تحليل: واشنطن وطهران.. سيناريوهات "حرب غير معلنة" في صراع متعدد الساحات
يمن فيوتشر - مونت كارلو الدولية الثلاثاء, 27 يناير, 2026 - 05:00 صباحاً
تحليل: واشنطن وطهران.. سيناريوهات

[ جندي إيراني قرب منصة إطلاق صواريخ - AFP ]

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا يقتصر على احتمال الحرب العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى مسارات متعددة تشمل القوة العسكرية المحدودة، العقوبات الاقتصادية، الحرب السيبرانية، واستراتيجية الضغط طويل الأمد، المعروفة أحيانًا بـ"النموذج الفنزويلي". هذا التعقيد يعكس إدراك الطرفين أن تكلفة الحرب الشاملة تفوق المكاسب المحتملة، مع الاستمرار في الاحتفاظ بأدوات التصعيد والاستعداد للمواجهة المباشرة إذا لزم الأمر.
على الرغم من أن المواجهة المباشرة تبقى غير مرجحة، إلا أن تجاوز إيران للخطوط الحمراء الأمريكية، مثل تطوير أسلحة نووية أو استهداف أمريكيين، قد يجعل الحرب خيارًا قائمًا. السيناريو المتوقع يشمل حملة جوية وصاروخية محدودة، مع التركيز على المنشآت العسكرية والصاروخية والنووية الإيرانية، دون انزلاق إلى اجتياح بري شامل. الهدف سيكون تقليص قدرة القيادة الإيرانية وتعزيز الضغط الداخلي دون إشعال حرب واسعة.

 

دور إسرائيل والخليج

تلعب إسرائيل دورًا في تسريع الخيارات الأمريكية، نظرًا لاعتبار إيران تهديدًا وجوديًا. أما دول الخليج، فموقعها الاستراتيجي يجعلها ساحة محتملة لأي رد إيراني، بسبب وجود قواعد أمريكية ومنشآت نفطية حساسة، مما يدفعها إلى سياسات تهدئة وحوار حذر مع طهران.

 

الحشود العسكرية الأمريكية: أداة ردع مرنة

تعتمد واشنطن على انتشار واسع في الشرق الأوسط يشمل حاملات الطائرات والسفن والمدمرات وقواعد عسكرية في الخليج، الأردن، العراق وسوريا، مدعومة بأنظمة دفاع جوي وقوات خاصة متقدمة. هذا الانتشار يوفر قدرة على توجيه ضربات دقيقة وإدارة التصعيد، لكنه يجعل القواعد أهدافًا محتملة لأي رد إيراني، ويزيد من حساسية المنطقة لأي خطأ في الحسابات.

 

العقوبات الاقتصادية: استنزاف طويل الأمد

تشدد واشنطن العقوبات الاقتصادية بهدف تقييد قدرة إيران على الحركة الإقليمية، وليس إسقاط النظام مباشرة. في المقابل، طورت إيران شبكات تجارية ومالية للتكيف، مع تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الصين وروسيا، واعتماد سياسات داخلية على مبدأ الصمود أكثر من النمو. هذا السيناريو يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد للموارد الإيرانية، مع تأثير محدود على التغيير السياسي المباشر، إلا إذا تصاعدت الاحتجاجات الداخلية إلى أعمال عنف.

 

الحرب السيبرانية: المعركة الخفية

تعتبر الحرب السيبرانية الساحة الأكثر نشاطًا والأقل ظهورًا، حيث تتيح للطرفين إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والعسكرية دون إعلان حرب. الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا نوعيًا يمكنهما من استهداف شبكات الطاقة والاتصالات الإيرانية، بينما تعتمد إيران على هجمات غير متماثلة تستهدف مؤسسات مالية وبنية مدنية، وتحقيق الإزعاج والاستنزاف مع الحفاظ على الإنكار. هذه المواجهة الرقمية مرشحة للتوسع في حال تأجيل الخيار العسكري.

 

النموذج الفنزويلي: ضغط طويل الأمد

تستخدم الإدارة الأمريكية أحيانًا "النموذج الفنزويلي" للضغط على إيران، أي إبقاء النظام تحت ضغط اقتصادي وسياسي طويل الأمد دون الوصول إلى تسوية شاملة. إلا أن التجربة الفنزويلية تظهر محدودية هذا الخيار، إذ يؤدي العزلة والضغط المستمر إلى إضعاف الدولة والمجتمع، دون تحقيق تغيير جذري في سلوك السلطة، بل أحيانًا إلى مزيد من التشدد.

 

صراع متعدد الساحات وحرب غير علنية

المواجهة بين واشنطن وطهران اليوم ليست حربا واحدة، بل مجموعة حروب متداخلة، عسكرية محتملة واقتصادية مستمرة وسيبرانية قائمة وسياسية طويلة النفس. إسرائيل تضغط لتسريع الحسم، الخليج يسعى لتفادي النار، والولايات المتحدة تدير الصراع عبر أدوات متعددة بدل الانخراط في حرب مفتوحة.

الحشود العسكرية الأمريكية، حاملات الطائرات والانتشار في القواعد، هي أداة ردع مرنة، لكنها تعكس أيضا هشاشة التوازن، إذ يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يحول الصراع من إدارة محسوبة إلى مواجهة مفتوحة. لذا، يعتبر مراقبون أن الوضع القائم الآن هو "حرب بلا إعلان" مفتوحة على كل الاحتمالات، في منطقة لا تحتمل أخطاء استراتيجية.


التعليقات