانيين مشهورين للترويج لمواقع المقامرة والمراهنات بين ملايين من المتابعين. وأضافوا أن استعراض هؤلاء لمظاهر الثراء والبذخ كان يجد صدى لدى الإيرانيين الذين يعانون من شظف العيش.
وغادر نيكو إيران عام 2015، تاركا عمله كبيرا للمحللين في مؤسسة انديشه سازان نور للدراسات الاستراتيجية، التي تقدم المشورة للحرس الثوري بشأن السياسات. أما تركمان فغادر البلاد عام 2010. وقال كل من غيبي ونيكو وتركمان إنهم ما زالوا يحتفظون بعلاقات مع جهات حكومية داخل إيران ويتواصلون معها باستمرار.
وقال تركمان إنه اعتقل في إيران بدعوى اعتباره تهديدا أمنيا، وإنه فر من البلاد بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه. أما نيكو فذكر أنه غادر إيران لمتابعة دراسة الدكتوراه لكنه لم يكملها. وغادر غيبي، الذي عمل لسنوات صحفيا اقتصاديا إلى جانب منصبه الحكومي، البلاد بعد تكرار تعرضه لاستجوابات على خلفية مقابلات أجراها مع مؤسسات إعلامية أجنبية.
وحددت رويترز أكثر من 60 مؤثرا إيرانيا يروجون لمواقع المقامرة والمراهنات، ولدى نحو نصفهم أكثر من مليون متابع. بينما يتجاوز عدد المتابعين لثلاثة منهم العشرة ملايين شخص.
• ’انقر واستمتع’
يعد ساشا سبحاني، واسمه الحقيقي محمد جواد، من أبرز الوجوه المعروفة في عالم المقامرة عبر الإنترنت المرتبط بإيران، بفضل وشومه الكثيرة وولعه بالعلامات التجارية الفاخرة.
ولدى سبحاني، وهو نجل سفير إيراني سابق، 3.7 مليون متابع على إنستجرام، حيث يروج لموسيقاه إلى جانب مواقع المقامرة. وقال لرويترز إنه لم يعد على تواصل مع والده.
وفي مقطع مصور على تيك توك عام 2025 نشرته صديقته الإسبانية، ظهر وهو يهديها سيارة رولز رويس وردية زاهية بمناسبة عيد ميلادها الثامن عشر. ويتصدر ملفه الشخصي على إنستجرام رابط لأحد مواقع المقامرة، وبين رموز تعبيرية (إيموجي) لأكوام من الأموال تتطاير، تظهر عبارة بسيطة تقول "انقر واستمتع".
وينشر سبحاني صورا لفيلا فاخرة يملكها تقدر قيمتها بملايين الدولارات في مدريد كانت مملوكة سابقا لأحد لاعبي ريال مدريد. وفي أحد مقاطع الفيديو على إنستجرام، الذي أعيد نشره عشرات المرات، يظهر وهو يسحب أوراقا نقدية من رزمة كبيرة فيما يبدو لتتناثر في جناحه الفندقي.
أما بويان مختاري، فقد نجح في بناء قاعدة متابعين أكبر على إنستجرام قبل إغلاق حسابه في وقت سابق من هذا العام. وهو ينشط حاليا على منصة (وطن)، وهي شبكة تواصل اجتماعي للمراهنات والمقامرة وتستخدم في الأساس اللغة الفارسية، ويقول إنه أسسها بنفسه، لكن عدد متابعيه عليها أقل بكثير. ولم تتمكن رويترز من تحديد سبب غلق حسابه على إنستجرام. كما لم تقدم شركة ميتا، المالكة لإنستجرام، تفسيرا عند التواصل معها لطلب التعليق.
وكثيرا ما جمعت منشورات مختاري بين استعراض مظاهر الثراء، بما في ذلك مجموعة من السيارات الفارهة والساعات الثمينة، وبين مقاطع فيديو موسيقية ومحتوى مؤيد للجمهورية الإسلامية.
وأظهر أحد منشوراته على إنستجرام لقاءه بالرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني. وانضم أحمد الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، لفترة وجيزة إلى بث مباشر مشترك على إنستجرام مع مختاري .
ونشر مختاري صورا لسيارته من طراز كوينجسيج جيسكو أتاك التي تبلغ قيمتها 3.5 مليون دولار، موثقا تحول لونها من الذهبي اللامع إلى الوردي الزاهي.
•الادعاء العام الإيراني
أظهرت وثائق قانونية إيرانية اطلعت عليها رويترز أن مختاري وسبحاني يعملان معا منذ عام 2020 على الأقل، عندما حوكما بتهمة تأسيس شبكة من مواقع المقامرة والمراهنات غير القانونية، من بينها موقعا (إيه.بي.تي 90) و(حضرات). وكان الاثنان يقيمان خارج إيران آنذاك، قبل أن تتم إدانتهما غيابيا بعد ثلاثة أعوام والحكم على كل منهما بالسجن لمدة عامين. وحكم على سياوش كيانبور، مؤسس منصة (شيلبيت)، بالسجن ثلاثة أشهر لمساعدته لهما.
ووفقا لوثيقة قضائية إيرانية وشخص مطلع على القضية، أصدرت إيران نشرات حمراء عبر الإنتربول بحق مختاري وسبحاني. وأُلقي القبض عليهما في إسبانيا حيث كانا يقيمان آنذاك. وقال مختاري إنه احتجز لأكثر من شهر. وأضاف المصدر أن الإنتربول ألغى لاحقا النشرات الحمراء بعد طلب من الشخصين المعنيين. ويحق للإنتربول سحب هذه النشرات إذا لم تقدم الحكومات معلومات إضافية عند الطعن فيها.
وقال مختاري لرويترز إنه لم يرتكب أي مخالفة، وإن المقامرة ليست محظورة في إيران. وأوضح "في إيران، لا توجد قواعد مكتوبة... بشأن هذا النشاط، سواء سوق المراهنات عبر الإنترنت أو المقامرة أو أيا كان الاسم الذي تطلقه عليها. ببساطة لم يكن ذلك غير قانوني".
لكن المادة 705 من قانون العقوبات الإيراني تنص على أن المقامرة تعاقب بالسجن لمدة تصل إلى ستة أشهر و74 جلدة. وفي عام 2023، جرى تعديل القانون ليشمل المراهنات عبر الإنترنت.
غير أن غيبي، المسؤول الإيراني السابق، قال إن حملات الجمهورية الإسلامية على شبكات المقامرة تستهدف في الأساس إقصاء المنافسين أكثر من حماية العامة.
وأوضح "الأمر لا يتعلق بالحرص على الناس أو لأن المقامرة حرام، بل يتعلق بإقصاء المنافسين".
وفي مارس آذار 2024، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أنها فككت "شبكة مافيا ضخمة تتخذ من لندن مقرا" وكانت تدير 54 موقعا إلكترونيا للمقامرة غير القانونية. ووصفت الوزارة حينها شبكة (نيترو بيت) بأنها الأكبر في إيران.
لكن أنشطة المقامرة التي يروج لها مختاري وسبحاني، والتي تضم نحو ألفي موقع وتوفر ألعاب حظ مثل ماكينات القمار والبلاك جاك والروليت، أكبر بكثير من شبكة (نيترو بيت) ويبدو أنها تشهد ازدهارا، وفقا لمحققين في العملات المشفرة وأمن تكنولوجيا المعلومات أمضوا شهورا في تحليل أنشطتها.
ولم يتمكن أي من المسؤولين الإيرانيين الحاليين أو السابقين الذين تحدثوا إلى رويترز من تحديد سبب السماح للشبكة التي يروج لها مختاري وسبحاني بمواصلة العمل. ولم يعد موقع (نيترو بيت) متاحا حاليا.
وأوضح غيبي، المسؤول الحكومي الإيراني السابق، أن الحرس الثوري الإيراني "أنشأ شبكات وتنظيمات كانت الوجوه فيها تتغير بمرور الوقت".
وأضاف "كلما برز شخص ما، سعت استخبارات الحرس الثوري إلى الوقوف خلفه وتوظيف نفوذه وتأثيره لدعم النشاط وتوسيعه".
ويظهر منشور على إنستجرام يعود إلى أكتوبر تشرين الأول 2022 سبحاني ومختاري جالسين معا على متن طائرة خاصة وهما يتناولان وجبة من ماكدونالدز. وكتب مختاري تعليقا على المنشور قال فيه "أخي".
ولا يزال الرجلان يروجان للمواقع التي وردت أسماؤها في القضية المرفوعة ضدهما في إيران.
وفي بيانه، أشار سبحاني إلى أن النشرة الحمراء الصادرة بحقه ألغيت وأن القضية المرفوعة ضده في إسبانيا أسقطت. وأضاف "أي ادعاء بأنني أتعاون مع السلطات (الإيرانية) نفسها التي لاحقتني هو ادعاء غير صحيح على الإطلاق".
وقال إن دوره في موقع (إيه.بي.تي 90) اقتصر على الإعلان المدفوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأوضح "لم أكن في أي وقت مالكا أو مساهما أو مديرا أو موظفا أو مشغلا أو صاحب قرار في إيه.بي.تي 90 أو أي منصة مرتبطة به. ولا أعرف كيف تمكنت مثل هذه المواقع من الوصول إلى أنظمة الدفع الإيرانية".
•ساعات وعملات مشفرة
يقع مكتب شركة شيلبيت بين محال الصرافة والمباني الإدارية في دبي، ويمكن الوصول إليه عبر بهو فندق متواضع. ومن هناك، ينقل مصعد مزدحم الزوار إلى الطابق الرابع حيث يوجد باب ثقيل مغلق ومزود بجرس وكاميرا مراقبة. وتحمل اللافتة المثبتة بجوار الباب اسم "فيلوريكس ووتش تريدينج". وتظهر السجلات التجارية في دبي أن "فيلوريكس" شركة أخرى مسجلة باسم كيانبور، مؤسس شيلبيت.
وخلال زيارة أجراها مراسل لرويترز في أوائل يوليو تموز للمكتب المؤلف من ثلاث غرف، شاهد 13 ساعة مستعملة معروضة، وآلة لعد النقود، ومكتبا. وقال أحد الموظفين الثلاثة، وكان يرتدي قميصا قطنيا قصير الأكمام (تي شيرت) وينتعل صندلا، إنه لم يسمع مطلقا بكيانبور.
وسأل موظف آخر "من الذي أرسلك؟". وقالوا إن الساعات ليست معروضة للبيع.
وقال ساندرز وشركتا التحقيقات المتخصصتان في العملات المشفرة إن لديهم قناعة تامة بأن الأربعة مليارات دولار التي تم تداولها عبر شيلبيت تخضع لسيطرة الدولة الإيرانية، مستندين في ذلك إلى تعاملات الشركة المباشرة مع البنك المركزي الإيراني وجهات أخرى خاضعة للعقوبات، وغياب أي حضور لها على الإنترنت، فضلا عن ارتباطاتها بعمليات لإنتاج العملات المشفرة.
وأضافوا أن شيلبيت أجرت معاملات بقيمة لا تقل عن 125 مليون دولار لصالح البنك المركزي الإيراني، جرى تنفيذ جزء كبير منها بصورة مباشرة. كما تلقت الشركة ما لا يقل عن 20 مليون دولار من عملية يشتبه بأنها إيرانية لإنتاج العملات المشفرة عبر محافظ وسيطة تخفي مصدر الأموال، وفقا لبيانات بلوك تشين راجعتها رويترز.
وتعتمد عملية الإنتاج على استخدام أجهزة الكمبيوتر لحل معادلات رياضية معقدة بهدف إصدار عملات رقمية جديدة. وأضفت إيران الشرعية على هذا النشاط في عام 2019 مع إلزام القائمين عليه بالحصول على تراخيص حكومية.
وأصبح تعدين العملات المشفرة منذ ذلك الحين أحد الركائز الأساسية لتملص إيران من العقوبات الغربية التي حرمتها من الحصول على العملات الأجنبية والوصول للنظام المصرفي العالمي. ووفقا لرسالة بعث بها عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي إليزابيث وارن وأنجوس كينج إلى مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2024، فإن البنك المركزي الإيراني يبيع بتكوين وعملات رقمية أخرى جرى تعدينها في إيران في أسواق العملات المشفرة الدولية.
ووفقا لشركتي التحقيقات وبيانات بلوك تشين راجعتها رويترز، تدفق ما لا يقل عن 676 مليون دولار من العملات المشفرة من عناوين مرتبطة بشيلبيت إلى منصة بينانس منذ مايو أيار 2024. ومن هذا المبلغ، جرى تحويل نحو 540 مليون دولار بعد أن فرضت سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي غرامة على شيلبيت العام الماضي بسبب تقديم خدمات صرافة غير مرخصة والترويج لها.
وقال ساندرز، الباحث والمحقق المستقل، إنه أبلغ بينانس في أكتوبر تشرين الأول 2025 بصلات شيلبيت بإيران، لكن البيانات أظهرت استمرار تدفق الأموال من شيلبيت إلى بينانس بعد هذا التحذير. ولم ترد بينانس على أسئلة بشأن الإجراءات التي اتخذتها، إن وجدت، ردا على هذه المعلومات.
وقالت في بيان "التدفقات المرتبطة بشيلبيت إلى بينانس لم تصنف عالية المخاطر من جانب شركة مستقلة لتحليلات بلوك تشين". ولم تكشف المنصة عن اسم تلك الشركة. كما قالت إنها لم تتمكن من "مطابقة" المبالغ التي تدفقت بعد الغرامة التي فرضتها سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي.
وفرضت الولايات المتحدة غرامة على بينانس قدرها 4.3 مليار دولار في عام 2023 بسبب انتهاك قواعد مكافحة غسل الأموال، بما في ذلك معالجة معاملات عملات مشفرة مرتبطة بإيران.
وفي ديسمبر كانون الأول، حصلت بينانس على تراخيص تنظيمية رئيسية في الإمارات لمنصتها الأساسية للتداول.
وذكر شخصان مطلعان أن شرطة دبي ألقت القبض على مختاري في أواخر مارس آذار للاشتباه بتمويله جماعات إيرانية إرهابية كانت تنفذ أنشطة عدائية ضد الإمارات.
وقال المصدران إنه احتجز لمدة 35 يوما قبل ترحيله وإجباره على التنازل عن ممتلكاته، بما في ذلك الأموال الموجودة في حساباته المصرفية الإماراتية ومنزله البالغ قيمته خمسة ملايين دولار. وفي مقابلة أجراها أوائل مايو أيار مع صانع محتوى إيراني، تناول مختاري قضية اعتقاله وقال إنه اتهم ظلما بتمويل هجمات ضد الإمارات.
وبعد ترحيله من دبي، تتبعت رويترز تحركات مختاري عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي وصولا إلى جناح فندقي تبلغ تكلفة الإقامة فيه ألفي دولار لليلة الواحدة ويطل على ميناء فيكتوريا في هونج كونج. وعبر هناك عن استيائه من معاملة السلطات في دبي، قائلا إنها جردته من كل ما يملك. وذكر في أحد منشوراته أنه اعتقل بعد تحويل 150 ألف دولار إلى أصدقاء له في إيران.
وكشف مختاري أيضا أنه كان يعيش في الإمارات بهوية مستعارة، إذ نشر صورة لتأشيرة الإقامة الذهبية الخاصة به لمدة عشر سنوات باسم "باتريك فيليب" من فانواتو الواقعة في جنوب المحيط الهادي.
وبعد شهرين في هونج كونج، بدا أن مختاري يستعد لتحسين صورته والعودة إلى بلاده. وقبل مغادرته، أجرت وسائل إعلام إيرانية مقابلات صورته على أنه تاب ويقرأ القرآن ويواظب على الصلاة.
وفي الثامن من يوليو تموز، نشر من بانكوك صورة سيلفي التقطها عند أسفل سلم الطائرة المتجهة إلى إيران. وكتب "إن شاء الله سأكون في طهران خلال أقل من 24 ساعة، أرجو أن تدعوا لي بأن أكون نافعا وأنال رضا الله سبحانه وتعالى والناس الطيبين في هذا العالم".
وبحلول ذلك الوقت كانت مراسم تشييع الزعيم الأعلى في إيران قد انتهت. ومنذ ذلك الحين، لم ينشر مختاري أي محتوى جديد.