في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أُعلن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تأسيس "التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية" اليمنية الذي يضم 23 حزبا ومكونا سياسيا، أبرزها حزب التجمع اليمني الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي والتنظيم الوحدوي الناصري واتحاد الرشاد اليمني، ويرأس التكتل السياسي رئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر وهو رئيس مجلس وزراء أسبق.
تأسيس هذا التكتل السياسي في اليمن أثار التساؤلات عن جدوى التكتلات السياسية والحزبية في ظل التراجع الملحوظ لأداء وفعالية العمل الحزبي بقيادات عليا توجد خارج الوطن، وأخرى ميدانية موزعة على مواطن النزوح القسري داخليا وخارجيا.
ويرى محللون وخبراء في الشأن السياسي أن حالة الحرب والتشرذم التي شملت العديد من القطاعات الحيوية في اليمن، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، أثرت بشكل مباشر في قدرة الأحزاب على التأثير، فضلا عن صنع تحولات وطنية حقيقية.
•تجربة التحالف الوطني
ورغم خروجهم من اليمن نازحين بسبب حملات الملاحقة جراء تصاعد الأحداث في 2015 منذ سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، حمل الساسة اليمنيون انقساماتهم وخلافاتهم معهم، مما جعلهم في رأي البعض عبئا على مؤسسة الرئاسة التي كانت ولا تزال بحاجة للدعم الشعبي والسياسي.
ومع ذلك كان دعم الشرعية وهدف استعادة الدولة وحماية المشروع الجمهوري ناظما مشتركا للعمل الحزبي، وتحت هذا العنوان تكررت المحاولات والتجارب لتوحيد اللافتات السياسية، وكثيرا ما صدرت بيانات مشتركة لدعم موقف الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
لعل أبرزها تشكيل ما سُمي "التحالف الوطني للقوى السياسية" الذي أُعلن تأسيسه بالتزامن مع لقاء للبرلمان في مدينة سيئون بحضرموت في أبريل/نيسان 2019، وترأس التحالف رشاد العليمي قبل أن يتولى لاحقا رئاسة مجلس القيادة الرئاسي.
ورغم تعرض ذلك التحالف الوطني حينها لما يسميه البعض حملات إضعاف سياسية وإعلامية من بعض الأطراف فإنه مثّل تجربة إيجابية أعادت بعض الأمل للتحالفات السياسية الوطنية، وحركت بعض الحيوية لأحزاب كادت ظروف الحرب تحرق شعبيتها وفعاليتها وتأثيرها.
•أهمية الأحزاب
كان للأحزاب اليمنية تجربة نوعية ورائدة في المعارضة السياسية وذلك بتشكيل ما كان يسمى "اللقاء المشترك" الذي أدى دورا فاعلا ومؤثرا في معادلة الفعل السياسي في اليمن خلال حكم نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
ومثّلت تجربة اللقاء المشترك -وفق مراقبين- نموذجا إيجابيا انصهرت فيه كل الفوارق الفكرية والأيديولوجية بين أحزاب المعارضة اليمنية لتوحيد جهودها باتجاه معارضة نظام صالح ثم منافسته في انتخابات 2006.
وقد توالت الأحداث والمتغيرات ومعها التحديات بعد انقلاب سبتمبر/أيلول 2014، فتغيرت أدوار الأحزاب وأهميتها بل تأثيرها، ورغم ذلك قاومت الأحزاب اليمنية لتحافظ على أهميتها السياسية والوطنية.
وحول ذلك يقول السياسي والأكاديمي الدكتور عادل الشجاع للجزيرة نت: "منذ قيام التعددية السياسية مطلع التسعينيات، شكلت الأحزاب السياسية في اليمن أحد أهم أدوات التعبير السياسي وتنظيم المشاركة الشعبية".
ويؤيد ذلك علي عزي عضو التكتل الوطني للأحزاب السياسية بقوله: "رغم ما تعرضت له الأحزاب من إنهاك وتراجع في الأدوار خلال سنوات الحرب والانقسام، فإنها لا تزال فاعلة وحاضرة في الوعي العام، وتمتلك جماهير واسعة، وقواعد اجتماعية حقيقية، بل قدرة قائمة (كامنة أو مباشرة) على تحريك الشارع والتأثير في اتجاهاته متى ما توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة".
ويضيف: "لا يمكن تجاهل أن الأحزاب اليمنية تمتلك رأسمالا رمزيا وتاريخيا تشكّل عبر عقود من العمل السياسي والنضالي، وهو ما يجعل خطابها قادرا على النفاذ إلى وجدان قطاعات واسعة من المجتمع، وقد أثبتت محطات عديدة أن الجماهير الحزبية، عندما تشعر بوضوح الهدف وجدية الموقف، تعود إلى الميدان، وتتحرك، وتفرض حضورها، حتى في أكثر البيئات السياسية تعقيدا".
•عوامل الضعف والتراجع
ورغم الحديث عن فعاليتها السياسية -وإن نسبيا- هناك من يرى أن الأحزاب اليمنية فقدت وهجها وتأثيرها المعتاد لأسباب ومتغيرات عديدة أهمها ظروف الحرب والانقسام القائم.
وهو ما يؤكده الكاتب اليمني عادل الشجاع، وهو قيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، بقوله: "لم تعد الأحزاب السياسية اليمنية تمتلك التأثير الفاعل والمنظم الذي كانت تتمتع به في مراحل سابقة، فقد تآكل حضورها الجماهيري، وتراجع دورها في توجيه الرأي العام وصناعة القرار، لصالح قوى الأمر الواقع، سواء كانت عسكرية أو قبلية أو مناطقية".
ويوضح الشجاع ذلك بأن "التأثير الحزبي بات محدودا من حيث الامتداد الشعبي، ومشروطا بالتحالفات السياسية والتمويل الخارجي، وأكثر ارتباطا بأشخاص وقيادات بعينها بدلا من البرامج والرؤى السياسية"، مشيرا إلى أن الخطاب الحزبي "لم يعد قادرا على ملامسة أولويات المواطن اليومية، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية".
وبالنسبة لأسباب ضعف أو سقوط ثقة الشارع في الأحزاب، يرى القيادي في حزب العدالة والبناء أمين المشولي أن الواقع كشف عدم وجود "رؤية وطنية حقيقية تلبي تطلعات الجماهير" لدى أحزاب كانت تعتبر كبيرة وفاعلة.
وحول ذلك يرى القيادي في حزب التضامن علي العزي أن أسباب التراجع والفاعلية تعود إلى عوامل مركبة أبرزها -حسب قوله- "غياب الدولة الجامعة، وتفكك المجال العام، وتوقف المسار الانتخابي، وتحول السياسة إلى صراع نفوذ مسلح، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والمعيشية".
•فجوة بين القيادات والقواعد
وفي ظل حالة التباين في تأثير الأحزاب على الأرض وفي الشارع يبرز التساؤل عن عمق الفجوة بين الأحزاب وقواعدها، وعن عوامل تراجعها، في حين يربط الكاتب عادل الشجاع ذلك بـ"شيخوخة القيادات وغياب التداول الداخلي، واستمرار سيطرة المؤسسين على مفاصل القرار الحزبي لعقود طويلة، حتى وصلت هذه القيادات إلى حالة من الشيخوخة السياسية والتنظيمية، وهو احتكار عطّل مبدأ التداول القيادي، وأفشل عملية إعداد قيادات شابة قادرة على التجديد ومواكبة التحولات".
•طغيان المصالح
وبحسب خبراء في العمل السياسي الحزبي، فإن هناك عوامل قوية أثرت في فاعلية الأحزاب وقدرتها على التأثير في كل الاتجاهات، لعل أهمها بحسب القيادي بحزب المؤتمر عادل الشجاع "غياب المشروع الوطني الجامع، وقد فشلت معظم الأحزاب في بلورة مشروع وطني يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ويستجيب للتحديات المصيرية التي تواجه الدولة اليمنية، مما أضعف ثقة الشارع بالأحزاب باعتبارها أدوات لبناء الدولة".
وبحسب الشجاع فإن "تكريس ثقافة الثأر الحزبي وتصفية الحسابات السياسية شوهت العمل الحزبي، وحولته من فعل سياسي تنافسي إلى صراع انتقامي، يُنتصر فيه للأشخاص لا للمبادئ، وللحزب لا للوطن، وأدى ذلك لتعميق الاستقطاب، وإضعاف إمكانية بناء شراكات وطنية حقيقية".
•عسكرة الميدان السياسي
وقد أدت حالة الاستقطاب دورا بارزا في تشكيل التحالفات السياسية في اليمن، وكان لها تأثير ملموس في صنع تيارات ومكونات أصبحت حاضرة في الصف الأول لأسباب يريدها اللاعبون المؤثرون في الملف اليمني.
ذلك ما يراه السياسي المشولي في حديثه للجزيرة نت عما سماه دورا مشبوها لجهات خارجية عملت على "صنع جماعات وتيارات أيديولوجية متشددة" مكنّتها بالدعم السخي ماليا وعسكريا من الاستحواذ على المشهد الميداني وطغت على العمل السياسي والتعددية التي كفلها الدستور اليمني، كما يرى.
ويلفت المشولي إلى أن "الدعم الخارجي لأجندات معينة، أسهم في نشر وتكريس ثقافة الكراهية ومحاربة العمل الحزبي وحدّ من النشاط السياسي في مناطق سيطرة التيارات المتشددة المدعومة من الخارج"، حسب قوله.
وفي الاتجاه نفسه، يرى القيادي الدكتور علي العزي أن الحرب فرضت واقعا استثنائيا أعاد تعريف الفعل السياسي، وقّدم القوة المسلحة والفاعلين غير التقليديين إلى الواجهة، على حساب العمل الحزبي المؤسسي.
كما أن "الحرب وهيمنة منطق القوة أفرزا واقعا سياسيا جديدا قُدمت فيه القوة العسكرية على العمل السياسي، وتراجعت فيه الأدوات المدنية لصالح السلاح" بحسب الدكتور الشجاع.
•حضور رغم التحديات
ويضيف علي العزي في حديثه للجزيرة أنه على الرغم من كل عوامل التأثير والتحجيم -التي تعرضت لها الأحزاب الكبيرة والفاعلة في اليمن وفي مقدمتها حزب الإصلاح الذي يتشبث بتماسكه، وحزب المؤتمر الذي عانى ولا يزال الانقسام في ظل حالة الاستقطاب الممنهج، ومعهما أحزاب فاعلة كالناصري وحزب العدالة والبناء والتضامن والعدالة والبناء والرشاد وغيرها من المكونات- فإن "الشارع اليمني في جوهره، ليس شارعا بلا هوية سياسية، وإنما هو امتداد اجتماعي وثقافي للأحزاب، حتى حين يتحرك أحيانا خارج الأطر التنظيمية".
ويرى العزي أن البيانات والتصريحات السياسية للقيادات والأحزاب تمثل "إحدى أدوات التأثير الأساسية، فالبيانات والتصريحات حين تكون واضحة ومعبرة عن هموم الناس، تؤدي دورا محوريا في تشكيل الرأي العام، وتوحيد المواقف، ورفع مستوى الوعي السياسي، وتحديد الاصطفافات الوطنية".
وأمام كل ما سبق، فإن واقع الحال أن التجربة السياسية اليمنية رغم المتغيرات، ما زالت تتسم ببعض الحيوية والمرونة، غير أن ضعف الأحزاب وقوتها يرتبطان بعوامل أساسية تتصل بطبيعة الحزب ومنهجيته السياسية وعقيدته الوطنية، إضافة إلى قوته التنظيمية رأسيا وأفقيا على مقاومة كل عوامل الإضعاف.