اليمن: سياحة بديلة وتكلفة أقلّ... الأماكن الطبيعية ملاذ اليمنيين للترفيه في زمن الحرب
يمن فيوتشر - رصيف22- عبدالله علي: الجمعة, 24 فبراير, 2023 - 06:41 مساءً
اليمن: سياحة بديلة وتكلفة أقلّ... الأماكن الطبيعية ملاذ اليمنيين للترفيه في زمن الحرب

في خضم أحداث الحرب وتدهور القطاع السياحي وصعوبة الوصول إلى الأماكن السياحية، لجأ اليمنيون إلى تحويل المناطق الطبيعية إلى متنزهات للترفيه عن أنفسهم بأقل التكاليف، إذ بدأ الكثيرون بزيارة أماكن كانوا يتجاهلونها لوجود البدائل قبل اندلاع الحرب.

خلال السنوات الماضية تسببت الحرب بمقتل مئات الآلاف من المدنيين في حين أدى قصف الطيران إلى تدمير الحدائق والمنتزهات السياحية وتدمير البنية التحتية، وإغلاق المطارات والطرق الرئيسية بين المحافظات، وانعكس ذلك سلباً على القطاع السياحي بشكل ملحوظ.

يقول أستاذ البيئة بجامعة الحديدة الدكتور عبدالقادر الخراز لرصيف22: "زيارة الأماكن الطبيعية والسياحة فيها، هي أحد الحلول التي لجأ إليها اليمنيون. المواطن اليمني يحاول البحث عن متنفس، لذلك يذهب لما هو أقرب وأسهل"، موضحاً أن السياحة في اليمن غالبيتها طبيعية في الجبال والوديان.

ويضيف: "أثرت الحرب وانعكاساتها السلبية بشكل كبير على القطاع السياحي وحركة المواطنين، وجعلتهم يتوجهون إلى المناطق التي يستطيعون الوصول إليها من غير صعوبات وبتكلفة مالية ونفسية أقل".


طبيعة ساحرة وتكاليف قليلة

مع هطول الأمطار وتدفق الشلالات صيفاً في محافظة إب جنوب صنعاء، يذهب شهاب ناصر (50 عاماً) مع أفراد عائلته إلى هناك من أجل مشاهدة المناظر الطبيعية دون الحاجة إلى إنفاق الكثير من المال، فمعظم الأنشطة السياحية هناك مجانية.

ناصر، أب لثمانية أطفال، أجبرته الحرب في مدينة تعز جنوب غربي اليمن على النزوح، فقدم مع أسرته إلى مدينة إب مطلع عام 2016 واستقر فيها، ويعمل حالياً سائق حافلة داخل المدينة المكتظة بالسكان.

زار ناصر برفقة الأسرة شلال المشنة في صيف عام 2022، وقال لرصيف22: "ما يُميز هذه المدينة هو سحر الطبيعة الخلابة، حيث الشلالات المائية المتدفقة في الوديان، وحُلتها الخضراء تُنسيك ويلات الحرب والنزوح".

بالنسبة لناصر فإن زيارة كهذه لم تكلفه سوى 10 آلاف ريال يمني (ما يعادل نحو 15 دولاراً بسعر الصرف في صنعاء)، في حين أنه لو فكر في السياحة إلى مدينة أخرى مثل عدن، فسوف يحتاج إلى نحو 200 ألف ريال تكاليف النقل والسياحة لنصف يوم فقط.
المناطق الطبيعية في إب هي موسمية خلال الصيف، وما تزال بحاجة إلى رعاية وحماية واهتمام وتوفير الخدمات بشكل جيد، لكن مع كل ذلك يقول ناصر: "مناخ المدينة المعتدل وسحر الطبيعة أنسيانا مشقة السفر وجعلانا في غنى عن البحث عن مناطق سياحية أخرى"، مشيراً إلى أن الحرب حرمت المواطنين من زيارة العديد من المناطق السياحية المنتشرة في الكثير من المدن اليمنية.

وخلال السنوات الماضية كانت إب ملاذ الزائرين من مختلف المحافظات خصوصاً خلال فصل الصيف للاستمتاع بالشلالات والأنهار المنتشرة في المدينة، مثل شلال المشنة وشياحة ووادي بنا ووادي عنا والعرش وغيرها.

تماماً مثل ناصر تمكنت نادية عادل، (35 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، من زيارة شلال المشنة برفقة زوجها وأطفالها وقضت لحظات "لا تنسى"، وفق تعبيرها.

تعيش نادية في إب، وكانت قبل اندلاع الحرب تذهب إلى السياحة في مدينة عدن جنوب اليمن، لكن عقب تدهور الأوضاع الاقتصادية وإغلاق الطرقات الرئيسية بين المحافظات، فإن الأماكن الطبيعية كانت ملاذها الوحيد. تقول لرصيف22: "شلال المشنة من أجمل الأماكن الطبيعية التي أصبح اليمنيون يأتون إليه من مختلف المناطق".

وتضيف: "الحرب المستمرة جعلت المواطن يبحث عن وسائل بديلة وبسيطة للترفيه، لإدخال البهجة إلى قلبه، ومنها الذهاب إلى الشلالات والجبال والوديان والمدرجات الزراعية".

وتجدر الإشارة إلى أن مدينة إب التي أحكم الحوثيون سيطرتهم عليها في خريف 2014، لم تشهد مواجهات عسكرية خلال السنوات الماضية، وهو ما جعلها ملاذاً للكثير من النازحين الهاربين من ويلات الحرب في محافظتي الحديدة وتعز اللتين تشهدان حرباً منذ سنوات بين الحوثيين والقوات الحكومية.

 


وسائل بسيطة بلا خدمات

على بعد 70 كيلومتراً تقريباً من العاصمة اليمنية صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بحيرة صغيرة تعرف باسم "سيان"، يتوافد اليها اليمنيون من أماكن بعيدة، فهي تستقطب عدداً كبيراً من الزوار للاستمتاع بالمناظر الخلابة، خصوصاً عقب إضافة زوارق وقوارب صغيرة في المسطح المائي يمكن للزائرين التجول بها.

أحمد غالب (40 عاماً)، أحد سكان صنعاء، زار البحيرة مع أفراد عائلته في أواخر تموز/ يوليو 2022. يقول لرصيف22: "سد سيان وجهة سياحية لجميع سكان صنعاء، الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن زيارة أماكن سياحية في عدن ومأرب وشبوة وحضرموت، نتيجة إغلاق الطرقات الرئيسية بين المحافظات، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وتدني مستوى الدخل بفعل توقف العديد من الأعمال وانقطاع الرواتب الحكومية للعام السابع على التوالي".

بالإضافة إلى بحيرة سيان، ثمة مناطق سياحية أخرى في ريف صنعاء، مثل شلال بني مطر، ويقول الشاب العشريني إبراهيم ناجي إنه وجد في هذا الشلال متنفساً للترفيه برفقة زملائه، ويضيف في حديثه لرصيف22: "الزيارة إلى منطقة بني مطر لا تحتاج إلى الكثير من المال وهو عامل مهم بالنسبة إلينا".

لكن أستاذ البيئة الخراز يلفت إلى أن هذه المناطق السياحية تعاني من شح الاهتمام والحماية والحفاظ على سلامة الزائرين نتيجة غياب دور السلطات المعنية في مراقبتها والعناية بها على نحو مستمر.

 


الحرب والتغيرات المناخية

كما هو الحال مع العديد من جوانب الحياة في اليمن، لم يكن القطاع السياحي بعيداً عن تأثيرات الحرب التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، إذ تشير تقارير إلى تكبد القطاع السياحي في اليمن خسائر فادحة خلال السنوات الماضية، تجاوزت تكاليفها 12 مليار دولار أميركي.

في هذا السياق تقول الصحافية نجوى حسن لرصيف22: "قبل اندلاع الحرب في البلاد كان اليمنيون يستطيعون الوصول إلى كل الأماكن والمناطق السياحية بمختلف المحافظات من دون عراقيل أو تكاليف ضخمة، لكن عقب اندلاع الحرب وتدمير البنية التحتية وتدهور القطاع السياحي تغير هذا الواقع".

وتشير إلى أن الحرب المستمرة في البلاد منذ سنوات انعكست سلباً على مختلف الأصعدة، وتسببت بحالة ركود غير مسبوقة في القطاع السياحي، وتضيف: "الكثير من المناطق السياحية التي كان يتوافد اليها الزائرون قبل الحرب، أصبحت خالية، في حين حل الدمار في أخرى. إلى جانب ذلك أغلقت العديد من الطرقات الرئيسية بين المحافظات، ناهيك بمشاكل التفلت الأمني وتدهور الأوضاع الاقتصادية وغيرها من المشاكل والصعوبات التي تقف عائقاً أمام ازدهار السياحة في البلاد".

يوافقها في الرأي الدكتور الخراز: "تأثرت السياحة في اليمن بشكل كبير بسبب الحرب. اليوم نتحدث عن سياحة داخلية فقط، لكن دون وجود أرقام دقيقة ورسمية للدخل الناتج عنها، إلى جانب غياب البنية التحتية الخاصة باستقبال الزوار وتوفير الخدمات بشكل جيد. أما قدوم السياح من خارج اليمن، فهو قطاع متدهور أصلاً من قبل اندلاع الحرب".

أما عن تأثر السياحة بالتغيرات المناخية، فيقول الخراز: "مع التدخلات البشرية والصناعة والتلوث الهوائي وانبعاثات غاز الكربون من الصناعات، تسرعت وتيرة التغيرات المناخية وأصبحت أكثر حدة في المناطق الساحلية بشكل خاص، إذ يحدث ارتفاع في مستوى سطح البحر وغمر الكثير من المناطق الساحلية بالمياه".

ومن التغيرات المناخية التي تؤثر على السياحة، يشير الخراز إلى حدوث تغير في مواسم الأمطار، سواء من حيث الشدة المطرية أو الجفاف، "فنجد أن المناطق الجبلية تشهد أمطاراً شديدة تؤثر على البنية التحتية وتدمر الطرقات، ومع غياب الدولة ودورها الفاعل تكون المشكلة أكبر".

وفي ظل تدهور السياحة والمخاوف من تأثيرات التغيرات المناخية يرى الخراز بأن "اليمن بحاجة إلى الاستقرار ووجود الدولة بكل قدراتها وكوادرها المؤهلة وليس الفاسدة"، مشيراً إلى أن البلاد تعاني من الفساد المتعاقب وذلك حسب قوله أشد تأثيراً من أي تغيرات مناخية.

ويختم: "في حال توقفت الحرب ونجحنا في القضاء على الفساد، من السهل معالجة معظم المشاكل التي يواجهها القطاع السياحي، والقدرة على مقاومة التغيرات المناخية سوف تحدث لا محال، لكن مع وجود الدولة والوعي السكاني من الممكن التكيف معها".


التعليقات