في المرة الأولى التي سمعتُ فيها صوت والدة حسين، لم يكن الغضب هو ما عبر الهاتف، بل الإنهاك.
قالت لي: «تنتشر شائعات بأنه احترق حتى الموت. كيف تعتقدين أن هذا يُشعرني به كأم؟ أين أنت يا حسين؟ أبحث عنك. أرجوكِ يا ابنتي، ساعديني».
كان ابنها، البالغ من العمر 28 عامًا، قد غادر اليمن سعيًا وراء وعد براتب يمكن أن يمنحه مستقبلًا أفضل. وخلال أسابيع، اختفى في أتون حرب لم يفهمها، وفي بلد لا يتحدث لغته، ليجد نفسه على واحدة من أكثر جبهات القتال دموية في العالم. ولأشهر طويلة، ظلت تتصفح الإنترنت بحثًا عن ملامحه في مقاطع الفيديو التي ينشرها مقاتلون أجانب على الجبهة الروسية، أو عن اسمه في أيٍّ من مجموعات الدردشة التي تتناول أخبارهم، دون أن تعثر على شيء. ثم وصلتها وثيقة من روسيا: شهادة وفاة حسين.
ومع ذلك، عندما عثرتُ أخيرًا على حسين، كان لا يزال على قيد الحياة.
أنا يمنية أيضًا. عملتُ على تغطية الحروب لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) لسنوات، بما في ذلك الانهيار الطويل الذي شهده بلدي. لكن شيئًا لم يُعِدّني لما اكتشفته أثناء التحقيق في تجنيد روسيا لمقاتلين أجانب: الدقة التي تُستهدف بها مواطن الضعف، وكيف تُفصَّل الوعود على مقاس الفقر، وكيف تتحول الجنسية إلى طُعم، وكيف تُترك العائلات لتعيش الحداد في الظلام.
لقد دخل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عامه الرابع، ولا تزال شهية موسكو للقوى البشرية بلا حدود. وتشير التقديرات إلى استقطاب نحو 20 ألف مقاتل أجنبي من مختلف أنحاء العالم، من دول بينها نيبال وكوبا وجنوب أفريقيا وكوريا الشمالية، في إطار يُسوَّق له على أنه «تطوّع» أيديولوجي، بينما هو في حقيقته تجنيد قائم على الاستغلال.
وفي مارس/آذار 2022، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين علنًا دعمه لفكرة استقدام رجال من الشرق الأوسط للقتال، مؤكدًا أنهم يرغبون في القدوم «لا من أجل المال»، ومشددًا على أن على روسيا مساعدتهم في الوصول إلى مناطق القتال. غير أن ما شاهدته منذ ذلك الحين يكشف عن مسار منظم: شبكة من الوسطاء غير الرسميين وقنوات إلكترونية تربط رجالًا يائسين بعقود مع الجيش الروسي. وغالبًا ما تعد هذه العقود بعام واحد من الخدمة، وبراتب، وجواز سفر، وضمانات أمنية، غير أن البنود الدقيقة فيها قد تُوقعهم في فخ البقاء إلى أجل غير مسمى.
بدأتُ تتبع قصص المجندين اليمنيين بعدما بدأت مقاطع فيديو تنتشر على الإنترنت: شبّان يصورون أنفسهم من داخل روسيا، ويتوسلون طلبًا للمساعدة. يقول أحدهم، وصوته يتكسر: «نموت ألف مرة في اليوم من شدة الرعب الذي نعيشه على أيدي الروس. أنقذوا إخوتكم اليمنيين. نحن مجبرون على القتال. أصدقاؤنا قُتلوا… نحن عالقون بين الحياة والموت».
كانت تلك المقاطع صادمة، مباشرة، وقاسية المشاهدة.
في أمستردام، التقيتُ علي الصباحي، مؤسس الاتحاد الدولي للمهاجرين اليمنيين (ومقره هولندا)، الذي أمضى أشهرًا في تتبع مسارات ما يُقدَّر بنحو 400 يمني سافروا إلى روسيا. أخبرني أنه يتلقى يوميًا نداءات استغاثة، مكالمات ومقاطع فيديو تطلب الإنقاذ، وأنه قام بإحالتها إلى مسؤولين، وإلى وزارة الخارجية، وإلى السفير اليمني في موسكو. وقال: «الوضع في اليمن كارثي. من الطبيعي أن يُقال لشباب عاطلين عن العمل: تعالوا، سنمنحكم آلاف الدولارات. فذهبوا».
وقد أدت الحرب في اليمن إلى إفراغ الاقتصاد ومؤسسات الدولة من مضمونها. فالحكومة المعترف بها دوليًا، والمدعومة من تحالف تقوده السعودية، تخوض قتالًا ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وفي الوقت نفسه هي عالقة في صراع نفوذ مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في جنوب البلاد. وفي مدن مثل تعز، في الجنوب الغربي، يعيش الناس على رواتب مجزأة، أو على المساعدات الخيرية، أو على تحويلات المغتربين. وبالنسبة للشباب، قد يبدو المستقبل كأنه باب أُغلق بإحكام. وفي مثل هذا الواقع، لا يكون عقد يعد بآلاف الدولارات وبالحصول السريع على الجنسية مجرد إغراء، بل فرصة تُغيّر الحياة.
وقال الصباحي إن أكثر من 24 يمنيًا يُعرف أنهم قُتلوا في روسيا، فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين. ويتصل به آباء وأمهات في حالة يأس لتتبع مصير أبنائهم الذين انقطعوا عن التواصل. وأضاف أن بعض العائلات أُبلغت بأن أبناءها احترقوا داخل مركبات استُهدفت على الجبهة. وتلقت عائلات أخرى شهادات وفاة صادرة من روسيا دون أي توضيح لما حدث لأبنائها أو لكيفية إعادة جثامينهم إلى الوطن. كما أشار إلى سماعه شائعات عن حالات احتجاز في أوكرانيا. وبرز اسمان مرارًا وتكرارًا: حسين وخليل.
خليل من مدينة تعز. تعيش والدته، شفيعة، في قرية ريفية تُدعى بعدان في اليمن. أرسلت لي صورة مدرسية له: خليل في الصف التاسع، فتى كانت الحياة لا تزال أمامه. كان الابن الأكبر، والمعيل الوحيد للأسرة. عمل في سوق محلي بنقل الخضروات مقابل أجر يومي بسيط، لا يتجاوز نحو 70 دولارًا (52 جنيهًا إسترلينيًا) شهريًا. ثم سافر إلى عُمان، حيث عمل في مطعم بغسل الصحون. وحتى هناك، كان يرسل إلى أسرته نحو 100 دولار (74 جنيهًا إسترلينيًا) شهريًا.
عندما أخبر والدته بأن لديه فرصة للسفر إلى روسيا، قال لها إنه سيجد عملًا في مطعم أو في مزرعة، وهي من الأعمال التي اعتاد اليمنيون السفر إلى الخارج من أجلها، بحسب شفيعة. وقالت: «قال لي: الحمد لله يا أمي، أشعر بأن أمورًا جيدة ستحدث. سأتمكن أخيرًا من كسب مال حقيقي». وتضيف: «رغم يأسنا، كان لدي شعور سيئ. قلت له: لا أريدك أن تذهب. هذا بلد بعيد».
وبعد وصوله إلى روسيا، أصبح التواصل متقطعًا، ثم انقطع تمامًا. وتقول شفيعة: «قال لي إن الأمر ليس كما توقّع، لكنه لم يخبرني أنهم أُرسلوا إلى الجبهة. خليل لم يحمل سلاحًا في حياته قط». بحثت الأم على الإنترنت، فعثرت على يمنيين يذكرون اسمه في مقاطع فيديو. ثم سمعت أنه علق في معركة كورسك، وأن الفصيلة التي كان ضمنها، والمكوّنة من 20 يمنيًا، قُتل أفرادها جميعًا.
في اليمن، الموت مألوف. لكن هذا كان مختلفًا: ليس موتًا في تعز، ولا تحت القنابل التي لطالما خيّمت على سمائهم، بل اختفاءً في حرب أوروبية، حرب لم يكن يفهمها إلا بالكاد.
وعندما شنّت أوكرانيا توغلها المفاجئ داخل منطقة كورسك الروسية في أغسطس/آب 2024، أفادت تقارير بأن نحو 600 جندي روسي وقعوا في الأسر. وكان من بينهم مقاتلون أجانب يحملون الجنسية الروسية. وعندما يختفي مقاتل على خطوط المواجهة، لا تتبقى سوى احتمالات محدودة: إما أن يكون قد قُتل، أو دُفن دون هوية، أو أُسر.
سافرتُ إلى غرب أوكرانيا، إلى أحد أكبر مراكز احتجاز أسرى الحرب في البلاد، للقاء مقاتلين أجانب أُسروا أثناء قتالهم إلى جانب روسيا. وأثناء تجولي داخل السجن، بدا حجم عمليات التجنيد الروسية جليًا: رجال من مختلف أنحاء العالم. التقيتُ أشخاصًا من مصر والسنغال وسريلانكا. وفي قاعة الطعام، سألتُ إن كان أحد يتحدث العربية، علّني أعثر على أيٍّ من الرجال الذين كنت على تواصل مع عائلاتهم.
وعندما قلت إنني يمنية، أخبرني مسؤولو السجن بأن لديهم يمنيين اثنين محتجزين في قسم آخر من المنشأة. طلبتُ لقاءهما.
قلتُ وأنا أدخل: «مرحبًا… حسين وخليل؟»
«نعم»، أجاب أحدهما.
قلتُ لهما: «أنا نوال المغافي. أنا يمنية أيضًا. كنتُ على تواصل مع عائلاتكما منذ فترة».
حدّق خليل في وجهي وكأن الجدران قد تحرّكت من حوله، وقال: «لا أستطيع أن أصدق ذلك. هل هذا حلم أم حقيقة؟».
أخبرني حسين وخليل أنهما لم يمكثا في روسيا سوى ستة أسابيع قبل وقوعهما في الأسر. فبعد أيام قليلة من إرسالهما إلى الجبهة، تعرضوا لهجوم. قُتل العديد من الرجال الذين كانوا معهما، بينما أُسر حسين وخليل. وسُمح لي بإجراء مقابلة معهما على انفراد في غرفة خاصة. وقبل أن أبدأ المقابلة، سألتهما عن الرجال الآخرين الذين تواصلت معي عائلاتهم؛ فأكدا لي أنهما الناجيان الوحيدان.
كانت التفاصيل التي شاركاها عادية في ظاهرها، لكنها مدمّرة في جوهرها: بيروقراطية جيش أجنبي، ارتباك الأوامر التي تُصرخ باللغة الروسية، والمباغتة القاتلة للعنف. قال حسين: «أندم على أنني ذهبتُ إلى بلد آخر. لأقاتل من أجل ماذا؟ هناك حرب في اليمن، ومن يريد الحرب فليبقَ في اليمن».
روى كيف جرى إيقاظه في وقت مبكر من أحد الصباحات، ثم تحميله داخل دبابة ونقله إلى خط الجبهة. وقال: «لا يمكنك أن تكون على الجبهة وأنت لا تتحدث الروسية. هذا غير منطقي». وكانت طائرة مُسيّرة تحوم في الأجواء وتلقي القنابل. أُصيب حسين، وعندما استعاد وعيه، وجد جنودًا أوكرانيين يوجهون سلاحهم إلى رأسه.
سألته: «في تلك اللحظة، ماذا شعرت؟» فأجاب بصوت خافت: «كان وضعًا سيئًا».
أما خليل فقال إنه كان يدرك أن الذهاب إلى روسيا قد ينطوي على خدمة عسكرية، لكنه اعتبر ذلك مقبولًا مقابل المال الذي وُعد به. وأضاف: «لم أحلم يومًا بالحصول على 2400 دولار (1781 جنيهًا إسترلينيًا) شهريًا. لو عملتُ عشر سنوات، لما حصلتُ على ما نلته في روسيا خلال عام واحد».
وعندما سألته إن كان قد فكّر في الأشخاص على الجانب الآخر – المدنيين الأوكرانيين الأبرياء الذين قد يصبحون ضحايا – لم يتردد. قال: «لو كنتُ أعلم ذلك، لما انضممتُ إلى هذه الحرب».
طلب خليل أمرًا واحدًا: أن يتمكن من الاتصال بوالدته ليخبرها أنه ما زال حيًا. راقبتُ يديه وهما ترتجفان بينما كان الاتصال يتم.
قال: «مرحبًا». وجاءه صوت شفيعة، متهدّجًا ومثقلًا بالبكاء: «مرحبًا يا خليل، كيف حالك؟». قال متوسّلًا: «أمي، لا تبكي، الله يبارك فيك».
قالت: «أقسم إنني لا أصدق أنني أتحدث إليك الآن. أحلم كل يوم بأن أتمكن من التواصل معك». ثم أعادت القول: «هذه أول مرة أتحدث إليك منذ ثمانية أشهر».
عندها خفَتَ صوت خليل. قال: «ارتكبتُ أكبر خطأ في حياتي. سامحيني، سامحيني… واطلبي من أبي أن يسامحني».
حاولت شفيعة أن تبدو متماسكة: «اعتنِ بنفسك، ولا تستسلم لليأس».
وعندما أنهى المكالمة، زفر بعمق، وقال: «الحمد لله… أمي شعرت بالاطمئنان».
بعد أشهر من زيارتي الأولى، عدتُ إلى معسكر أسرى الحرب. أخبرني الأسرى أن أكثر من 2000 جندي جرى تبادلهم بين روسيا وأوكرانيا خلال تلك الفترة، لكن لم يكن من بينهم أيٌّ من المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا في صفوف روسيا. وقالوا إنهم كانوا، أسبوعًا بعد آخر، يشاهدون الجنود الروس يعودون إلى ديارهم، فيما يبقون هم خلف القضبان.
وقال لي أحد الأسرى: «إنهم لا يهتمون بنا. كأنهم يقولون: دعونا نُبقي المقاتلين الأجانب في السجن حتى تنتهي الحرب».
وكان خليل قد أمضى قرابة عام كامل في الأسر. وعندما سألته عمّا يتمناه، قال: «أحلم بحياة، بمستقبلي الذي ضاع». وحين سألته إن كان يرغب في العودة إلى اليمن، تردّد قليلًا ثم قال: «إلى أين؟ اليمن لم يفعل لي شيئًا». لم يكن ذلك رفضًا لوالدته، بل إدانة لما سرقه انهيار اليمن من شبابه. ومع ذلك، ما إن تحدّث إلى شفيعة، حتى ظهر الطفل الكامن فيه على الفور.
قال: «أمي، أنا متعب، أريد أن أخرج». فأجابته بتفانٍ لا يقدر عليه إلا الوالدان: «أعطيك عينيّ، وأعطيك كل ما أملك».
ثم قال خليل ما صدمني: «أحتاج أن أعود إلى روسيا».
للحظة، ظننتُ أنني أسأتُ الفهم. ففي آخر مرة كان هناك، أُبيدت فصيلته بالكامل، تدمّرت الجثث، واختفى الرجال. لماذا قد يرغب في العودة؟!
وأوضح خليل أنه لم يسحب سنتًا واحدًا من الأموال التي وُعد بها، فأي مبالغ دُفعت له لا تزال مودعة في حساب مصرفي داخل روسيا، وهو حساب لا يستطيع الوصول إليه من داخل سجن أوكراني. وقال إنه يشعر بالخزي من العودة إلى اليمن صفر اليدين، بعد كل ما عرّض له أسرته.
لقد غادر بوصفه معيل الأسرة، الابن الأكبر الذي يُفترض أن يحمل عبء البيت. أما اليوم، فهو أسير. والدته وأشقاؤه الأربعة الأصغر سنًا يكافحون للبقاء في اليمن. اضطرت العائلة إلى تأجير منزلها بالكامل، ويعيشون جميعًا في غرفة واحدة، معتمدين على مساعدات أهل الحي للبقاء على قيد الحياة. لم تكن رغبة خليل في العودة إلى روسيا نابعة من ولاء أو قناعة أيديولوجية، بل كانت نتاج الفقر والكبرياء المتشابكين: رجل يحاول إنقاذ ما تبقّى من كرامته وسط كارثة.
كان خليل وحسين قد وقّعا عقودًا صادرة عن الجيش الروسي. وغالبًا ما يروّج المجنّدون لهذه العقود على أنها التزام لمدة عام واحد: مدة كافية لتحقيق دخل كبير، وقصيرة بما يوحي بإمكانية تحمّلها. لكن هناك بابًا خفيًا. ففي سبتمبر/أيلول 2022، أصدرت روسيا مرسومًا يُلزم الجنود بالخدمة حتى نهاية «العملية الحربية»، وهو ما يعني عمليًا تمديد العديد من العقود تلقائيًا. وبالنسبة للأجانب الذين يملكون معرفة محدودة باللغة الروسية، ودعمًا قانونيًا ضئيلًا، ونفوذًا سياسيًا معدومًا، فإن النتيجة قد تكون أسرًا كاملًا.
قال لي هؤلاء الشبان بوضوح: كانوا يريدون الرحيل، لكنهم لم يستطيعوا. فالجنسية الروسية التي مُنحت لهم بسرعة ضمن عملية التجنيد لم تحمهم، كما أن دولتهم لم تبدُ وكأنها تبذل جهدًا فعليًا لإعادتهم.
وحين أفكر اليوم في خليل وحسين، أفهم البساطة القاسية للخيارات التي وُضعت أمامهما. فالوعود التي قُدّمت لهما لم تُفضِ إلا إلى مصيرين اثنين: إما الموت على خط الجبهة، أو البقاء على قيد الحياة ثم الاختفاء داخل نظام سجني قد لا يسمح لهما بالخروج أبدًا. وبالنسبة لعائلاتهما في الوطن، يبدو المستقبلان، على حد سواء، نوعًا واحدًا من الخسارة.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: