تحليل: سيطرة الحوثيين على المخا ترسم مساراً جديداً للحرب والجغرافيا السياسية للبحر الأحمر
يمن فيوتشر - تشاتام هاوس- فارع المسلمي: الجمعة, 18 سبتمبر, 2026 - 05:45 مساءً
تحليل: سيطرة الحوثيين على المخا ترسم مساراً جديداً للحرب والجغرافيا السياسية للبحر الأحمر

سيطرت جماعة الحوثيين المسلحة مؤخراً على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية في جنوب غربي اليمن، وتقدمت على امتداد ساحل مضيق باب المندب. ويمثل ذلك أهم تحوّل في السيطرة على الأرض في اليمن منذ سنوات.
وبالنسبة إلى اليمن، يُنذر هذا الهجوم بإعادة إشعال حربٍ لم تنتهِ رسمياً قَطّ، لكنها شهدت تراجعاً كبيراً في حدة العنف منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022. أما على صعيد المنطقة، فالتداعيات هائلة أيضاً.

يمنح الموقع الجغرافي الجديد الحوثيين قُدرةً أكبر بكثير على التأثير في حركة الملاحة البحرية عبر باب المندب، الممر الضيّق الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه في نهاية المطاف إلى قناة السويس.
وإلى جانب تعطيل إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، باتت إيران وحلفاؤها يمتلكون القدرة على ممارسة الضغط عبر اثنين من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

كما شنّ الحوثيون هجمات داخل السعودية، استهدف بعضها البنية التحتية للطاقة، وأفادت تقارير بأنها أسفرت عن إصابة مدنيين. ويمثل ذلك أيضاً تصعيداً في الصراع، ويطرح تساؤلات أمام الرياض وحليفتها الولايات المتحدة.


•تشرذُم المعسكر المناهض للحوثيين
اندفعت قوات الحوثيين، التي تسيطر على معظم مناطق غرب اليمن، بسرعة على امتداد ساحل البحر الأحمر الأسبوع الماضي؛ مستفيدة من عنصري المفاجأة والاستعداد العسكري. في حين كشف انسحاب القوات الموالية للحكومة بجلاء عن حالة تشرذم ومشكلات في التنسيق.
وتضم القوى المناهضة للحوثيين مجموعةً متنوعةً من الجماعات المسلحة المستقلة، التي سبق أن حظيت بدعم جهات إقليمية مختلفة، وكانت لها طموحات سياسية متنافسة. ولم تنجح المحاولات السعودية منذ أوائل عام 2026 لجمع هذه الجماعات تحت هيكل قيادة أكثر تماسكاً، في محو آثار سنوات من الانقسام.
وفي الوقت نفسه، استغل الحوثيون فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة عام 2022 لتجنيد الأفراد وحشدهم، وتحسين قدراتهم المحلية على إنتاج الأسلحة، وتوسيع قدراتهم الصاروخية وفي مجال الطائرات المسيّرة. ونتيجةً لذلك، باتوا يمتلكون قدرات أكثر تطوراً من القوات الحكومية في عدة مجالات.


•باب المندب والبحر الأحمر والقرن الأفريقي
أما السؤال الملحّ الآن على الصعيد الدولي، فيتعلق بما يعتزم الحوثيون فعله بعد تعزيز موقعهم حول باب المندب.
أكد الحوثيون في السابق أنهم لا يعتزمون فرض رسوم عبور رسمية على السفن المارة عبر باب المندب، لكن ينبغي التعامل مع تأكيداتهم بشيء من الحذر. وتشير تقارير على أن الحوثيين، منذ بدء هجماتهم على حركة الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، يحصلون على رسوم بطرق غير رسمية من بعض وكالات الشحن مقابل ضمان المرور الآمن.
كما قال الحوثيون إنهم لا يستهدفون في البحر الأحمر سوى السفن المرتبطة بالسعودية، غير أن السفينة التي تحمل نفطاً سعودياً قد تكون مملوكةً، أو مشغَّلةً، أو مموَّلةً، أو مؤمَّنةً، أو مستأجرةً، من شركات في عدة دول مختلفة. وقد تكون أيضاً في طريقها لتسليم بضائع أو نفط إلى دول مختلفة. ولذلك، فإن هجماتهم على السفن المرتبطة بالسعودية تؤثر على مصالح تجارية تتجاوز السعودية بكثير، بما في ذلك مصالح في أوروبا والصين.
كما يغيّر تقدّم الحوثيين الحسابات الأمنية للدول التي لها مصالح استراتيجية في القرن الأفريقي. فلا تبعد جيبوتي سوى نحو 20 كيلومتراً عن جزيرة بريم، التي تفيد تقارير بأن الحوثيين باتوا يسيطرون عليها. وهذا يضع حركةً مسلحةً تمتلك قدرات متزايدة التطور في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ والعمليات البحرية على مسافة قريبة للغاية من بلد يستضيف قواعد عسكرية أميركية وصينية وفرنسية وإيطالية ويابانية. كما إن لدول أخرى، من بينها تركيا والإمارات العربية المتحدة، مصالح أمنية وتجارية كبيرة في المنطقة.
في الوقت الراهن، يُرجَّح أن تقوم حسابات الحوثيين على التصعيد المنضبط؛ أي تحويل الزخم العسكري إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية مِن دون استدراج ردٍّ دوليّ واسع قد يتسبب بخسارة مكاسبهم. لكن لم يعد من الممكن التعامل مع اليمن باعتباره ساحة صراع بعيدة.


•ترامب أمام خيار صعب
توعدت السعودية بالرد على هجمات الحوثيين على أراضيها. وكانت الرياض قد أبرمت مؤخراً معاهدة دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، لكن لا يبدو حتى الآن أنها طلبت علناً مساعدة أيّ منهما.
وكانت الولايات المتحدة، الحليف الوثيق للسعودية، قد توصلت إلى هدنة مع الحوثيين في أيار/ مايو 2025، بعد أن شنت غارات جوية على الجماعة رداً على هجماتها على حركة الملاحة في البحر الأحمر.
ويضع تقدم الحوثيين الأخير الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام معضلة صعبة؛ إذ تربط ترامب علاقة وثيقة بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ولا تزال للولايات المتحدة مصلحة أساسية في أمن السعودية. وفي الوقت نفسه، لدى واشنطن دوافع قوية لتجنّب الانخراط مجدداً في حرب مباشرة مع الحوثيين.
تمنح الهدنة القائمة كلا الطرفين أسباباً لضبط النفس. وبالنسبة إلى ترامب، يساعد الحفاظ على هذا الترتيب في إبقاء الولايات المتحدة بمنأى عن مواجهة عسكرية أخرى مكلفة في الشرق الأوسط، في وقت لا تزال فيه منخرطةً في أزمة مضيق هرمز.
ولدى الحوثيين، بالقدر نفسه، دوافع قوية لتجنُّب الانجرار إلى صراع مع الولايات المتحدة. فقد ألحقت بهم الحملة الجوية الأميركية عام 2025 أضراراً جسيمة، وليس من مصلحتهم تكرار تلك المواجهة.
ويخلق ذلك وضعاً غير مألوف؛ فلدى كل من واشنطن والحوثيين أسباب تدفعهما إلى تفادي مهاجمة أحدهما الآخر، حتى في الوقت الذي يزيد فيه الحوثيون الضغط على أحد أقرب شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
غير أنّ هذا التوازن قد لا يصمد. فإذا صعّد الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية، ولا سيما إذا حاولوا تنفيذ توغلات برية عبر الحدود، ولو محدودة، فقد تجد واشنطن نفسها منجرفةً نحو المواجهة.


•اليمنيون يدفعون الثمن الأكبر
وفي خضمّ التداعيات الجيوسياسية، تغيب حقيقة يمكن التنبؤ بها بسهولة بشأن تجدُّد الحرب، وهي أنّ اليمنيين أنفسهم هم من سيدفعون الثمن الأكبر.
يدخل البلد هذه المرحلة من الصراع في ظل مؤسسات منقسمة، واقتصاد دمرته حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، وتراجع الدعم الإنساني الدولي.
وفي تعز وحدها، أفادت تقارير بنزوح نحو 50 ألف شخص منذ 3 أيلول/ سبتمبر. أما في المخا، فتبدو التداعيات الإنسانية مثيرةً للقلق بوجه خاص. فمع انهيار المرافق الصحية أو تعذّر الوصول إليها، تشير تقارير إعلامية محلية إلى أن أكثر من 240 امرأةً حاملاً في المنطقة يواجهن خطر الولادة من دون الحصول على رعاية طبية متاحة وفاعلة.
كما سيؤدي أيّ اضطراب إضافي في عمل الموانئ والطرق وسلاسل الإمداد إلى ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والوقود في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
وفي حين أنّ هذا البعد الدولي الجديد لحرب اليمن يزيد من الأهمية الاستراتيجية للبلاد بالنسبة إلى العالم، فإنه ينبغي ألا يحجب معاناة اليمنيين العاديين.


•الحاجة إلى نهج دولي متماسك
دأبت الحكومات على التعامل مع المفاوضات السعودية الحوثية، والأمن البحري، ووصول المساعدات الإنسانية إلى اليمن، والمفاوضات مع إيران، والحكومة اليمنية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر على نطاق أوسع، باعتبارها قضايا منفصلة، لكن الاستمرار في هذا النهج بات يزداد صعوبةً.
وبات الحوثيون اليوم قادرين على التأثير في حركة الملاحة العالمية، وأسواق الطاقة، وأمن الخليج، والقرن الأفريقي، وحسابات القوى الكبرى.
 ولذلك، هناك حاجة إلى نهج دولي أكثر تماسكاً.
بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، ينبغي أن يشكّل التصعيد الأخير جرس إنذار؛ فلم يبلور المجلس سياسةً متماسكةً تجاه اليمن، متأثراً بالخلافات بين دول الخليج وتباين علاقاتها مع الفصائل اليمنية. لكن التقدم الذي أحرزه الحوثيون مؤخراً يؤثر في دول المجلس كافة، ما يستدعي نهجاً خليجياً مشتركاً.
كما ينبغي للتطورات الأخيرة أن تدفع إلى مراجعة الاعتقاد بإمكانية احتواء الحوثيين من خلال مجموعة من الترتيبات القائمة على المصالح الآنية. فقد تحمي اتفاقات ثنائية للأمن البحري سفن دولة بعينها، وقد تُهدِّئ المفاوضات إحدى الجبهات مؤقتاً، فيما يمكن للضربات العسكرية أن تُضعف قدرات محددة. لكن كل واحدة من هذه المقاربات تعمل بمعزل عن الأخرى، بينما لا يعمل الحوثيون بهذه الطريقة. فالحركة تؤدي في آنٍ واحد دور سلطة حاكمة، وجماعة مسلَّحة لادولَتِيّة، وحليف إقليمي لإيران، كما تمارس تأثيراً متزايد الأهمية في الأمن البحري.
وعليه، يكمن التحدي الرئيسي أمام صانعي السياسات في مدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية لبلوَرة نهج متماسك تجاه اليمن، يربط التسوية السياسية في البلاد بالقضايا الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. ففي نهاية المطاف، لا يؤدي تجاهل أزمة في اليمن إلى احتوائها، بل إن المسألة مسألةُ وقت قبل أن تتحوّل إلى أزمة دولية.

لقراءة التحليل من موقعه الأصلي:

https://www.chathamhouse.org/2026/09/houthis-capture-mocha-has-transformed-war-yemen-and-geopolitics-red-sea


التعليقات