تحليل: بين الانقسامات الداخلية وضغوط الحرب.. هل تصمد الحكومة اليمنية الجديدة؟
يمن فيوتشر - مجموعة الأزمات الدولية- احمد ناجي- ترجمة خاصةً الاربعاء, 18 مارس, 2026 - 08:52 صباحاً
تحليل: بين الانقسامات الداخلية وضغوط الحرب.. هل تصمد الحكومة اليمنية الجديدة؟

مع دخول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الثالث، تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تحدياتٍ جسيمة على المستويين الداخلي والخارجي. ويتعيّن على الحكومة الجديدة السعي إلى فرض سيطرتها على المشهد السياسي اليمني المنقسم، في ظل تصاعد المخاوف من انخراط جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران —والتي تسيطر على العاصمة صنعاء ومعظم شمال اليمن— في الصراع الإقليمي الآخذ في الاتساع.

وقد تشكّلت هذه الحكومة الجديدة عقب شهرين مضطربين بدءًا من أواخر عام 2025، حيث دخلت قوى يمنية متنافسة، موالية على التوالي لكلٍّ من السعودية والإمارات العربية المتحدة —وكانتا شريكتين سابقًا في مواجهة الحوثيين— في مواجهاتٍ عسكرية مباشرة، ما أدى إلى تفكك الائتلاف الحكومي الذي حكم منذ عام 2022. وتمثلت الأطراف الرئيسية في هذه المواجهات في قوات الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من الرياض، في مقابل المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان انفصالي يحظى بدعم أبوظبي.

وفي مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، أقدم المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم مشاركته في مجلس القيادة الرئاسي المشرف على الحكومة، على التحرك للسيطرة على مساحات واسعة من محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن. وبعد شهر من ذلك، وفي أعقاب فشل المفاوضات، ساعدت السعودية في تنظيم حملة عسكرية لقوات متحالفة مع مجلس القيادة الرئاسي، أسفرت عن طرد المجلس الانتقالي الجنوبي ليس فقط من المناطق التي سيطر عليها حديثًا، بل أيضًا من معظم مواقعه في جنوب اليمن. وقد عجّلت الغارات الجوية السعودية على مواقع المجلس في حضرموت بهزيمة القوات الجنوبية.

وأفضت هذه التطورات إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي، حيث حُلَّت الحكومة، واستُبدل عضوان من مجلس القيادة الرئاسي، من بينهما رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي (عيدروس الزبيدي) ونائبه، كما شُكّلت حكومة جديدة برئاسة رئيس الوزراء (شائع الزنداني)، وذلك تحت إشراف ودعم من الرياض.

وجرت هذه التطورات على خلفية أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي مزّقت البلاد، حيث انقسم اليمن بين جماعة الحوثيين من جهة، وقوات مرتبطة بالحكومة تسيطر على الجنوب والشرق، إضافة إلى أجزاء من الغرب، من جهة أخرى. ومنذ عام 2017، شهد المعسكر المناهض للحوثيين انقساماتٍ داخلية، إذ دعا المجلس الانتقالي الجنوبي إلى انفصال الجنوب، مع استمراره رسميًا في المشاركة ضمن الإطار الوطني للحكم الذي ترعاه وتدعمه قيادة التحالف بقيادة السعودية، والذي تدخل أساسًا لاحتواء الحوثيين ودحرهم. وقد أُنشئ مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022 بهدف توحيد الفصائل المناهضة للحوثيين تحت سلطة تنفيذية واحدة، إلا أن التوترات بين قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ورئاسة مجلس القيادة ظلت قائمة، ما أضعف فاعلية الحكم وأعاق تحقيق إدارة منسجمة.

وفي الوقت ذاته، وعلى الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة تُعد جزءًا من التحالف الذي تقوده السعودية، فإن أجندتها بدأت تتباعد عن أجندة الرياض، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الجنوبية، وهو ما أسهم في تأجيج الخلافات سواء بين الشريكين الخليجيين أو بين خصوم الحوثيين داخل اليمن.

وقد عمّقت المواجهة في حضرموت هذه الانقسامات؛ إذ تحركت السعودية لتعزيز سيطرتها على جبهة مناهضي الحوثيين، عبر دعم القوات التي نجحت في تقويض مكاسب المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادة بسط سلطة الدولة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين. وفي المقابل، ردّت الإمارات بسحب أصولها العسكرية من جنوب اليمن. وبالتوازي مع ذلك، اتسعت الانقسامات داخل المجلس الانتقالي نفسه، حيث صوّت عدد من قادته على حلّ المجلس أثناء وجودهم في الرياض بانتظار حوار جنوبي-جنوبي برعاية سعودية، في حين عارض آخرون —من بينهم عيدروس الزبيدي— هذا القرار.

وعليه، فإن تشكيل الحكومة الجديدة يمثّل محاولة لإعادة توحيد المعسكر المناهض للحوثيين، وفي الوقت ذاته إعادة ضبط توازن النفوذ بين الرياض وأبوظبي داخل اليمن. وعقب تشكيلها، أدّى أعضاء الحكومة اليمين الدستورية في السفارة اليمنية بالرياض، وبقوا في العاصمة السعودية لعدة أيام، نظرًا لعدم استقرار الوضع الأمني في العاصمة المؤقتة عدن بما لا يسمح بعودتهم الفورية. وتزامن هذا التأخير مع اندلاع احتجاجات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي رفضًا لتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي خضم ذلك، تتجه الأنظار إلى جماعة الحوثيين، وسط ترقب دولي لاحتمال انخراطهم في حرب الشرق الأوسط إلى جانب إيران، من خلال استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، بما قد يؤدي إلى تعطيل المسار البديل الرئيسي لسفن الشحن، في وقتٍ تعمل فيه طهران على عرقلة المرور عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، تمثل هذه المرحلة أيضًا اختبارًا حاسمًا لحكومة عدن، التي يتعين عليها ترسيخ موقعها في ظل هذا المناخ الداخلي والجيوسياسي بالغ الخطورة.

 

كيف تم تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، وهل يمكنها الصمود؟

تُعدّ الحكومة الجديدة، التي شُكّلت في أوائل فبراير/شباط برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، الأكبر منذ عام 2015، إذ تضم 35 وزيرًا، من بينهم عدد من وزراء الدولة من دون حقائب. وهي تمثّل امتدادًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا برئاسة (عبدربه منصور هادي)، التي غادرت صنعاء عقب سيطرة الحوثيين عليها عام 2014، وكذلك للكيانات التي خلفتها، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي.

ويقدّم المسؤولون تركيبة هذه الحكومة على أنها تتجاوز نظام المحاصصة الصارم الذي طبع الحكومات السابقة، إلا أنها لا تزال تعكس سعيًا لتحقيق توازنات سياسية واجتماعية وجغرافية. وقد تم تعيين ثلاث نساء في مناصب وزارية، في سابقة تُسجّل لأول مرة منذ سنوات.

وتبرز التشكيلة الحكومية استمرار استخدام المناصب الوزارية كأدوات للاستيعاب السياسي، غير أن بعض المناطق —ومن بينها أربع محافظات شمالية— لا تزال ممثّلة بشكلٍ ضعيف.

أما داخل مجلس القيادة الرئاسي، فقد شهد ميزان القوى تحولًا ملحوظًا عقب أحداث حضرموت. إذ خرج المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بدا في البداية معزّزًا بتحركاته الميدانية، أضعف بكثير على الصعيدين العسكري والسياسي. كما أسهم انسحاب القوات الإماراتية في تقليص نفوذه، إلى جانب اتساع الانقسامات داخل قيادته. ونتيجة للتدخل السعودي، باتت الرياض تمارس نفوذًا أكبر على توجهات المجلس السياسية، وهو ما تعكسه ملامح الحكومة الجديدة وإعادة ترتيب موازين القوى في الساحة اليمنية.

ويبقى مدى قدرة هذه الحكومة على التماسك مرهونًا، قبل كل شيء، بمدى نجاحها في التوحد خلف أجندة واحدة. فقد عانت الحكومات السابقة من إشكالية تمثّلت في أن الوزراء كانوا، في كثيرٍ من الأحيان، يدينون بالولاء لكتلهم السياسية أكثر من التزامهم ببرنامج حكومي مشترك، ما فاقم حالة التشرذم، خاصة في ظل الخلافات بين دعاة انفصال الجنوب وقيادة الحكومة.

ولتفادي تكرار هذا النمط، يتعين على القيادة الجديدة تحويل تركيبتها التوافقية إلى عملية صنع قرار متماسكة، والحدّ من توظيف الوزارات كأدواتٍ للمحسوبية، وتحقيق مكاسب مبكرة وملموسة في مجالي الخدمات العامة والإدارة الاقتصادية. ومن دون اتخاذ هذه الخطوات، قد تعود الانقسامات البنيوية ذاتها سريعًا، التي أضعفت الحكومات السابقة.

 

 

ما التحديات التي ستواجهها القيادة اليمنية الجديدة؟ 
تواجه القيادة اليمنية الجديدة نافذة زمنية ضيقة لتجاوز الانقسامات المؤسسية والبدء في معالجة أزمة الخدمات العامة، غير أنها تنطلق من رصيد محدود من المصداقية، كما تبدو أقل صلابة في نظر قطاعات من المواطنين. صحيح أن الحملة المدعومة من السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي مكّنت الحكومة من بسط سيطرتها على كامل المناطق غير الخاضعة للحوثيين لأول مرة منذ سنوات، إلا أنها احتاجت إلى دعمٍ خارجي لتحقيق ذلك. وينظر كثير من اليمنيين إلى التعديل الحكومي بوصفه إعادة ترتيب لموازين القوى بين النخب برعاية سعودية، أكثر من كونه خطوة إصلاحية حقيقية. وهذه النظرة —التي ترى أن الحكومة صُنعت خارج اليمن— تهدد بتقويض شرعيتها منذ البداية. ويصعب تبديد هذا الانطباع، خاصة أن معظم وزراء حكومة شائع الزنداني، شأنهم شأن غالبية أعضاء مجلس القيادة الرئاسي من قبل، كانوا يقيمون في الخارج عند الإعلان عن التشكيلة الجديدة.

كما يزيد عدم الاستقرار في بعض مناطق الجنوب من تعقيد المشهد. فبالرغم من هزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا، إلا أنه لا يزال يحتفظ بقواتٍ مسلحة وشبكاتٍ اجتماعية على الأرض، فيما تشير الاحتجاجات التي ينظمها أنصاره إلى أن قضية الانفصال لم تتلاشَ. وفي مناطق مثل عدن والضالع، لا يزال الوضع الأمني هشًا، والأجواء السياسية مشحونة. وقد يؤدي التعامل القمعي مع المعارضة إلى ترسيخ الرواية القائلة إن الحكومة الجديدة تمثل انتصارًا على المكوّنات الجنوبية بدلًا من استيعابها. وسيشكّل احتواء هذه التوترات دون الانزلاق مجددًا إلى مواجهة عسكرية اختبارًا حقيقيًا لمهارات القيادة السياسية.

وتبرز القيود الاقتصادية كتحدٍ أشد وطأة. فمنذ عام 2022، توقفت صادرات النفط نتيجة هجمات الحوثيين على منشآت الموانئ في حضرموت وشبوة، ما أدى إلى تراجع حاد في إيرادات الدولة، وأضعف قدرة الحكومة على دفع الرواتب، والحفاظ على استقرار العملة الوطنية (الريال)، واستعادة الخدمات الأساسية. ومن شأن الحرب الجارية في المنطقة أن تزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية، بما يضاعف الضغوط على الحكومة لتقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية.

وفي نهاية المطاف، ستتوقف مصداقية الحكومة على أدائها الفعلي. فعلى الرغم من عودة معظم الوزراء إلى اليمن، لا يزال كثير من المواطنين يعتقدون أنهم سيقضون معظم أوقاتهم في الخارج، بعيدًا عن معاناة الناس اليومية. وكلما بدا أن القيادة منفصلة عن الواقع الميداني، تعزز الانطباع بأن سلطتها رمزية أكثر منها فعلية.

وفي المقابل، إذا تمكن رئيس الوزراء شائع الزنداني وحكومته من إظهار وحدة في اتخاذ القرار، والحفاظ على التنسيق الأمني بين الفصائل المتنافسة، وتأمين دعم مالي خارجي يُترجم إلى تحسن ملموس في الخدمات، فقد ينجحون في كسب ثقة المشككين. أما إذا عادت الانقسامات الداخلية إلى الظهور، أو تصاعدت الاحتجاجات، أو تدهورت الأوضاع الاقتصادية أكثر، فمن المرجح أن يتعمق التشكيك الشعبي بسرعة.

 

كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع الصراع مع الحوثيين؟

يعتمد الكثير على مسار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. فحتى اندلاع هذه الحرب في 28 فبراير/شباط، كان الصراع بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين في حالة جمود فعلي. ومنذ عام 2022، استقر الطرفان على هدنة غير رسمية متوترة، تتخللها اشتباكات متقطعة.

وخلال الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، عمد الحوثيون، الذين يسيطرون على المرتفعات الشمالية، إلى استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر في بعض الأحيان، وكذلك توجيه ضرباتٍ متفرقة نحو إسرائيل، في إطار ما أعلنوه دعمًا لحركة حماس والفلسطينيين في غزة.

وكانت دوافعهم جزئيًا ذات طابع سياسي، إذ سعوا إلى تقديم أنفسهم في الرأي العام بوصفهم مدافعين عن القضية الفلسطينية، مقابل تصوير خصومهم كأطراف تابعة ليس فقط للسعودية، بل أيضًا للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط. وفي الوقت ذاته، استمرت المحادثات بين الحوثيين والسعودية بشكلٍ غير معلن، ما ساهم في الحفاظ على الهدنة غير الرسمية دون تحقيق اختراق حقيقي. وهكذا، ورغم بقاء احتمال تجدد القتال قائمًا، ظلت الجبهات في معظمها مستقرة، حتى بعد التطورات في حضرموت التي أعادت تشكيل معسكر مناهضي الحوثيين عبر إنهاء التحالف الحكومي مع المجلس الانتقالي الجنوبي ودفع الإمارات إلى الانسحاب.

أما الآن، فقد يتوقف مسار الصراع في اليمن على ما إذا كان الحوثيون سينخرطون في الحرب الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط. وتُثار تكهنات واسعة حول أسباب امتناعهم عن ذلك حتى الآن. وقد يكون من بينها أن داعمهم الرئيسي، إيران، يعتمد نهجًا تدريجيًا في التصعيد، يسعى من خلاله إلى زيادة الضغط الانتقامي بشكلٍ متدرج، مع الاحتفاظ بأوراق قوة احتياطية.

وحتى الآن، استهدفت طهران مواقع في دول الخليج وعلى سواحلها، ما أدى فعليًا إلى إغلاق مضيق هرمز أمام معظم حركة ناقلات النفط والتجارة، لكنها لم تدفع بعد بحلفائها الحوثيين إلى الانخراط المباشر في القتال.

غير أنه في حال تصاعد الضغوط، قد تشجع إيران الحوثيين على استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر أو ضرب أهداف داخل دول الخليج. وسيكون الهدف من ذلك تعطيل الممرات البحرية والبرية والجوية وخطوط الأنابيب التي تُستخدم لتجاوز اختناق مضيق هرمز، فضلًا عن زيادة كلفة المواجهة على شركاء الولايات المتحدة الأمنيين.

ومن شأن أي هجوم على خطوط الملاحة أن يفرض كلفة باهظة على الاقتصاد اليمني المنهك أصلًا، وقد يؤدي أيضًا إلى إشعال الحرب الأهلية مجددًا، إذا ما أصبحت موانئ البحر الأحمر وخليج عدن غير قابلة للاستخدام، وقررت الحكومة حينها اللجوء إلى القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها. كما قد يبادر الحوثيون إلى تنفيذ ضرباتٍ استباقية ضد قوات الحكومة في محيط باب المندب، بهدف منع أي تنسيق محتمل بين هذه القوات والولايات المتحدة.

ومع ذلك، من غير المرجّح أن تسعى الحكومة إلى خوض مواجهة عسكرية واسعة النطاق مع الحوثيين إذا أمكنها تجنّب ذلك. فقد أدّت اضطرابات صادرات النفط منذ عام 2022 إلى إضعاف القاعدة المالية للحكومة. وبالنظر إلى وضعها النسبي الهش، قد تتمثل أولويتها المباشرة في ترسيخ سلطتها داخل مجلس القيادة الرئاسي وتثبيت الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بدلًا من محاولة استعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون.

وفي حال عدم تعرّضها لهجوم من قبل الحوثيين، يُرجّح أيضًا أن تميل الرياض إلى خفض التصعيد مع الجماعة، وتفضيل مسار سياسي مُدار، بدلًا من الانخراط مجددًا في مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج في اليمن. وبناءً على هذه المعطيات، من المتوقع أن تركّز القيادة اليمنية الجديدة على تعزيز التنسيق الأمني، والمواءمة الوثيقة مع الجهود الدبلوماسية السعودية —التي ستظل على الأرجح مجمّدة إلى حين اتضاح مسار الأزمة مع إيران— بدل اختبار ميزان القوى عسكريًا على الأرض.

ومع ذلك، وحتى إن لم تسعَ الحكومة إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين، فمن المرجّح أن تمارس ضغوطًا عليهم بوسائل أخرى قد تؤدي، إن لم تُدار بحذر، إلى عودة التوترات. فعلى سبيل المثال، تعمل الحكومة على التماهي مع العقوبات الأمريكية المفروضة على الحوثيين، عبر تشديد رقابة البنك المركزي على المعاملات المالية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري مع شركاء غربيين وإقليميين.

ومن المتوقع كذلك أن تواصل السعي لتقديم نفسها بوصفها السلطة الوطنية الوحيدة القابلة للاستمرار في أي تسوية سياسية مستقبلية، غير أن نجاحها في ذلك سيظل مرهونًا بقدرتها على إثبات فاعليتها في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وقد يوفّر هذا المزيج من الضغوط الاقتصادية والبحرية والسياسية أوراق قوة في التفاوض مع الحوثيين، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تصعيد التوتر. ومع تفاقم الضغوط الاقتصادية على الجماعة، يُحتمل أن تصبح أكثر حساسية لهذه الإجراءات، ما قد يدفعها إلى إنهاء حالة التهدئة القائمة فعليًا والانتقال إلى نهج أكثر هجومية.

 

• كيف يمكن للجهات الخارجية المساعدة في توجيه الأطراف نحو السلام؟

لا تزال الأطراف الخارجية تمتلك نفوذًا مؤثرًا على مسار الأحداث في اليمن، ويتعيّن عليها توظيف هذا النفوذ لتحقيق الاستقرار بدلًا من تعميق الانقسامات في المشهد السياسي. وتُعدّ المملكة العربية السعودية، بوصفها الداعم الرئيسي للحكومة، في موقع يتيح لها الحد من نشوب صراعات يمنية داخلية جديدة. كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة، رغم سحب قواتها العسكرية، لا تزال تحتفظ بنفوذ لدى الفصائل الجنوبية، ويمكنها الإسهام في منع مزيد من الاستقطاب داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

ورغم أن الأولويات الآنية لكلٍّ من الرياض وأبوظبي ترتبط بالدفاع عن مصالحهما في سياق الحرب الإقليمية، فإن لديهما، على المدى الطويل، مصلحة مشتركة قوية في احتواء النزاع الداخلي في اليمن، بما يمنع انتقال مزيد من عدم الاستقرار إلى شبه الجزيرة العربية. ويكمن جزء من الحل في دعم الحكومة المعترف بها دوليًا، بما يعزز صورتها كسلطة فاعلة وشرعية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ومن شأن مساندة الحكومة الجديدة في جهودها لتحسين الحوكمة وتقديم الخدمات العامة الأساسية أن تسهم في إعادة تماسك البلاد، عبر تخفيف المظالم المحلية، ومنح المواطنين قدرًا من الثقة بأن السلطات تسير في الاتجاه الصحيح. وفي الوقت ذاته، ومع انتهاء الحرب في الشرق الأوسط واستعادة السعودية هامش الحركة، سيكون من الضروري استئناف المسار الدبلوماسي للتوصل إلى إنهاء حقيقي للحرب الأهلية.

وقد يتمثل أحد المسارات الممكنة في إحياء محادثات “خريطة الطريق” بين الحوثيين والسعودية، التي انطلقت في عام 2023، والتي يُفترض أن تتدرج عبر ثلاث مراحل تشمل معالجة الجوانب الإنسانية، وترتيبات وقف إطلاق النار والقضايا العسكرية، ثم الانتقال إلى حوار سياسي يمني-يمني شامل. ويُرجّح أن يوفّر هذا النهج المتكامل أفضل فرصة لترسيخ حالة التهدئة القائمة فعليًا، وإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار.

 

للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: 

https://www.crisisgroup.org/qna/middle-east-north-africa/yemen/amid-war-yemens-new-government-faces-challenges-home-and-abroad


التعليقات