اليمن: عادات الفرح تنقرض في الجبل
يمن فيوتشر - خيوط- فخر العزب: الأحد, 17 سبتمبر, 2023 - 10:46 مساءً
اليمن: عادات الفرح تنقرض في الجبل

تعد أعراس الزواج من أهم المناسبات الاجتماعية التي تحظى بالاهتمام من قبل أسرة العريس، وتحاول أن تُحيي المراسيم بأجمل صورة، ملتزمة في ذلك بعادات وتقاليد متعارف عليها ومتناقلة عبر الأجيال المتعاقبة، باعتبارها جزءًا من هوية المجتمع.
وفي جبل صبر بمحافظة تعز، هناك العديد من العادات والتقاليد المرتبطة بالأعراس، انقرضت خلال الثلاثين عامًا الأخيرة؛ بسبب تأثر المجتمع بالتمدن، وانفراط التماسك المجتمعي عما كان عليه في السابق، بالإضافة إلى تردي الأحوال المعيشية، والتي تعدّ سببًا مباشرًا في انقراض هذه العادات على كثرتها، لتنحصر بحفلة بسيطة تتم في يوم واحد فقط.

 
•بين "الفتشتين"
في جبل صبر تسمى مراسيم عرس الزواج بالوليمة، وتقام فعاليات العرس مدة عشرة أيام، تبدأ عادةً بيوم الخميس، ويسمى يوم الترويح.
وغالبًا ما تقام الوليمة في "الفَتْشَة"؛ وهو موسم توفر القات، حيث هناك الفتشة الأولى في شهري مايو ويونيو، والفتشة الثانية في سبتمبر، أو يتم تحديد موعد الوليمة ليتزامن مع عيد الفطر أو عيد الأضحى ليتسنى حضور الناس العائدين من المدن. كانت أسرة العريس تقوم بالتجهيز للوليمة قبل أشهر من موعدها عبر إصلاح البيت من خلال إعادة ترميمه من الداخل، وتزيينه من الخارج عبر تبييضه بالنورة، ومِن ثَمّ طلاء الجدران بها، لتصبح بيضاء من الخارج ومميزة عن بقية مساكن القرية.
كما تقوم أسرة العريس بتجهيز الحَطَب عبر احتطاب شجرة (الكهلاب) وهي شجرة كبيرة مشوكة، وتركها مدة شهرين أو أكثر حتى تصير جافة وسهلة الاحتراق، تستخدم أخشابها حطبًا لإشعال النار في (المافي) -تنور يستخدم لصناعة الفطير البلدي- وكذا في صناعة طعام الوليمة.
قبل أسبوع من يوم الترويح، تقوم أسرة العريس بوضع "التشكيلة" -وهي مصابيح ملونة- على سقف البيت لتزيينها ليلًا، كما يتم فتح أغاني الزفة بالميكروفون الذي يوضع على السطح لبث أغاني الزفة المتنوعة، وأبرزها زفة أيوب طارش ومنى علي، كما يحضر الرجال، وخاصة الشباب، للمقيل في منزل العريس، ومساعدتهم بأي تجهيزات.
ليلة العرس يكون هناك مقيل ليليّ للشباب يمضغون فيه القات ويمارسون الرقص، حيث يبدأ الرقص على الأغاني الشعبية اللحجية الصاخبة، ومِن ثَمّ أغاني العود، وفي ساعات الفجر الأولى يقوم مجموعة من الشباب بالبدء بإصلاح "المِخْوال" والذي يستخدم كمطبخ للعرس، ويتم تجهيزه على مساحة أرض بجوار بيت العريس بوضع أحجار عليها عددٌ من قطع الحديد التي تحمل دسوت الطباخة، وتترك مساحة فارغة تحتها تكفي لإحراق الحطب وتجهيز الجمر الذي يستخدم في الطباخة وكذا في تجهيز المدائع (النارجيلات الشعبية).
بالإضافة إلى ذلك، يتم تجهيز الصحون والدسوت والحَرَض، وتقوم مجموعة أخرى بالبدء بتجهيز غداء الضيوف الذين سيتوافدون ظهرًا، عبر عجن عدة معاجن للخبز وبنت الصحن، وتقطيع الخضروات، وكذا ذبح العجول والشياه وتقطيعها وتجهيزها للطبخ.
فيما تقوم مجموعة أخرى بتجهيز "الكُوشة" وهي مكان جلوس العروسين يوم الترويح، باستخدام الفُرش والبطانيات والستائر والسجاجيد، مع تزيينها ببعض الزينة.

 

أيوب ومنى
يوم العرس يحضر الضيوف الذين هم -عادةً- من أبناء القرية وأهالي العريس، لتناول وجبة الغداء، وفي هذه الأثناء تذهب مجموعة من النساء -بحدود عشر- في الساعة الواحدة بعد الظهر إلى منزل العروس، إحداهن حاملة على رأسها مسجلة فيها كاسيت زفة منى علي، لتجهيزها وترويحها.
في الساعة الواحدة والنصف، يكون الضيوف في منزل العريس قد أكملوا تناول الغداء، حيث يقوم "الموكب" بقرع الطبول، ليتجمع الناس للذهاب لإحضار العروسة.
مع الناس الذاهبين لإحضار العروس، يحضر شخص من أقارب العريس يحمل "كَبْشًا" أو "جَدْيًا" لأسرة العروسة، هدية من بيت العريس، ويتم ذبحه أمام العروس أثناء خروجها من بيت والدها، حيث تكون هذه الذبيحة بمثابة تميمة وحرز للعروس، تحميها من الأسحار والشياطين.
تخرج العروس من البيت خلف "المَرَاوحة"، وهم الناس الذين حضروا لأخذها، حيث تمشي في المؤخرة، ويمسك بها اثنان من إخوتها أو مَحَارمها (عمها أو خالها)، وتمشي بعدها النساء اللواتي ذهبن لتجهيزها وهن يزغردن، بينما تقوم (المزينة) بحمل حقيبة العروس، وهي حقيبة حديدية تحوي ملابس العروس وكسوتها.
إذا كانت العروس من عزلة أخرى، فإنها تصل إلى المنطقة الواقعة بين العزلتين وتجلس في المكان الذي يسمى "الحَد" وتتوقف عن المسير، ليقوم أقارب العريس بمنحها جنبية غالية الثمن أو ذهبًا أو مبلغًا ماليًّا مقابل استمرارها بالمشي، كما يتم كسر حرضة "مدرة" ورش الملح في المكان، اعتقادًا منهم أن ذلك يمنع حضور الجن.

 

دوس القدم
تواصل العروس بعد ذلك المشي خلف المَرَاوحة، ويكون العريس قد ارتدى لباس العرس، ووقف أمام منزله لاستقبالهم بالسلام عليهم، وحين تصل عروسته يقوم بإطلاق الرصاص في الجو لاستقبالها، ومِن ثَمّ يصافح إخوتها الذين يمسكون بها، ويقوم بالدوس على قدمها بقدمه، حيث يسود الاعتقاد أن ذلك سيجعله متحكمًا بها، ويتم كسر حَرَضة (مدرة) وعدد من البيض، ورش الملح أمامهما كحرز من الشياطين، ومِن ثَمّ يأخذها إلى الكوشة، ليقوم الرجال والنساء على حدٍّ سواء بالدخول لمشاهدتهما على الكوشة التي يجلسان فيها حتى المغرب.
يوم الترويح ليلًا يدخل العريس وعروسه إلى غرفتها ليدخل عليها وتدخل معهم (المُزَينة) التي تشرف على العملية، وتقوم بفحص العروسة في حال كانت (مرتقة)، وتأتي العروسة ومعها قطعة قماش بيضاء، تسمى (الصباحة) لتضعها تحتها لتتبلل بالدم، وتبقى علامة على أنها بكر، ويبقى أهل العريس منتظرين خبر فض بكارة العروس بنجاح، تخبرهم به المزينة، ليقوم أهل العريس بإطلاق الرصاص احتفالًا بنجاح العملية، ويعبّرون عن ذلك بقولهم إنّ الزوجين "سَدّوا".
اليوم الثاني يقوم أهل العروسة بعزومة أصدقائهم وأبناء قريتهم لحضور (الرابع)، حيث يتوجهون بموكب على قرع الطبول إلى بيت الوليمة، للسلام على العريس وتناول الغداء، ومقيل القات.
في ليل اليوم الثاني، تقام (زفة الشباب)، حيث يخرج الشباب إلى مساحة واسعة بالقرية، ويجتمعون بشكل دائري حول حلبة للرقص، ويجلس العريس على الكرسي، والشباب وقوفٌ من حوله، ويتم فتح الأغاني ويقوم الشباب بالرقص، من الساعة الثامنة حتى العاشرة، ويتم إطلاق الرصاص في الهواء، وبعد ذلك يتوجهون إلى بيت الوليمة لإكمال مقيل القات الذي يستمر حتى الفجر.

أما اليوم الثالث فيكون مخصصًا لزفة أخوال العريس الذين يأتون في موكب مع ضيوفهم، حيث يأتون على قرع الطبول، ويقوم العريس ووالده وأقرباؤه باستقبالهم بعيدًا عن منزل العريس، ويقوم الضيوف بالسلام على العريس بمبلغ مالي يسمى "المُجابر"، وبعد الانتهاء من السلام، يقوم أخوال العريس بتظليل العريس بشماغ، وترديد نشيد مميز يردده فريقان.
هذه الطقوس تكون مصحوبة بإطلاق الرصاص، وترديد الزوامل من قبل الرجال، فيما يتجمعن نساء القرية على أسطح البيوت لمشاهدة الزفة، وترديد الزغاريد.
 

باقي الأيام
اليوم الرابع يكون مخصصًا للنساء من صديقات العروس، حيث يحضرن إلى الوليمة متزينات بالملابس الجديدة والخاصة، والحلي والمجوهرات، ويسمى هذا اليوم بـ(تغدية العروس)، حيث يسلمن النساء عليها بإعطائها مبلغًا ماليًّا.
أما اليوم الخامس فيكون مخصصًا للضيوف من خارج القرية، وأصدقاء العريس، والذين يأتون للغداء والمقيل، ومجابرة العريس بمبلغ مالي.
اليوم السادس للوليمة يكون يومًا نسائيًّا بامتياز، وهو اليوم الذي تأتي فيه أم العروس، حيث تستعد لهذا اليوم بإرسال قارورة عطر، ماركة (جنة النعيم)، لكل امرأة تنتوي عزومتها لحضور العرس، وتأتي مع ضيوفها لبيت العرس، ويقوم العريس باستقبالها أمام باب المنزل بإطلاق ثلاثين طلقة في الهواء.
وتأتي النساء إلى بيت الوليمة في اليوم السادس متزينات بالثوب الدَّمَس (القطيفة) والسروال المحبوك من الأسفل، حيث تسمى هذه الحبكة (شتارة)، وتحمل النساء (العَزَف) المصنوعة من سعف النخيل، وبداخلها حبوب البر أو الهند أو الذرة كمُجابر لبيت الوليمة، يتم سكبها في المدافن الأرضية أو في البراميل المجهزة لذلك.
في هذا اليوم أيضًا، تقوم العروس بتعليق (الصباحة) المبللة بدم بكارتها، لإخبار الحاضرات أنها كانت بكرًا، وتقوم بتسليم الصباحة إلى والدتها، التي تحتفظ بها.
اليوم السابع من الوليمة يكون مخصصًا لحضور عمات وخالات العروسين مع معازيمهم، وكذا النساء من القرى المجاورة، وفي اليوم الثامن تحضر أم العروس للمرة الثانية، ونساء من قرى أخرى لم يحضرن من قبل، ويستمر توافد النساء حتى اليوم العاشر.
بعد اليوم العاشر بأسبوع أو أسبوعين، يقوم العريس والعروس بالذهاب إلى منزل أسرتها حاملين بعض الهدايا كالحلويات، في يوم يسمى (رد الجدي) حيث يكون هناك مقيل قات للعريس وأبي العروس وأقاربها، متزامنًا مع حفلة نسائية تقام في البيت.


التعليقات