انخرطت الولايات المتحدة في حربٍ جديدة أخرى في الشرق الأوسط عبر عملية “الغضب العارم”، التي بدأت بالضربات الجوية على إيران في 28 فبراير/شباط من هذا العام. وبعد التجارب غير المريحة في العراق وأفغانستان، سعت الولايات المتحدة إلى فكّ ارتباطها بالشرق الأوسط، وركّزت بشكلٍ كبير على استراتيجيتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPS). غير أن هذه الحرب مع إيران تعيد ربط الولايات المتحدة بالشرق الأوسط مجددًا، وتُشكّل تحديًا مباشرًا أمام التنفيذ الفعّال لاستراتيجيتها في تلك المنطقة.
وتُعدّ استراتيجية الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ خطة طويلة الأمد تهدف إلى الحفاظ على نفوذها في هذه المنطقة وضمان تحقيق “منطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ”. وفي عام 2022، أصدرت إدارة بايدن تصورًا تفصيليًا لهذه الاستراتيجية، التي لا تزال تمثّل محورًا رئيسيًا في توجهات الأمن القومي والدفاع الأمريكي خلال عامي 2025 و2026. كما تضع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 هذه المنطقة باعتبارها ساحة حاسمة لتعريف الأمن القومي.
وعقب انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي. وعادةً ما تسعى الدول التي تبلغ مرتبة القوة العظمى إلى الحفاظ على هيمنتها، وهو ما تعمل الولايات المتحدة على تحقيقه، حيث تُعدّ استراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ جزءًا من هذا المسعى. وبعد تجربة صعبة في الشرق الأوسط، حوّلت الولايات المتحدة تركيزها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، استنادًا إلى حسابات استراتيجية متعددة؛ إذ تضم هذه المنطقة نحو نصف سكان العالم، وتستحوذ على ما يقارب ثلثي الاقتصاد العالمي، كما تشكّل محورًا رئيسيًا للصناعات العالمية، بما في ذلك التصنيع، والتكنولوجيا، والتمويل، والطاقة، والزراعة، وصيد الأسماك، والسياحة.
وبحلول عام 2040، أي خلال أقل من عقدين، يُتوقع أن تسهم هذه المنطقة بأكثر من نصف الاقتصاد العالمي. كما يُرتقب أنه بحلول عام 2030، ستضم ما يقارب ثلثي الطبقة الوسطى عالميًا، بعد أن نجحت في انتشال ملايين البشر من الفقر بفضل النمو الاقتصادي. وعليه، فإن التنفيذ الناجح لاستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ يُعدّ ضرورة ملحّة للولايات المتحدة من أجل الحفاظ على هيمنتها العالمية.
غير أنّ إعادة انخراط الولايات المتحدة في حربٍ بالشرق الأوسط تفرض تحديًا مباشرًا على مستقبل استراتيجيتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPS). فبسبب هذه الحرب، تجد واشنطن نفسها مضطرة مرة أخرى إلى تركيز اهتمامها بشكلٍ شبه كامل على الشرق الأوسط. وهذا يعني أنه رغم بقاء هذه الاستراتيجية أولوية على المستوى النظري، فإن الواقع يُظهر أن الولايات المتحدة منخرطة فعليًا في مواجهة عسكرية مع إيران.
وقد استُنزف جزء كبير من الموارد العسكرية الأمريكية في هذه الحرب، كما تعرّضت عدة قواعد جوية أمريكية في الشرق الأوسط لأضرار جراء الضربات الصاروخية الإيرانية. ونتيجة لذلك، جرى نقل أنظمة دفاعية كانت منتشرة في أوروبا، مثل بطاريات صواريخ باتريوت وثاد (THAAD)، إلى الشرق الأوسط وإعادة نشرها هناك، وقد تضرّر العديد منها بالفعل.
وبحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن القوات الأمريكية استهلكت خلال الأسابيع السبعة الماضية من الحرب ما لا يقل عن 45% من صواريخها الدقيقة، ونحو نصف صواريخ منظومة ثاد المضادة للصواريخ الباليستية، وما يقارب 50% من صواريخ باتريوت للدفاع الجوي. وإذا طال أمد هذه الحرب، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى نقل المزيد من أنظمتها الدفاعية المنتشرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط. وفي حال حدوث ذلك، فسيُشكّل تحديًا مباشرًا لقدرتها على الحفاظ على حضور عسكري فعّال في تلك المنطقة، ما سينعكس سلبًا على تنفيذ استراتيجيتها؛ إذ إن الحفاظ على الهيمنة الإقليمية يتطلب وجودًا عسكريًا استراتيجيًا مؤثرًا.
ومن ناحية أخرى، تسببت الحرب مع إيران في تكبّد العديد من دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ خسائر اقتصادية فادحة. فقد أوقفت إيران، في سياق الحرب، حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تفاقم أزمة طاقة حادة في عدد من دول المنطقة. ويُعدّ المضيق شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة، حيث يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم. كما يشهد نقل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المُسال (LNG) والأسمدة إلى مختلف أنحاء المنطقة.
وأدى إغلاق المضيق لأكثر من شهر إلى ارتفاع أسعار النفط وتعطّل إمدادات الغاز الطبيعي المُسال، مما فاقم أزمة الطاقة في المنطقة بأسرها. ونتيجة لذلك، تعرّضت اقتصادات العديد من دول المحيطين الهندي والهادئ لضغوط شديدة. وكانت هذه الاقتصادات قد واجهت بالفعل تحديات كبيرة بسبب جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، لتأتي هذه الحرب وتضيف بُعدًا جديدًا من التعقيد. وهو ما يؤثر بشكلٍ مباشر على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، الذي يُعدّ ركيزة أساسية لاستراتيجية الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ.
وتمنح هذه الحرب الصين ميزةً استراتيجية واضحة، باعتبارها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إذ يُعدّ أحد الأهداف الأساسية لاستراتيجية واشنطن في هذه المنطقة كبح صعود الصين المتنامي، بوصفها القوة الوحيدة القادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية هناك. غير أنه كلما انشغلت الولايات المتحدة أكثر بالحرب في الشرق الأوسط، ازدادت الفرص المتاحة أمام الصين لتعزيز مواقعها في بحر الصين الجنوبي، وتصعيد الضغط على تايوان.
علاوة على ذلك، تتيح هذه الظروف لبكين توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في مختلف أنحاء المنطقة، بما يعزز موقعها الاستراتيجي ويُفاقم التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في تنفيذ استراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ.
ومن جهة أخرى، يعتمد نجاح هذه الاستراتيجية إلى حدٍ كبير على شراكات الولايات المتحدة مع حلفائها. إلا أن عودة واشنطن إلى الانخراط في حربٍ جديدة في الشرق الأوسط لم تلقَ ترحيبًا واسعًا لدى العديد من هؤلاء الحلفاء، إذ أثارت تساؤلات جوهرية لديهم حول أولويات الولايات المتحدة: هل لا يزال الشرق الأوسط يحتل الأهمية الأكبر، أم أن التركيز الحقيقي ينبغي أن يكون على منطقة المحيطين الهندي والهادئ؟
إضافة إلى ذلك، لم تجلب هذه الحرب مكاسب تُذكر لحلفاء الولايات المتحدة، بل تسببت لهم بمزيد من الأعباء والمعاناة. ونتيجة لذلك، لم تحظَ واشنطن بمستوى الدعم الذي كانت تتوقعه من حلفائها، كما حدث في الحروب السابقة في الشرق الأوسط. وإذا استمر هذا الوضع، فقد يؤثر سلبًا على العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وحلفائها، مما قد يُشكّل نقطة ضعف جوهرية في استراتيجيتها الخاصة بالمحيطين الهندي والهادئ.
وبعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وفي الثامن من أبريل/نيسان، اتفق الطرفان على هدنة لمدة أسبوعين، كما وافقا على الدخول في محادثاتٍ برعاية باكستان. غير أن هذه المحادثات باءت بالفشل، نتيجة عجز الجانبين عن التوصل إلى اتفاقٍ دائم لوقف إطلاق النار. وفي أعقاب ذلك، جرى إطلاق جولة ثانية من المفاوضات، لكنها لم تُعقد حتى الآن، ما يدفع حالة الجمود القائمة نحو مستقبل يكتنفه قدر كبير من الغموض.
وبصورة عامة، تُشكّل الحرب مع إيران تحديًا بالغ الخطورة أمام فرص نجاح الولايات المتحدة مستقبلًا في تنفيذ استراتيجيتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إذ تؤدي هذه الحرب إلى تشتيت تركيزها الاستراتيجي، واستنزاف مواردها العسكرية، وفرض ضغوط اقتصادية على دول المنطقة، فضلًا عن إتاحة فرص استراتيجية للصين، وتقويض ثقة الحلفاء.
والأهم من ذلك، أن عودة الولايات المتحدة إلى خوض حرب في الشرق الأوسط تكشف بوضوح عن فجوة بين أولوياتها الاستراتيجية المعلنة وسلوكها الفعلي على أرض الواقع. وفي ظل هذه المعطيات، إذا لم تتمكن واشنطن من الخروج من هذه الحرب في أقرب وقت ممكن، فإنه يمكن القول إن هذه الحرب قد تُقوّض بالفعل فرص نجاح استراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ.