تحليل: اليمن في حسابات إيران الجديدة.. الحوثيون وباب المندب في المرحلة المقبلة من "محور المقاومة"
يمن فيوتشر - معهد الشرق الأوسط - ندوى الدوسري، أرمان محموديان- ترجمة خاصة الاربعاء, 30 سبتمبر, 2026 - 07:51 صباحاً
تحليل: اليمن في حسابات إيران الجديدة.. الحوثيون وباب المندب في المرحلة المقبلة من

أظهر اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 القيمة الاستراتيجية للممرات البحرية الضيّقة في مواجهة الجمهورية الإسلامية مع الولايات المتحدة. لكن مع ما يبدو أن استراتيجية طهران في استخدام مضيق هرمز للضغط على واشنطن بدأت تأتي بنتائج عكسية، بسبب الأضرار المتزايدة التي تلحقها بالاقتصاد الإيراني نفسه، حيث تعمل إيران مع الحوثيين على تعزيز نفوذها على ممر بحري استراتيجي آخر، هو باب المندب. وينبغي النظر إلى التصعيد الأخير في اليمن في هذا السياق.
ومع تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، واحتدام الأعمال العدائية مجددًا في منطقة الخليج في أواخر يوليو/تموز، بدأ الحوثيون بنشر الطائرات المُسيّرة والصواريخ في مناطق يمنية مطلة على البحر الأحمر، وتعزيز قدراتهم البحرية على امتداد الساحل، استعدادًا لاستئناف الهجمات البحرية. وفي الوقت نفسه، تحركت إيران لتعميق وصولها العسكري واللوجستي إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، بما في ذلك من خلال إنشاء خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء.
و أظهر الحوثيون القيمة الاستراتيجية لنقطة الضغط الثانية هذه من خلال إعلان حصار بحري على السفن السعودية في البحر الأحمر، ومهاجمة ناقلات النفط السعودية، ثم استهداف منشآت شركة أرامكو في ينبع وجيزان. وجاء هذا التصعيد في وقتٍ تعتمد فيه الرياض بصورة متزايدة على خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزةً بذلك مضيق هرمز. ومن ثم، أسهم استثمار إيران طويل الأمد في الحوثيين في جعل باب المندب، الذي تمر عبره عادةً نحو 12% من حركة التجارة العالمية، مصدرًا ثانيًا للضغط والنفوذ على التجارة العالمية وأمن الطاقة الإقليمي، إلى جانب منطقة الخليج.
ومنذ أواخر أغسطس/آب، يشن الحوثيون هجومًا باتجاه جنوب غربي اليمن وباب المندب. وفي 9 سبتمبر/أيلول، سيطروا على المخا، وهي مدينة ساحلية وميناء رئيسي على الساحل الغربي لليمن، تقع على بُعد نحو 50 ميلًا شمال المضيق. وبحلول 11 سبتمبر/أيلول، أفادت تقارير بأن قوات الجماعة أصبحت تسيطر على عدد من الجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، من بينها بريم (المعروفة أيضًا باسم جزيرة ميون)، الواقعة عند مدخل باب المندب.
ويخدم هذا الهجوم الهدف طويل الأمد للحوثيين المتمثل في توسيع نطاق سيطرتهم داخل اليمن، لكنه يعزز أيضًا قدرتهم على تهديد هذا الممر المائي الاستراتيجي. ومع تصدي القوات الحكومية اليمنية لهم بدعم سعودي متزايد، أعاد الحوثيون إشعال حملتهم ضد السعودية، مستخدمين الهجمات على المملكة وبنيتها التحتية للطاقة لرفع كلفة الدعم الذي تقدمه الرياض لخصومهم اليمنيين. وهكذا، تتعاضد الأهداف الداخلية والإقليمية للحوثيين وتدعم إحداها الأخرى.
وفي الوقت نفسه، يخدم ذلك الاستراتيجية الأوسع لطهران؛ إذ إن ترسيخ موقع حليفها حول باب المندب يمنح إيران مصدرًا إضافيًا للضغط على الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، في وقتٍ تتزايد فيه القيود المفروضة على قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، بفعل حصار بحري أمريكي مضاد بدأ بدوره يخنق الاقتصاد الإيراني.

 

 

• من الاستراتيجية إلى التنفيذ

في 6 يونيو/حزيران، تحدث (علي أكبر ولايتي)، مستشار الشؤون الدولية للمرشد الأعلى الإيراني الراحل، عن «معادلة جديدة للقوة» في الشرق الأوسط، وشدد على أهمية مضيق هرمز ضمن هذه المعادلة. وبعد يومين، في 8 يونيو/حزيران، تحدث اللواء (إسماعيل قاآني)، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، عن «حزام أمني» آخذ في التشكل لمحور المقاومة، وهو المصطلح الذي تستخدمه إيران للإشارة إلى شبكة حلفائها من الجهات الحكومية وغير الحكومية في العراق ولبنان واليمن وغيرها.
وبحسب قاآني، سيمتد هذا الحزام الأمني الجديد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر. ولتحقيق هذا الهدف الإيراني المتمثل في إغلاق الممرات البحرية الاستراتيجية واستخدامها للضغط على واشنطن وشركائها الإقليميين المقربين من الولايات المتحدة، تعتمد طهران بصورة متزايدة على حليفها في اليمن، الحوثيين.
وقد أكد الحوثيون مرارًا دعمهم لإيران ولمحور المقاومة طوال فترة الحرب. ففي مارس/آذار، وصف زعيم الحوثيين (عبد الملك الحوثي) الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران بأنها «حرب على الإسلام والمسلمين»، وأعلن أن الحوثيين يقفون إلى جانب إيران وأنهم «مستعدون لكل التطورات في هذه المعركة». وسرعان ما كثفت إيران دعمها للحوثيين، بصورة علنية وفي تحدٍّ للحكومة اليمنية والمجتمع الدولي.
و في 3 يوليو/تموز، هبطت طائرة تابعة لشركة ماهان إير الإيرانية في صنعاء للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وكانت الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء قد توقفت منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية في مارس/آذار 2015. ونقلت طائرة ماهان إير وفدًا حوثيًا إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني (آية الله علي خامنئي) وإقامة جنازته الرسمية.
وجاءت الرحلة بعد أكثر بقليل من أسبوعين على توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، وهي اتفاقية كان من شأنها أيضًا أن تمهّد الطريق لاستئناف المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني. واتهم الحوثيون السعوديين بإرسال طائرات مقاتلة للتحليق فوق صنعاء بهدف منع الطائرة الإيرانية من الهبوط. وأعلنوا أن الرحلات المباشرة بين طهران وصنعاء ستستمر، محذرين من أن أي محاولة سعودية مستقبلية لوقفها ستُقابل «برد شامل يستهدف المطارات والمصالح الحيوية برًا وبحرًا».
وبعد أقل من أسبوعين، أرسلت إيران طائرة ثانية تابعة لماهان إير لإعادة الوفد. وعندما استهدفت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مطار صنعاء الدولي لمنع الطائرة من الهبوط، غيّرت طهران مسار الرحلة وحوّلتها إلى الحديدة، في مؤشر على إصرارها على إقامة خط جوي مباشر، رغم التحذيرات المتكررة.
وإلى جانب الوفد الحوثي، تشير تقارير إلى أن رحلات ماهان إير نقلت إلى اليمن قادة في الحرس الثوري الإيراني، ومستشارين عسكريين، وقطعًا للصواريخ والطائرات المُسيّرة. وبحلول أوائل سبتمبر/أيلول، قدّر مسؤولون أمريكيون أن مئات من ضباط الحرس الثوري الإيراني كانوا يعملون في اليمن إلى جانب الحوثيين، ويدعمون عملياتهم العسكرية الرامية إلى السيطرة على باب المندب.
و وفّى زعيم الحوثيين (عبد الملك الحوثي) بتهديداته بالرد، فأعلن فرض حصار على حركة الشحن السعودية في البحر الأحمر، ثم وسّع الهجمات لتشمل مطار أبها الدولي في السعودية، فضلًا عن منشآتها البحرية وقطاع الطاقة فيها. وبعيدًا عن كونه مجرد خطاب، يبدو أن تصريح عبد الملك الحوثي قد رسم سُلّمًا للتصعيد بوصفه جزءًا من استراتيجية إيران الأوسع.

 

 

• من المواجهة إلى ترسيخ المكاسب

لا ينبغي النظر إلى تهديد الحوثيين باستخدام القوة ضد السعودية لحماية خطهم الجوي الذي أُعيد تشغيله حديثًا مع إيران بمعزل عن السياق الأوسع. بل يعكس هذا التهديد سمةً أوسع من سمات الاستراتيجية الإيرانية المتطورة، تتمثل في الاستخدام المتزايد التنسيق لمحور المقاومة، بهدف تحويل فترات المواجهة إلى فرص لترسيخ المكاسب، وإعادة تشكيل الحقائق على الأرض، وتعزيز النفوذ الإيراني على المستوى الإقليمي.
وفي حال استمر هذا الممر الجوي، فإنه سيمنح إيران وصولًا أسهل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، بما يسهّل نقل أفراد الحرس الثوري والمستشارين، ويعزز في الوقت نفسه الترابط السياسي واللوجستي والعملياتي الذي يرسّخ حضور إيران ونفوذها في البلاد. وعلى نطاق أوسع، يعكس هذا المسعى هدفًا إيرانيًا مستمرًا منذ سنوات يتمثل في تحويل محور المقاومة من شبكة صُممت أساسًا للردع غير المتكافئ، إلى «جبهة مقاومة موحّدة» (وحدة الساحات) أكثر ترابطًا وتنسيقًا، وقادرة على تنسيق الضغوط العسكرية والسياسية والاستراتيجية عبر ساحات متعددة.
وأظهرت الحرب الأخيرة مدى التقدم الذي أحرزه هذا التحول. فمع سعي إيران وحلفائها إلى توسيع نطاق الصراع مع الولايات المتحدة، فتح حزب الله جبهة جديدة ضد إسرائيل، ودخل الحرب من لبنان تحت شعار الانتقام لمقتل آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في ضربة إسرائيلية مع اندلاع الحرب. وفي الوقت نفسه، وسّعت الميليشيات العراقية نطاق الصراع من خلال شن هجمات على القوات والمصالح الأمريكية في العراق وسوريا والأردن ومنطقة الخليج. وأظهرت هذه الهجمات قدرة طهران على تفعيل عدة أطراف من محور المقاومة في آن واحد، وتعبئتها لتحقيق أهداف مشتركة.
وعلى الرغم من أن هذه التحركات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في ميزان القوى لصالح إيران، إلا أنها رفعت بصورة كبيرة الكلفة المتصوَّرة لأي تصعيد إضافي. ومن الناحية الاستراتيجية، أظهرت هذه التحركات أن الصراع يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة وينزلق إلى أزمة أوسع نطاقًا تهدد المنطقة بأكملها.
ومن خلال استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، ثم توسيع هذا الضغط القسري ليشمل باب المندب عبر الحوثيين، تسعى طهران إلى الضغط على واشنطن لتقديم تنازلات في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم، بما في ذلك الإقرار بالدور القيادي لإيران في الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز.

 

 

• الحوثيون والاستراتيجية الإقليمية الإيرانية المتطورة

ظل دور الحوثيين خلال الأشهر الأولى من الحرب محدودًا في شن ضربات متفرقة ضد إسرائيل والتهديد بعرقلة حركة الملاحة البحرية. وكثيرًا ما فُسّر ذلك باعتباره دليلًا على أن الجماعة تسعى إلى تجنب الانخراط في صراع إقليمي مكلف، لكن نظرة أعمق تشير إلى تفسير مختلف. فقد يكون انخراط الحوثيين المحدود في البداية انعكاسًا لحسابات إيرانية رأت أن التعبئة الكاملة للجماعة لن تحقق قيمة استراتيجية تُذكر، وليس نتيجة إحجام من جانب الحوثيين عن الانخراط في الصراع.
ومن خلال التفعيل المنسق لحزب الله والميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران، كانت طهران قد عززت بالفعل موقفها التفاوضي مع واشنطن، وتمكنت في نهاية المطاف من التوصل إلى وقف لإطلاق النار ومذكرة تفاهم، من دون فتح جبهة باب المندب. وبدلًا من استنزاف أحد أهم أصولها الإقليمية قيمةً دون ضرورة، ربما تعمدت إيران الإبقاء على الحوثيين لاستخدامهم في دور أكثر استراتيجية مستقبلًا.
وبعد وقتٍ قصير من توقيع إيران مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في يونيو/حزيران، وصف قائد فيلق القدس قاآني مضيق باب المندب بأنه إحدى «أوراق الفوز» التي يمتلكها محور المقاومة، محذرًا من إمكانية الكشف عن قدرات إضافية إذا اقتضت الضرورة. وتكمن أهمية هذا التصريح بدرجة أقل في التهديد الموجّه إلى حركة الملاحة البحرية، وبدرجة أكبر في ما يكشفه عن طريقة تفكير إيران؛ إذ تنظر طهران إلى الحوثيين ليس فقط باعتبارهم قوة قادرة على تعطيل حركة الشحن، وإنما أيضًا باعتبارهم منصة تستطيع من خلالها الحفاظ على المرحلة المقبلة من محور المقاومة وتنسيقها وتوسيع نطاقها.
وبالمثل، قدّم الحوثيون دورهم في إطار إقليمي واضح. ففي يونيو/حزيران، قال عبد الملك الحوثي إن الجماعة تعمل في «تنسيق كامل» مع الأطراف الأخرى في المحور، وإنها مستعدة للرد على أي تصعيد. وقبل ذلك، حذّر المتحدث العسكري باسم الحوثيين (يحيى سريع)، من أن «أصابع الجماعة على الزناد للتدخل العسكري المباشر» إذا استُخدم البحر الأحمر لشن هجمات على إيران.
ومن ثم، فإن سقوط المخا مؤخرًا ودفع الحوثيين باتجاه الجنوب نحو باب المندب يمثلان ترجمةً عملية لتلك التهديدات.
و تستند هذه الجهود إلى استراتيجية تطورت على مدى العقد الماضي. وقبل وقتٍ طويل من اندلاع الحرب الحالية، كانت طهران تعمل بالفعل مع الحوثيين لتوسيع نفوذ إيران في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بالتوازي مع تعزيز القدرات البحرية للجماعة تدريجيًا. ووفقًا للخبير في شؤون الحوثيين (عدنان الجبرني)، بدأت إيران تدريب عناصر حوثية على الحرب البحرية منذ عام 2014.
وكان اليمن قد أصبح ذا أهمية بالغة بالنسبة لإيران، إلى درجة أن (عبد الرضا شهلائي)، وهو قائد بارز في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، كان، وفق تقارير، موجودًا بالفعل في صعدة بحلول يناير/كانون الثاني 2014. وبحسب أحد شيوخ القبائل البارزين في المحافظة، أُسند إليه الإشراف على الملف اليمني وعمليات تجنيد الحوثيين وتدريبهم وتسليحهم وعملياتهم العسكرية. ويبدو أنه أمضى وقتًا طويلًا في المنطقة، وأدى دورًا محوريًا في تعميق العلاقات بين إيران والجماعة اليمنية.
وبحسب الجبرني، فإن استثمار إيران في الحوثيين «دخل مرحلة أكثر استراتيجية في عام 2019، من خلال تزويد الجماعة بقدرات مضادة للسفن وأنظمة بحرية وألغام بحرية، إلى جانب نشر خبراء لتكييف الصواريخ لاستخدامها في المجال البحري». ومنذ عام 2021، بدأ الحوثيون في استعراض هذه القدرات البحرية المتطورة بصورة متزايدة وعلى نحوٍ علني.
كما شكّل الاستثمار الإيراني في الحوثيين جزءًا من تطور أوسع في استراتيجيتها الإقليمية. فعلى مدى العقد الماضي، عملت طهران تدريجيًا على تحويل محور المقاومة من شبكة تقوم على نمط المركز والأطراف إلى منظومة أكثر تكاملًا وترابطًا.
وبدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على نقل الأسلحة وتقديم الدعم المالي، زادت إيران استثماراتها في التكنولوجيا والخبرات وشبكات التوريد وقدرات التصنيع والمعرفة العملياتية، بما يمكّن حلفاءها من تطوير قدرات خاصة بهم، ويعزز في الوقت نفسه قدرتهم على دعم بعضهم بعضًا.
و تتجلى نجاحات هذا النهج بالفعل في قدرة الحوثيين على بناء روابط في منطقة القرن الأفريقي بمبادرة منهم، وإن كان ذلك بدعم متواصل من طهران. فمنذ عام 2023، أشارت تقارير إلى تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب، التابعة لتنظيم القاعدة والمتمركزة في الصومال. وبحسب التقارير، تلقى مئات من مقاتلي حركة الشباب تدريبات في اليمن، في حين أُرسل عناصر حوثيون إلى الصومال لتقديم التدريب على تطوير الطائرات المُسيّرة وتصنيع العبوات المتفجرة. وإلى جانب التعاون مع حركة الشباب، يعمل الحوثيون على تجنيد عناصر وشبكات نفوذ من مجتمعات مختلفة في أنحاء القرن الأفريقي، بما يمهّد لبناء شبكات سياسية ولوجستية وعملياتية طويلة الأمد في المنطقة.
علاوة على ذلك، يؤدي الحوثيون دورًا متزايد الأهمية في دفع أهداف إيران في السودان. فعقب اندلاع الحرب الأهلية في عام 2023، أعادت طهران علاقاتها مع الخرطوم، وسعت إلى إنشاء قاعدة بحرية دائمة على ساحل السودان المطل على البحر الأحمر، بالتزامن مع توطيد علاقاتها مع فصائل إسلامية متحالفة مع القوات المسلحة السودانية. وتشير تقارير حديثة إلى نشر عناصر حوثية في السودان إلى جانب أفراد من الحرس الثوري الإيراني، لتدريب هذه الفصائل على تصنيع الطائرات المُسيّرة وتشغيلها. كما يُزعم أن الحوثيين نقلوا أسلحة إليها نيابةً عن إيران.

 

 

• إنشاء ممر عبر اليمن

عززت حرب إيران عام 2026 الأهمية المتزايدة لباب المندب والبحر الأحمر في الاستراتيجية الإقليمية لطهران. وتشير الجهود الإيرانية الرامية إلى إقامة خطوط جوية مباشرة مع المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، وتوسيع نطاق العمليات التي يستطيع الحوثيون تنفيذها وقدرتهم على تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتعزيز حضورهم في منطقة القرن الأفريقي، إلى هدف أوسع يتمثل في إنشاء ممر لوجستي وعملياتي مستدام يتمحور حول اليمن.
وفي نهاية المطاف، يتيح هذا الممر الآخذ في التشكل لطهران تهديد الملاحة وتعطيلها عند كل من مضيق هرمز وباب المندب، وامتلاك أوراق ضغط على حصة أكبر بكثير من حركة شحن الطاقة والتجارة العالمية مما يمكن لأي من الممرين الاستراتيجيين أن يوفره بمفرده.
وتعمل طهران بالفعل على تحويل هذه الاستراتيجية إلى أداة ضغط وإكراه. ويُظهر الانتقال السريع من إعلان حصار الشحن البحري السعودي إلى مهاجمة ناقلات النفط السعودية ومنشآت الطاقة في المملكة أن باب المندب لم يعد مجرد خيار احتياطي لأزمات مستقبلية، بل أصبح أداة فاعلة في الاستراتيجية الإيرانية، بما يتسق مع تقارير سابقة أفادت بأن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب في حال شنّ الولايات المتحدة ضربات على البنية التحتية الإيرانية.
والمنطق الاستراتيجي هنا واضح: إذا سعت واشنطن إلى جعل الحصار الإيراني لمضيق هرمز غير قابل للاستمرار اقتصاديًا، فستحاول طهران بدورها جعل الضغوط الأمريكية المستمرة أكثر كلفة، من خلال توسيع التداعيات الاقتصادية للمواجهة إلى ما يتجاوز الخليج العربي، وإجبار الولايات المتحدة على التعامل مع أزمتين بحريتين رئيسيتين في آن واحد.
و في حين انصبّ الاهتمام الدولي حتى الآن بصورة رئيسية على مضيق هرمز والأنشطة النووية الإيرانية، تعمل طهران ومحور المقاومة على التكيف مع مرحلة ما بعد الحرب، وتهيئة الأرضية للمرحلة المقبلة من التنافس الإقليمي. ولم يكن ينبغي بأي حال من الأحوال تفسير الدور المحدود الذي قام به الحوثيون حتى الآن في الحرب مع إيران على أنه تراجع في مستوى التهديد الذي يمثلونه، وهو ما يتضح جليًا من استيلائهم المزعوم على جزيرة بريم في منتصف سبتمبر/أيلول.
ويمتد التحدي الأكبر إلى ما هو أبعد من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، ليشمل البناء الهادئ لشبكة لا مركزية ومستدامة ذاتيًا، قادرة على تطوير قدرات عسكرية، ودعم عمليات الوكلاء، وإنشاء مصادر متعددة ومترابطة للنفوذ الاستراتيجي في مختلف أنحاء الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأحمر.
ويعتمد هذا النموذج بدرجة أقل على الدعم الإيراني المباشر والعلني، ويتمتع بقدر أكبر من القدرة على الصمود؛ ما يجعله قادرًا بصورة متزايدة على الاستمرار حتى في حال فقدان بعض الشركاء أو تراجع قدراتهم. وبالتالي، يصبح تعطيل هذه الشبكة أكثر صعوبة بكثير من خلال الضغوط العسكرية أو الاقتصادية التقليدية.

 

لقراءة التحليل من موقعه الأصلي عبر الرابط التالي: 

https://mei.edu/publication/yemen-the-houthis-role-in-the-next-evolution-of-the-axis-of-resistance/


التعليقات