من المتوقع أن تستقبل دول الخليج العربية مذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بمزيج من الارتياح والتوجس، مع تكشف المزيد من تفاصيلها بمرور الوقت.
فإذا ما وُقّعت هذه المذكرة، مصحوبة بوقف لإطلاق النار لمدة ستين يوماً، فإنها ستسهم في بلورة ملامح النظام الناشئ في الشرق الأوسط بصورة أوضح، كما ستسرّع الأطراف الخليجية الفاعلة جهودها لحماية مصالحها في المرحلة المقبلة، وضمان أن يكون أي اتفاق مع إيران مستداماً بالنسبة لها.
الارتياح: تفادي الكارثة
رصد الكاتبان منطقة تعيش صدمة جراء نزاع دام قرابة ثلاثة أشهر، خلال زيارة قصيرة إلى قطر الأسبوع الماضي. ورغم عدم مقتل أي مواطن قطري في هذه الحرب، فإن الأثر النفسي العميق الذي خلّفه تعرض البلاد لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة لأسابيع كان جلياً.
ومع أن وسائل الإعلام لم تسلط الضوء على ذلك، فقد تداول السكان قصصاً كثيرة تعكس حالة القلق والذعر التي سادت أثناء تعرض الدوحة للقصف، كما أثارت التدابير التي اتخذتها الحكومة القطرية لحماية المدنيين، مثل تطبيق الهاتف المحمول المصمم لتحذير السكان من القصف الوشيك، مزيداً من المخاوف في نفوسهم.
وساعدت الجهود الحكومية للتخفيف من أسوأ تداعيات النزاع في تعزيز الصمود الوطني العام، إلا أن الأسواق لا تزال تشهد ارتفاعاً في الأسعار ونقصاً في بعض السلع.
ولا تقتصر هذه التجربة على قطر وحدها، بل تشاركها فيها دول الخليج العربية الأخرى، لا سيما الدول الأصغر حجماً مثل الكويت والبحرين والإمارات، حيث طالت الضربات الإيرانية شريحة واسعة من السكان.
وتواجه معظم دول الخليج مخاطر اقتصادية وجودية تهدد استقرارها، إثر إغلاق مضيق هرمز واستهداف بنيتها التحتية للطاقة بشكل مباشر، إذ تعرضت منشآت الطاقة في كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي لضربات إيرانية، سواء كانت منشآت تخزين أو نقل أو تكرير أو إنتاج.
وكانت قطر من بين الدول الأكثر تضرراً بصورة دراماتيكية؛ إذ أدت الضربات الإيرانية على “رأس لفان” إلى تدمير ما يقارب 20% من إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال.
وتُعد منشأة “رأس لفان” المركز الرئيسي لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، وهي الأكبر من نوعها في العالم، وتلبي وحدها خُمس الإمدادات العالمية. واضطرت قطر، للمرة الأولى في تاريخها، إلى تجميد إنتاجها، معلنة حالة “القوة القاهرة” بشأن عقودها.
ولو اختارت إدارة ترامب توجيه ضربات للبنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة في إيران، كما هدد الرئيس مراراً، لكانت المرحلة التالية من الصراع كارثية على الخليج.
وقد أدى النزاع بالفعل إلى تقويض إنتاج الطاقة في هذه الدول، الذي يمثل شريان الحياة لاقتصاداتها، فضلاً عن تعطيل خططها الطموحة للتنويع الاقتصادي.
وتستند هذه الخطط إلى رؤية لبناء اقتصادات خليجية حيوية، لا تدعمها ثروات المنطقة الهائلة من الطاقة فحسب، بل يعززها أيضاً دور متنامٍ لقطاعي السياحة والتكنولوجيا، لا سيما الذكاء الاصطناعي.
ومع استئناف الصراع، ستتبدد آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر؛ وكما عبّر أحد المحاورين بأسى: “لن يستثمر أحد بكامل قواه العقلية في المنطقة إذا عاد الصراع من جديد”.
وانتهجت إيران طوال فترة النزاع أسلوب الرد على التصعيد بالتصعيد، مستهدفة النوع نفسه من المنشآت التي طالتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل أراضيها، وقد هددت طهران بتكرار السيناريو ذاته إذا تجددت المواجهات العسكرية.
وأمام هذه المخاطر الوجودية، مارست القوى الرئيسية في مجلس التعاون الخليجي، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، ضغوطاً على الرئيس ترامب لتفادي جولة أخرى من الصراع مع إيران، وحثّه على ترجيح كفة الدبلوماسية بدلاً من ذلك.
التوجس: التعايش مع إيران
لا شك أن دول الخليج تشعر بالارتياح لعدم تجدد الصراع مع إيران، غير أن هذا الارتياح يشوبه قدر كبير من التوجس؛ فالاتفاق المرتقب يترك في طهران نظاماً متشدداً وأكثر جرأة يدّعي النصر.
وأصبح لزاماً على المنطقة الآن التعامل مع إيران تمتلك القدرة على إغلاق المضيق في أي وقت، بفضل احتفاظها بقدراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة.
ويثير عدم الاستقرار المحيط بمضيق هرمز قلق قطر والبحرين والكويت بشكل خاص، نظراً لاعتمادها الكامل على المضيق في حركتي التصدير والاستيراد، كما تخشى دول الخليج العربية استمرار الروابط التي تجمع إيران بوكلائها وشركائها في الشرق الأوسط، مهما بلغ حجم الضعف الذي أصاب بعضهم.
ويبقى المطلب الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي هو إعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه سابقاً، وهو أمر لا يبدو مرجحاً بموجب البنود المسربة لمذكرة التفاهم.
وكما صرّح مسؤول قطري: “هذا الوضع قد يجعلنا رهائن لدى الإيرانيين”.
ولا ترى دول الخليج أمامها خياراً سوى استئناف مسار التواصل البراغماتي مع إيران، رغم استمرار أزمة الثقة الحادة؛ لذا ستشترط دول مجلس التعاون فتح المضيق بالكامل أمام حركتها الملاحية كخطوة مسبقة قبل الخوض في أي نقاشات بشأن تقديم حوافز اقتصادية لإيران لثنيها عن شن هجمات مستقبلية.
الآفاق المستقبلية
في الوقت الذي تواصل فيه منطقة الخليج استيعاب الحجم الهائل للمتغيرات التي طرأت منذ الثامن والعشرين من فبراير والحرب مع إيران، فإنها ستكثف جهودها للتأقلم مع هذا “الواقع الجديد”.
ولن يكون رد فعل دول مجلس التعاون موحداً، بل ستعمل كل دولة على صياغة استراتيجيتها الخاصة بناءً على أولوياتها ونقاط قوتها وضعفها ورؤيتها للمستقبل. ومع ذلك، ستبرز قواسم مشتركة واضحة بين مختلف الدول الخليجية؛ ففي مواجهة إيران التي لا تزال تشكل تهديداً للمنطقة، وتزايد التساؤلات بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة كضامن أمني، سيركز الخليج على خطوات تعزز القدرات الدفاعية الذاتية، وتدعم التعاون الأمني البيني، وتنوع الشركاء الأمنيين والاقتصاديين، وذلك لاستكمال العلاقات مع واشنطن وإدارة العلاقة مع إيران.
وسيمثل تعزيز الدفاعات المحلية عبر شراكات متنوعة ركيزة أساسية للعديد من دول الخليج، التي يُتوقع أن تبرم اتفاقيات دفاعية جديدة مع دول أوروبية وشرق آسيوية.
وفي هذا السياق، وقعت دولة الإمارات الأسبوع الماضي اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا، فيما وقعت قطر مذكرة تفاهم مع كندا لزيادة التعاون في مجالي الأمن والدفاع.
وتوقع أحد المحللين الخليجيين أن تتحول استثمارات دول الخليج من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي نحو المجمع الصناعي العسكري.
كما أبدى مسؤول قطري اهتماماً بالاستفادة من تجارب دول صغيرة أخرى نجحت في الدفاع عن نفسها، مثل سنغافورة وإسرائيل.
ورغم الخلافات التي تناولتها وسائل الإعلام بين بعض دول مجلس التعاون، لا سيما بين السعودية والإمارات، فإن مستويات التنسيق الخليجي البيني في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن والتعاون العسكري استمرت، بل وتعززت، وفقاً لمسؤولين خليجيين.
ولا شك أن هذا التعاون سيزداد عمقاً خلال الأشهر والسنوات المقبلة، وسيشمل تبني مزيد من التدابير الأمنية البحرية، بما في ذلك قدرات إزالة الألغام لتأمين حرية الملاحة، فضلاً عن تعزيز الدفاعات المضادة للطائرات المسيّرة، وغالباً عبر الاستثمار في تقنيات أوكرانية مخصصة لهذا الغرض.
ويُرجح أن تؤدي قطر دوراً قيادياً في تقريب وجهات النظر وتجاوز الخلافات الخليجية، ساعية إلى مد جسور التواصل بين سلطنة عُمان من جهة، ودولة الإمارات من جهة أخرى.
كما ستسعى دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة؛ فإلى جانب سعيها لرفع مستوى شراكاتها القانونية، بل وهدفها إلى إبرام معاهدة مع واشنطن، ستحاول أيضاً جعل آليات الدفاع المشترك القائمة أكثر متانة.
وأخيراً، وكجزء من هذا “الوضع الطبيعي الجديد”، سيحتاج الخليج إلى إدارة العلاقة مع إيران؛ فقد انهارت الثقة تماماً، ومع ذلك، وكما قال جميع المحاورين تقريباً في قطر للكاتبين: “إيران باقية”.
وبالنسبة لقطر وغيرها من دول الخليج، يُرجّح أن يكون بناء علاقات تكامل اقتصادي بين إيران ودول الخليج أفضل وسيلة للردع. ومن هذا المنطلق، قد يكون دمج إيران في نموذج اقتصادي قائم على الاستقرار الإقليمي أفضل أمل لردع سلوكها التخريبي مستقبلاً.
وليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها مبدأ التكامل الاقتصادي كحل للصراعات؛ إذ أشار وزير الخارجية الأمريكي كورديل هال، عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة، إلى أنه “إذا لم تعبر البضائع الحدود، ستعبرها الجيوش”، وهو ما شكّل أحد الدوافع الرئيسية وراء خطة مارشال.
وخلال رحلة الكاتبين، سلط محللون قطريون الضوء على مفهوم “الجسر الذهبي” لإيران، وهو مفهوم ربما يكون أكثر ملاءمة بالنظر إلى أن النظام الإسلامي لا يزال قائماً.
ويقوم هذا المبدأ، المستوحى من الاستراتيجي العسكري الصيني سون تزو، مؤلف كتاب “فن الحرب”، على منح الخصوم مخرجاً سلمياً من الصراع يقوم على حل يحقق منفعة متبادلة. وقد كشفت ثلاثة أشهر تقريباً من الحرب عن محدودية فعالية الردع العسكري التقليدي مع إيران، فيما تدرك دول الخليج أنها باتت بحاجة إلى تبني استراتيجية جديدة.