قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن الحرب في اليمن على مدى 12 عامًا أعادت تشكيل الدولة ومؤسساتها وموازين السلطة والمجتمع، وأحدثت تحولات عميقة في أنماط السيطرة على الأرض والموارد والعلاقة بين السلطات والمواطنين.
جاء ذلك في تقرير حقوقي تحليلي موسع بعنوان «الحرب التي غيّرت اليمن»، يقع في 244 صفحة ويتناول مسار النزاع منذ عام 2014، محاولًا تجاوز توثيق الانتهاكات المنفردة إلى تحليل التحولات التي خلفتها الحرب في بنية الدولة والمجتمع والحقوق.
وقالت المنظمة إن آثار الحرب لم تعد تقاس فقط بأعداد القتلى والجرحى والنازحين وحجم الدمار، بل امتدت إلى مؤسسات الدولة ووظائفها، وأنتجت مراكز قوى وسلطات أمر واقع واقتصادات وخطابات وذاكرات متنافسة، وأعادت رسم العلاقة بين السلطة والمواطن.
ويتناول التقرير، المكون من 14 فصلًا، تحولات الدولة ومؤسساتها والانقسام الجغرافي والسيادي، وكلفة الحرب على المدنيين، والاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب والسجون غير القانونية، إلى جانب الإفلات من العقاب واقتصاد الحرب وعسكرة الأطفال ونهب الممتلكات وتفجير المنازل.
ويرى التقرير أن الحرب لم تعد مجرد تعاقب للمعارك، وإنما تحولت إلى عملية ممتدة أعادت توزيع وظائف الدولة بين السلطات الرسمية وسلطات الأمر الواقع والتشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ المحلية والخارجية، بحيث أصبح موقع إقامة اليمني مؤثرًا في السلطة التي تحكمه، والقواعد التي يخضع لها، ومستوى الخدمات والحماية المتاحة له.
كما يرصد التقرير التحولات التي طرأت على المجتمع والفضاء المدني والهوية والذاكرة، وتأثير النزاع على النساء والأطفال والتعليم والصحة والنسيج الاجتماعي، مشيرًا إلى تصاعد الاستقطاب السياسي والمناطقي والسلالي والمذهبي وخطاب الكراهية، وما تركه ذلك من آثار على الثقة الاجتماعية وإمكان بناء سردية وطنية مشتركة.
وفي الجانب الحقوقي، يوثق التقرير أنماطًا واسعة من الانتهاكات، بينها القتل والإصابة والقصف والقنص والألغام والنزوح والتهجير وتدمير الممتلكات، إضافة إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات التي قال إنها تفتقر في بعض الحالات إلى ضمانات العدالة.
وقالت سام إن التقرير استند إلى قاعدة المعلومات التي راكمتها المنظمة خلال سنوات النزاع، وإفادات الضحايا وذويهم والشهود والمحامين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فضلًا عن الوثائق القضائية والطبية والإدارية والصور والمواد الداعمة وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والبيانات الرسمية والدراسات والمصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها.
وأوضحت المنظمة أن التقرير لا يمثل حصرًا شاملًا لجميع الانتهاكات والخسائر التي شهدها اليمن، وأن الأرقام والوقائع الواردة فيه تعكس ما أمكن توثيقه والتحقق منه، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق وأماكن الاحتجاز، ومخاوف الانتقام، وانقسام المؤسسات والسجلات الرسمية وتفاوت جودة البيانات.
ويطرح التقرير سؤالًا يتجاوز توثيق الحرب إلى بحث آثارها بعيدة المدى: ما الذي دمرته الحرب، وما الذي فاقمته، وما الذي أنشأته، وأي من التحولات التي أحدثتها يمكن عكسه، وأيها قد يتحول إلى بنية دائمة في اليمن.
ويخلص التقرير إلى أن الانتقال من الحرب إلى السلام لا يتوقف على وقف إطلاق النار، بل يتطلب استعادة سيادة القانون والمؤسسات، وكشف مصير المفقودين والمخفيين قسرًا، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح مؤسسات الأمن والقضاء، ومواجهة خطاب الكراهية، ووضع العدالة الانتقالية في صميم أي تصور لمستقبل البلاد.