تقرير: واشنطن تتوقع استمرار التزام الحوثيين بوقف إطلاق النار وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن باب المندب
يمن فيوتشر - فوكس نيوز - إفرات لاختر- ترجمة خاصةً الإثنين, 17 أغسطس, 2026 - 04:00 مساءً
تقرير: واشنطن تتوقع استمرار التزام الحوثيين بوقف إطلاق النار وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن باب المندب

 

إن تصاعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب يثير تساؤلًا استراتيجيًا متزايد الأهمية: هل يمكن أن يتحول هذا الممر المائي إلى مضيق هرمز جديد؟
وتزداد الإجابة تعقيدًا بفعل الجغرافيا، وبفعل طبيعة اليمن نفسه. فعلى خلاف مضيق هرمز، حيث تستطيع إيران تهديد حركة الملاحة مباشرةً انطلاقًا من سواحلها، تعتمد قدرة طهران على التأثير في باب المندب إلى حد كبير على حلفائها الحوثيين. كما أن الدولة المطلة على المضيق منقسمة بين قوى مسلحة وسياسية متنافسة، ما يضع الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين أمام تهديد قد يصعب احتواؤه بالاعتماد على القوة البحرية وحدها.
وقد تجلّى حجم الخطر يوم الثلاثاء عندما هاجم الحوثيون سفينة الشحن «تهامة» في مضيق باب المندب. وقال مسؤولون يمنيون وباكستانيون إن أربعة من أفراد طاقم السفينة — ثلاثة باكستانيين وإندونيسي واحد — لقوا حتفهم، فيما أعلنت قوات خفر السواحل اليمنية مقتل اثنين من رجال الإنقاذ اليمنيين عندما شنّ الحوثيون هجومًا آخر بعد وصول فرق الإنقاذ إلى الموقع. وأفادت وكالة رويترز بأن هذه الوفيات، إذا تأكدت، ستكون أول حالات وفاة ناجمة عن هجوم حوثي على الملاحة البحرية منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير/شباط.
ويقع مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، ويربط خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومن ثم شمالًا بقناة السويس والبحر المتوسط. ويُعد المضيق ممرًا حيويًا لشحنات الطاقة والتجارة العالمية. وتشكل قناة السويس وخط أنابيب سوميد (SUMED) المصري، عمليًا، الطرف الشمالي للممر نفسه الممتد عبر البحر الأحمر.
لكن الجانب الجنوبي من هذا الممر يحد دولة تعيش حربًا منذ أكثر من عقد.
و يسيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء وعلى أجزاء واسعة من شمال اليمن، بينما تسيطر الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، إلى جانب مجموعة من القوى المتحالفة أو المتنافسة، على مناطق أخرى من البلاد. ويُعد المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو حركة انفصالية مدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة، أحد أبرز القوى الفاعلة في الجنوب.
وبات هذا الانقسام الداخلي يحظى بأهمية متزايدة بالنسبة إلى أمن الممر الملاحي.
و قال (عمرو البيض)، مسؤول الشؤون الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي، لـ«فوكس نيوز ديجيتال» إن القوات البحرية يمكنها حماية السفن بشكلٍ فردي، لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة التهديد الذي تمثله الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين والمطلة على هذا الممر الملاحي.
وقال البيض: «الوجود البحري يحمي السفن كلٌّ على حدة، لكنه لا يقضي على مواقع إطلاق الصواريخ التابعة للحوثيين، ولا يقطع طرق التهريب التي تمدهم بالإمدادات، ولا يفرض السيطرة على الأرض».
وأضاف أن «تأمين باب المندب في نهاية المطاف يتطلب وجودًا على الأرض».
ويأتي هذا التدهور في ظل تصعيد أوسع نطاقًا في اليمن. وقال المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن (هانس غروندبرغ)، لمجلس الأمن يوم الخميس إن البلاد تواجه أخطر تهديد لعودة الحرب واسعة النطاق منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، محذرًا من أن تجدد هجمات الحوثيين على السفن التجارية يهدد بجرّ اليمن بصورة أعمق إلى دائرة المواجهة الإقليمية الأوسع.
وقد أسهمت تلك الهدنة في خفض حدة القتال بصورة كبيرة، بعد سنوات من الحرب التي اندلعت في أعقاب سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم التدخل العسكري الذي قادته السعودية في العام التالي. وعلى الرغم من انتهاء الهدنة رسميًا في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ظلت الأعمال القتالية واسعة النطاق محدودة نسبيًا لسنوات.

و في 20 يوليو/تموز، أعلن الحوثيون ما وصفوه بأنه حصار بحري على السعودية، مهددين السفن التي تتعامل مع الموانئ السعودية. وتنفي الرياض الاتهام الحوثي بأن السعودية تفرض حصارًا على اليمن.
وقال مسؤول في البيت الأبيض، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الولايات المتحدة تتوقع من الحوثيين مواصلة الالتزام بشروط وقف إطلاق النار. وأضاف المسؤول أن الحوثيين «رأوا خلال عملية "الفارس الخشن" أن الولايات المتحدة والرئيس (ترامب) سيتخذان الإجراءات اللازمة لحماية حرية الملاحة والشحن التجاري الأمريكي من الهجمات الإرهابية التي يشنها الحوثيون».
وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة تركز على حماية مصالح الأمن القومي الأساسية، بما في ذلك حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع «تمكين شركائنا الإقليميين من تولي زمام المبادرة في إدارة التحديات الأمنية الإقليمية وحلها». وقال إن واشنطن تجري حوارًا مستمرًا مع السعودية وحكومة الجمهورية اليمنية بشأن الاستقرار الإقليمي.
وقالت منظمة متحدون ضد إيران النووية (UANI)، استنادًا إلى بيانات مركز المعلومات البحرية المشترك (JMIC)، إن حركة ناقلات النفط عبر المنطقة تراجعت بنحو 40% منذ إعلان الحصار في 20 يوليو/تموز. وأضافت المنظمة أن ناقلات نفط شوهدت وهي تبث عبر أنظمة التتبع الخاصة بها رسائل تتضمن عبارات مثل «مالك صيني» و«حراسة مسلحة على متن السفينة»، فيما يبدو أنه محاولة لتقليل احتمالات استهدافها.
وفي غضون ذلك، أجرت الصين اتصالات مع الحوثيين بشأن ضمان المرور الآمن للسفن الصينية، وفقًا لتقرير نشرته رويترز في 28 يوليو/تموز، نقلًا عن مصادر صينية وإقليمية. وكانت أربع ناقلات متجهة إلى الصين قد عبرت مضيق باب المندب عقب إعلان الحصار، في وقتٍ كانت فيه بكين تسعى للحصول على ضمانات بشأن سلامة سفنها التجارية.
وتتزايد التداعيات الاقتصادية نتيجة لما يحدث على بُعد مئات الأميال إلى الشرق.
فقد اعتمدت السعودية بصورة متزايدة على بنيتها التحتية لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، مع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز بفعل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
وهذا يجعل البحر الأحمر بديلًا محتملًا لمضيق هرمز، وفي الوقت نفسه نقطة ضغط ثانية محتملة.
وحذرت اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام (توكل كرمان)، خلال جلسة في الأمم المتحدة يوم الخميس، من أن الانهيار الداخلي في اليمن بات يهدد بصورة متزايدة مصالح تتجاوز حدوده بكثير.
وقالت كرمان: «لم تعد هذه أزمة يمنية فحسب. فالانهيار المستمر للدولة في اليمن يهدد الملاحة والتجارة الدوليتين، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، ويقوض السلام والأمن الإقليميين والدوليين».
وكانت الدنمارك، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن، قد دعت كرمان لإحاطة أعضاء المجلس، لكن نائب سفير الدنمارك لدى الأمم المتحدة قال إن «معارضة قوية» حالت دون عقد الإحاطة. وبدلًا من ذلك، تحدثت كرمان إلى الصحفيين خارج قاعة المجلس.
وفي مقابلة منفصلة مع «فوكس نيوز ديجيتال»، قالت كرمان إن إعادة بناء دولة يمنية قادرة على أداء وظائفها تمثل في نهاية المطاف ضرورة أساسية لهزيمة الجماعات المسلحة وتأمين البلاد.
وقالت كرمان، في إشارة إلى هزيمة الحوثيين والميليشيات الأخرى: «بإمكان الشعب اليمني تحقيق ذلك. ويمكننا أن نكون شركاء في الحفاظ على الأمن العالمي والإقليمي».
وأضافت: «من دون استعادة الدولة اليمنية، لا يمكن تحقيق سلام مستدام».
لكن خبراء أمريكيين يحذرون من التعامل مع باب المندب باعتباره ببساطة «هرمزًا ثانيًا».
وقال (ريتشارد غولدبرغ)، كبير مستشاري مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، لـ«فوكس نيوز ديجيتال»: «لا تتمتع إيران بالنفوذ المباشر نفسه على حركة الملاحة عبر باب المندب الذي تتمتع به في مضيق هرمز».
وأضاف غولدبرغ: «ستعتمد الاستراتيجية بدرجة أكبر بكثير على الوكلاء؛ إذ ستركز الجماعات العراقية نيرانها على البنية التحتية، بينما يركز الحوثيون على البحر الأحمر».
لكنه أشار إلى أن لهذه الاستراتيجية حدودًا. وقال: «يتصرف الحوثيون باستقلالية أكبر بكثير مما كانوا عليه في السابق، ولم يُبدوا حتى الآن رغبة في الدخول في حرب مع العالم بأسره، وإنما مع الرياض فقط».
وأشار أيضًا إلى فارق جوهري بين الممرين المائيين، يتمثل في أن السفن التي لا تستطيع عبور باب المندب بأمان يمكنها تجاوز البحر الأحمر بالكامل عبر الإبحار حول أفريقيا.
وقال غولدبرغ: «على خلاف مضيق هرمز، يمكن لشركات الشحن الالتفاف حول البحر الأحمر إذا اقتضت الضرورة. وهذا يضيف تكلفة ووقتًا، لكنه لا يجعله نقطة اختناق وحيدة مثل هرمز».
ومن ثم، فإن السؤال الذي يواجه الولايات المتحدة والسعودية وشركاءهما هو: كيف يمكن منع التهديد الحوثي من أن يصبح أكثر خطورة؟

و تسعى الرياض الآن إلى تشكيل مسارين متداخلين للتعاون الأمني الإقليمي.
ففي 7 أغسطس/آب، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وهي اتفاقية للدفاع المتبادل تنص على تنسيق سياسي وعسكري رفيع المستوى، وإجراء مناورات مشتركة، وتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية. وشددت تركيا على أن الاتفاقية ذات طابع دفاعي، ولا تعتبر إيران أو أي دولة أخرى عدوًا.
وقال الدكتور (عزيز الغشيان)، الباحث السعودي في السياسة الخارجية والزميل الأول غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، لـ«فوكس نيوز ديجيتال» في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، إن أحد التداعيات المباشرة المحتملة للاتفاقية قد يتمثل في زيادة التنسيق لمواجهة الجماعات المدعومة من إيران، ولا سيما الحوثيين.
وأوضح الغشيان أن الاتفاقية قد تؤدي إلى تعزيز الحضور الثلاثي بالقرب من الحدود السعودية-اليمنية، «ولا سيما في البعد البحري»، مع إتاحة المجال أمام الرياض لتبني نهج جماعي أكثر حزمًا تجاه الميليشيات المدعومة من إيران، بالتوازي مع استمرارها في اتباع نهج أكثر دبلوماسية تجاه طهران نفسها.
وبشكلٍ منفصل، تقود السعودية جهودًا تركز تحديدًا على الممرات المائية.
وأعلنت وزارة الدفاع السعودية في 30 يوليو/تموز خططًا لتشكيل تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري يهدف إلى حماية حرية الملاحة وطرق التجارة والطاقة عبر باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وأيدت المبادرة في البداية 14 دولة، من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي.
وأكدت وزارة الدفاع التركية يوم الخميس أن أنقرة تشارك في اجتماعات تُعقد في جدة بهدف إنشاء هذا التحالف.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، في تصريحٍ منفصل لـ«فوكس نيوز ديجيتال»، إن حماية حركة الشحن التجاري عبر كلٍّ من البحر الأحمر ومضيق هرمز لا تزال تمثل «أولوية قصوى» لإدارة ترامب، مشيرًا إلى أن حرية الملاحة تُعد إحدى المصالح الأساسية للأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية: «سنواصل العمل مع شركائنا الدوليين لردع الهجمات الإيرانية وهجمات وكلاء إيران على السفن التجارية، وضمان التدفق الحر للتجارة، ومحاسبة من يهددون سلامة الممرات الملاحية الدولية».
وأضاف المتحدث أن الإدارة الأمريكية تسعى أيضًا إلى تعطيل تدفق الأموال والأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على أكثر من 200 كيان مرتبط بالجماعة.
وقال المتحدث: «ندين الانتهاك الصارخ الذي ترتكبه إيران لسيادة اليمن والقانون الدولي، من خلال تهديد حرية الملاحة ودعم وكلائها الحوثيين». كما شددت وزارة الخارجية على دعم واشنطن للسعودية وللحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في ظل تصاعد التهديد المحيط بمضيق باب المندب.
وقال المتحدث: «تقف الولايات المتحدة بحزم إلى جانب المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مواجهة الإرهاب الحوثي. ونحن على تشاور وثيق مع شريكينا السعودي واليمني، ولا نزال ملتزمين بأمنهما».


التعليقات