التقارير الواردة من اليمن، التي تبدي تفاؤلًا وتصور الهجوم الجديد على الحوثيين على أنه قد يحقق نجاحًا، ربما تكون جزءًا من مسار لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وكان البعض قد افترض أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط ستقود إلى شرق أوسط جديد. ووفقًا لهذا التصور، فإن النظام الإيراني إما سينهار، أو سيُضعف إلى حدٍّ كبير بما يؤدي إلى تغيير المشهد في المنطقة بأكملها.
لكن النظام الإيراني صمد حتى الآن أمام الضربات التي تلقاها. ومن المحتمل ألا ينهار النظام، بل أن يواصل بقاءه، على نحو يشبه إلى حدٍّ كبير استمرار نظام (صدام حسين) طوال تسعينيات القرن الماضي.
وحتى إذا لم يسقط النظام الإيراني، فهذا لا يعني بالضرورة أن مسار التغيير سيتعطل. فعلى العكس، قد لا تتمكن إيران المحاصَرة والمُضعَفة من تقديم الدعم لوكلائها بالقدر نفسه الذي كانت تقدمه سابقًا.
وقد أصبح الحوثيون، إلى حدٍّ ما، «آخر من يصمد» بين وكلاء إيران. ويعود ذلك إلى أنهم لم يواجهوا حجم الضغوط أو القتال الذي واجهه الوكلاء الآخرون. فقد تعرّضت ترسانة حزب الله الصاروخية لتقليص كبير.
• تراجع كبير في قوة الفصائل الوكيلة لإيران
فقدت حركة حماس نصف قطاع غزة، إلى جانب عدد كبير من مقاتليها. ويمكن القول إن حماس وحزب الله قد تراجعا من حيث القوة إلى مستويات تقارب ما كانا عليه بين عامي 2002 و2006. ولا يزال كلاهما يشكّل تهديدًا، لكنهما لم يعودا كما كانا من قبل. وفي المقابل، شهدت تكنولوجيا الدفاع الإسرائيلية تطورًا هائلًا منذ حقبة 2002-2006.
وتبدو المناطق التي تسيطر عليها حماس وحزب الله اليوم محدودة للغاية، بالنظر إلى حجم الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، تبلغ مساحة إيران نحو 150 ضعف مساحة لبنان. ولا يسيطر حزب الله اليوم سوى على عدة مناطق في لبنان. وتكمن قوة حزب الله في الدعم الذي يحظى به داخل الأقلية الشيعية في لبنان.
كما يحظى الشيعة بدعم حركة أمل، وهي حزب سياسي آخر. وتعمل حركة أمل عمومًا على توفير غطاء سياسي لحزب الله، فتدعمه ضمنيًا في بعض الجوانب، أو على الأقل تتغاضى عن أنشطته. وُلد زعيم حركة أمل (نبيه بري)، عام 1938، ويتولى رئاسة مجلس النواب اللبناني منذ عام 1992. ومع تراجع قوة حزب الله واحتمال نشوء أزمة في قيادة حركة أمل، فمن المعقول أن يشهد لبنان تغييرات بمرور الوقت.
• محور آخر موالٍ لإيران في المنطقة
ومن المحاور الأخرى الموالية لإيران في المنطقة، الميليشيات الشيعية في العراق، التي يقدَّر عدد مقاتليها بنحو 100 ألف مقاتل. وتنقسم هذه القوات إلى عدد كبير من الألوية التابعة لميليشيات مختلفة. كما تندرج هذه الميليشيات ضمن قوات الحشد الشعبي المدعومة من الحكومة العراقية.
وتضغط الولايات المتحدة على العراق للحد من نفوذ هذه الميليشيات وإخضاعها لسيطرة الدولة. وقد توافق بعض الفصائل على وضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة، فيما تقول فصائل أخرى إنها لن تفعل ذلك. وهي تطالب بانسحاب الولايات المتحدة من العراق بشكل كامل بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وتقول بعد ذلك إنها قد تنظر في إجراء تغييرات على تسليحها. وإذا وافقت بالفعل على بعض هذه التغييرات، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل المشهد العراقي بصورة جوهرية.
والآن تتجه الأنظار إلى الحوثيين. فمع انقطاع التمويل الإيراني وإمدادات الخبرات الإيرانية في مجال الصواريخ، وكذلك بعض مكونات تصنيعها، قد يكون الحوثيون أضعف مما كانوا عليه في السابق. وكانت إيران تعمد في السابق إلى تهريب الأسلحة إليهم باستخدام أنواع مختلفة من السفن.
أما الآن، فقد فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا قبالة السواحل الإيرانية. وربما تكون تلك السفن قد توقفت عن نقل الإمدادات. وقد ترى السعودية وحلفاؤها في صفوف القوات الحكومية اليمنية أن هناك فرصة سانحة للتحرك. وهناك حالة من التفاؤل داخل صفوف الحكومة اليمنية وبين مؤيدي التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.
• الحوثيون ضعفاء في الدفاع عن المدن والسواحل، لكن من الصعب طردهم من المرتفعات
كتب (مايكل نايتس)، وهو زميل منتسب في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وخبير في الشأن اليمني والمعارك الدائرة فيه، هذا الأسبوع على منصة «إكس» (تويتر سابقًا) عن التحديات التي تواجه القوات اليمنية التي تقاتل الحوثيين.
وأشار نايتس، في معرض حديثه عن الحوثيين، إلى أنهم «ضعفاء بشكلٍ متكرر في الدفاع عن المدن والمناطق الساحلية، لكن سيكون من الأصعب طردهم من المرتفعات، كما أن أي هجوم يمني لم ينجح قط في تشكيل ’موجة ثانية‘ من القوات لاستغلال الاختراق الأولي والوصول إلى الكتلة الجبلية الوسطى. ولا يزال الحوثيون يسيطرون على الأراضي بسبب ضعف القوات اليمنية والدولية، وليس بسبب قوة حوثية متأصلة».
وقد ألّف نايتس كتابين مهمين عن الحرب في اليمن، من بينهما 25 يومًا إلى عدن: القصة المجهولة للقوات النخبوية العربية في الحرب والسباق إلى المكلا: القوات النخبوية العربية والحرب ضد تنظيم القاعدة.
كما أشار إلى أن «المعادلة الناجحة لهزيمة الحوثيين تتمثل في هجوم متزامن من عدة اتجاهات وعلى أكثر من ست جبهات، مع تدخل القوة الجوية عند الحاجة. ولم ينجح الحوثيون قط في الدفاع عن أراضٍ، حتى الهضاب، في ظل مثل هذه الظروف».
ويواجه الحوثيون الآن ضغوطًا متزايدة. ويبقى السؤال هو ما إذا كانوا سيبدؤون في فقدان المزيد من الأراضي، أم أن هذا الهجوم سيتعثر ويتوقف. وحتى إذا تعثر الهجوم، فقد يتم استخلاص دروس مهمة منه. فإيران تواجه صعوبة متزايدة في مواصلة دعم وكلائها.
و هذا الوضع يختلف كثيرًا عما كانت عليه إيران قبل عقد من الزمن. ففي ذلك الوقت، كان يبدو أن إيران تسيطر على جزء كبير من المنطقة. وكان قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني (قاسم سليماني)، قد شجّع موسكو على التدخل في سوريا عام 2015. وكان الحوثيون يتقدمون باتجاه عدن، فيما كانت حماس تشعر بثقة كبيرة في غزة. وكان حزب الله قادرًا على تهديد إسرائيل انطلاقًا من لبنان وسوريا.
أما الآن، فقد تغير جزء كبير من خريطة التوسع الإيراني في المنطقة. ومع ذلك، حققت إيران بعض النجاحات. فهي لم تنهَر تحت وطأة الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، وردّت بتصعيد هجماتها في أنحاء المنطقة، مهددةً القواعد الأمريكية في الخليج. كما شنت نحو ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المُسيّرة على العراق، وبدا أنها نجحت في استباق انتفاضة كردية محتملة.
ولا تزال إيران تواصل إضعاف دول المنطقة من الداخل. غير أنه من المحتمل أن تسقط بعض أحجار الدومينو الأخرى التابعة لها. فلم تعد عقود الاستثمار الإيراني في الوكلاء والفصائل المسلحة تحقق العائد المنشود.
قُتل سليماني عام 2020 إلى جانب قائد الميليشيا العراقية (أبو مهدي المهندس). وقد استنفدت بعض الفصائل الوكيلة لإيران قدراتها إلى حدٍّ كبير. وسيحتاج تعافيها إلى وقت. وقد تؤدي الضغوط المتواصلة عليها إلى إلحاق هزيمة دائمة بهذه الفصائل.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: