اليمن: سقطرى في الوثائق السرية الإماراتية.. تخطيط للسيطرة منذ 30 عاما
يمن فيوتشر - غمدان اليوسفي: السبت, 17 يناير, 2026 - 04:10 مساءً
اليمن: سقطرى في الوثائق السرية الإماراتية.. تخطيط للسيطرة منذ 30 عاما

في البدء كانت سقطرى، وفي الختام أيضا.. لم يكن هناك شيء خاضع للصدفة، ولم تكن حكومة أبوظبي تعمل لأجل شيء في اليمن سوى ذلك المطمع الأهم.
نحاول هنا التوغل في بعض الوثائق السرية التي حصلنا عليها من مصادر خاصة، وهي وثائق تكشف حجم الاهتمام المبكر بجزيرة سقطرى منذ قرابة ثلاثة عقود من الزمن.

•الأطماع المحيطة بسقطرى..رسالة سرية
 الوثيقة الأولى هي رسالة من القائم بأعمال سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن حينها محمد سعيد الكندي إلى وكيل وزارة الخارجية في دولته وذلك في تاريخ 12 مارس 1997 وتحت عنوان (تقرير حول جزيرة سقطرى وأهميتها والأطماع المحيطة بها).
الرسالة قالت نقلا عن "مصادر موثوقة" إن السلطات اليمنية لديها شك "حيال النوايا الأمريكية في الجزيرة "والتي ترغب في الحصول على موطئ قدم فيها نظرا لأهميتها الاستراتيجية"، موردة أن هناك "نوايا أمريكية في محاولة إعادة القيادات الاشتراكية التي خرجت من حرب صيف 94 إلى الجزيرة وتمكينهم من إقامة دولتهم على الجزيرة".
الرسالة مصنفة كـ (سري)، وتضمنت الحديث عن "ثروة سمكية هائلة إلى جانب ثروتها الزراعية والحيوانية والسياحة ولها أهمية استراتيجية نظرا لموقعها في بحر العرب وتحكمها في الملاحة الدولية".
وأوردت الرسالة السرية أن هناك "احتمالات كبيرة بوجود كميات من النفط بها"، مشيرا إلى تشكيل الحكومة اليمنية حينها لجنة عليا لتنمية الجزيرة.
الرسالة الدبلوماسية أشارت إلى اهتمام الدولة الكبير حينها بالجزيرة وزيارة نائب الرئيس ورئيس الوزراء وافتتاح عدد من المشاريع في الجزيرة.
مايلفت في الرسالة أنها تحدثت في ختامها عن المساعدات الإماراتية للجزيرة والتي "نقلت عبر رحلات خاصة إلى الجزيرة مباشرة بواسطة طائرات عسكرية".
كانت معظم المحافظات اليمنية حينها تقبع تحت مستويات عالية من الفقر، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 35% من السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر حينها، ففي محافظات داخلية مثل عمران تجاوزت معدلات الفقر 60%، بينما كانت محافظات أخرى مثل الحديدة وتعز تعاني من تدهور حاد في الخدمات الأساسية وارتفاع البطالة وانعدام الأمن الغذائي، إلا أن العين الإماراتية كانت تبحث عن نقطة في أقصى مكان في الخارطة اليمنية لتبسط أيادي المساعدات فيها.
لم تكن سقطرى يومها مطروحة في المجال العام بوصفها ملفًا سياسيًا، لكن مكاتب السفارة الإماراتية في صنعاء كانت تبدي اهتماما غير اعتيادي بالجزيرة.


•تقرير السفير المفصل

وثيقة دبلوماسية أخرى يعود تاريخها إلى 15 نوفمبر 2007، موقعة باسم السفير الإماراتي حينها علي سيف سلطان وتحت عنوان (لمحة عامة عن جزيرة سقطرى اليمنية والواقعة بالمحيط الهندي).
الرسالة موجهة إلى مدير الشؤون الاقتصادية والتعاون الدولي في الخارجية الإماراتية، وتضمنت تفاصيل هامة في ست صفحات عن الجزيرة وموقعها وتقسيماتها، مشيرة إلى أن سكان الجزيرة "من أشد الفئات فقرا بين السكان في اليمن".
وتضمن التقرير تفاصيل عن سكان الجزيرة وما أسمته التنوع الإحيائي فيها وتقسيماتها موردة أن "الجزيرة لم تحصل على ماتستحقه من اهتمام حتى بعد استقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني عام 1967 وحتى اليوم بالرغم من التحسن الملموس في أوضاعها العامة وبنيتها التحتية، ولا سيما مجال النقل والخدمات الصحية والتعليمية والتنموية، فإن القيمة البيئية النادرة للجزيرة وأرخبيلها يتحتم إعطاءها مزيدا من الجهد، واللافت أن الهيئات الدولية والدول الغربية التي تدرك القيمة الحقيقية لما تكتنزه جزيرة سقطرى من ثروات طبيعية مذهلة باشرت منذ بعض الوقت بإعداد عدد من المشاريع الإنمائية فيها" وفقا لما جاء في تقرير السفير.
الرسالة لم تكن تقريرا صحفيا، ولكنه تقرير مفصل كلف السفير الإماراتي نفسه بكتابته بعناية ولغة تنم عن تسجيل للفجوات وتلميح للفرص.
وأفردت الرسالة التي كتبت قبل 19 عاما مساحة كبيرة للحديث عن ثروات سقطرى، وعن الوضع الاجتماعي موردا ماقالته باحثة أوروبية لم يورد اسمها لكنه قال إنها تعمل في مشروع داروين التابع لحديقة النباتات الملكية في أدنبرة باسكتلندا عن "العمق الحضاري والتاريخي للحياة الاجتماعية في الجزيرة وارتباطها بنسيج الحضارة السامية القديمة".
وخصص التقرير الدبلوماسي فقرات لقطاع الخدمات من اتصالات وتعليم وطرق وصحة ومياه متناولا حتى رفض وزارة المياه لإدخال حفارات للوصول إلى المياه الجوفية، وكيف وافقت الوزارة بعد ذلك على ادخال حفار سلكي واشترطت عدم الحفر لعمق أكثر من 50 مترا. 
وختم السفير تقريره بمقترحات أولها "الاهتمام بالجزيرة من الناحية الاستثمارية كونها تمتلك مقومات سياحية طبيعية نادرة وتفتقر لكثير من البنى التحتية في هذا المجال ويمكن استحداث فيها العديد من المشاريع السياحية مثل (الفنادق – الشاليهات- المنتجعات السياحية-الحدائق الترفيهية)".
كما اقترح السفير الإماراتي في تقريره "الاهتمام بالثروة السمكية الكبيرة والأحياء البحرية الوفيرة التي تتوفر بكميات تجارية يمكن الاستثمار فيها"، إضافة للاهتمام بالجزيرة من الناحية الإنسانية حيث أن السكان يفتقرون للعديد من المنشآت في الجوانب الصحية والتعليمية والطرقات والفقر.


•استجابة عاجلة لتقرير السفير
بعد شهرين تماما من تقرير السفير كانت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي قد زارت جزيرة سقطرى، وبعث مدير فرعها في اليمن رسالة لسفير الإمارات في صنعاء علي سيف بن سلطان في تاريخ 23 يناير  2008 مرفقة بتقرير عن الزيارة الميدانية المشتركة مع الهلال الأحمر اليمني إلى الجزيرة.
وأورد التقرير تفاصيل عن شحنة مساعدات حملتها طائرة عسكرية تحوي أدوية وبطانيات ومستلزمات طبية، مصحوبة بتغطية ذلك إعلاميا من قناتي أبوظبي والإمارات، ومسح ميداني للجزيرة واحتياجاتها.
ظاهريًا، تبدو التقارير إنسانية: مساعدات، تنسيق مع السلطات المحلية، خطط توزيع. لكن القراءة المتأنية تكشف انتقالًا لافتًا من توصيف الاحتياج الآني إلى صياغة تصورات طويلة الأمد، وجداول مفصلة لمشاريع تعليمية وصحية وخدمية، مقترحات لإعادة تأهيل منشآت، وأفكار لإنشاء بنية خدمية دائمة، وكأن الجزيرة تُعامل كوحدة قائمة بذاتها، لا كطرف هامشي في بلد يعاني فقرًا واسع النطاق.


•تأهيل الاقتصاد اليمني
في 2010 كانت اليمن قد دخلت في إشكالات اقتصادية متشعبة، وانعقدت عدد من مؤتمرات المانحين، وتشكل مايسمى بمجموعة أصدقاء اليمن بينها دول الخليج وعدد من الدول الأجنبية.
كانت الإمارات إحدى الدول الفاعلة في الملف، لكن أغرب ماحصلنا عليه وثيقة ملفتة، تابعة لصندوق أبوظبي للتنمية، والذي كان مشاركا فيما يعرف بـ (تأهيل الاقتصاد اليمني).
تشير الوثيقة التي حصلنا عليها إلى رسالة من الصندوق تحت عنوان (بعثة الصندوق لمتابعة مشاريع تأهيل الاقتصاد اليمني)، وهي موجهة لوكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي عبدالله حسن الشاطر.
الرسالة تشير إلى أنه سينظم لوفد الصندوق كلا من محمد الشامسي، وهذا أصبح الرئيس التنفيذي لموانئ أبوظبي، واسمين آخرين هما خالد كاشف خان من شركة أبوظبي للمطارات، وشخص أجنبي يدعى جيفري رينولدز.
وأوردت الرسالة أن هؤلاء الأشخاص سيصلون في 22 نوفمبر إلى صنعاء وأن الوفد "سيقوم بمعاينة ميناء ومطار جزيرة سقطرى لتحديد احتياجات الجزيرة".


رسالة أخرى من نفس الجهة وفي نفس اليوم ولنفس الجهة اليمنية رسالة بعنوان "بعثة الصندوق لمتابعة مشاريع تأهيل الاقتصاد اليمني"، ولكن الرسالة ليس فيها سوى سقطرى!
تقول الرسالة إن "وفدا من صندوق أبوظبي بصدد القيام بزيارة إلى الجمهورية اليمنية وذلك لمتابعة الأعمال المدنية بجزيرة سقطرى لمشروع مصنع الثلج ومتابعة سير الأعمال في مشاريع تأهيل الاقتصاد اليمني حسب جدول زيارة البعثة المرفق، ويتكون الوفد من سعيد الظاهري من الصندوق وفواز الزلع من شركة أديريست.
اقتصر جدول الأعمال على زيارة سقطرى، لمدة يوم واحد واليوم الثاني لقاء مع وزارة التخطيط والمغادرة.
هذا التباين بين عنوان الزيارة ومحتواها العملي يوحي بأن سقطرى لم تكن محطة ثانوية ضمن برنامج عام، بل نقطة تركيز ميداني جرى التعامل معها بوصفها حالة خاصة.


•زيارة لأحد شيوخ أبوظبي
وفي سياق انكشاف الوثائق الخاصة باهتمام أبوظبي بجزيرة سقطرى تظهر رسالة من سفارة الإمارات في صنعاء موجهة لوزارة الخارجية اليمنية في تاريخ 18 مارس 2015 أي قبل عاصفة الحزم بثمانية أيام تتضمن الرسالة طلب تصريح هبوط دبلوماسي للطائرة العسكرية التابعة للقوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة والتي سيكون خط سيرها أبوظبي سقطرى أبوظبي بتاريخ 20 مارس 2015 والغرض هو نقل حمولة متفرقة لرحلة سمو الشيخ حمد بن حمدان بن محمد آل نهيان.
هكذا بدت سقطرى في القراءات الإماراتية المبكرة، جزيرة تُستدعى إلى الطاولة ليس لأنها الأكثر فقرًا أو احتياجا، بل لأنها الأكثر قابلية لإعادة التعريف خارج منطق الأولويات الاجتماعية الثقيلة التي فرضتها محافظات يمنية أكثر كثافة وبؤسًا، بل لأنها الأكثر قابلية لأن تُنتزع من الهامش، وتُعاد صياغتها في قلب السياسة.


التعليقات