تقرير: اقتناء السلاح في اليمن... آلاف الأرواح يهددها الرصاص المنفلت
يمن فيوتشر - العربي الجديد/فخر العزب الخميس, 06 أغسطس, 2026 - 11:34 صباحاً
تقرير: اقتناء السلاح في اليمن... آلاف الأرواح يهددها الرصاص المنفلت

ألغت حالة التطبيع مع السلاح التي صنعتها سنوات الحرب المستمرة في اليمن من قاموس المواطنين قواعد الحذر والأمان، وعلى رأسها فصل الذخيرة عن السلاح، أو الاحتفاظ به في خزائن مقفلة.

داخل منزل ريفي بمحافظة إب، وسط اليمن، يجتمع عدد من الشبان يومياً لمضغ القات، وعادة ما تكون الضحكات هي عنوان الجلسات، لكن طقوس المرح هذه تحولت في إحدى الليالي إلى مأساة. في تلك الليلة، كان الشاب فهمي يمازح صديقه زياد ممسكاً بمسدس كان معلقاً على جدار الغرفة، ظناً منه أن مخزن السلاح خالٍ من الرصاص، لكن ضغطة عفوية على الزناد أطلقت رصاصة مباغتة اخترقت رأس زياد فأردته قتيلاً في الحال، وسط ذهول الحاضرين الذين تسمروا في أماكنهم وهم يشاهدون رفيقهم يلفظ أنفاسه الأخيرة.

ورغم الموقف الإنساني النبيل لأهل الشاب القتيل الذين سارعوا بإعلان العفو عن قاتله عقب وقوع الحادث الأليم، إيماناً منهم بأنه لم يكن متعمداً، وأن الشابين كانا بمثابة الأخوين، إلا أن ثقل الذنب وسطوة الصدمة النفسية كانا أقوى من قدرة الشاب فهمي على الاحتمال، إذ ظل طيف صديقه الراحل يلاحقه، لينتهي به المطاف منتحراً بعد أقل من شهر واحد على الفاجعة، ملتحقاً بصديقه ليصبح ضحية أخرى للسلاح المتفلت.

وتعكس حكاية الشابين حجم الفاتورة المرعبة لانتشار السلاح بلا ضوابط في البيوت اليمنية، وكيف يتحول الإهمال إلى قاتل صامت، تاركاً عائلات بأكملها تتجرع مرارة الفقد. ولا تقتصر مأساة العبث بالسلاح في اليمن على الفضاءات العامة، أو جلسات السمر، بل تمتد لتقتحم جدران البيوت، حيث ينقلب السلاح المتروك إلى آداة قتل، ويتبادل الأقارب أدوار الجاني والمجني عليه في لحظات الطيش أو الإهمال.

وتتجلى قسوة هذا الواقع في حوادث متفرقة شهدتها محافظة تعز أخيراً، ففي السابع من يونيو/ حزيران الماضي، تحولت لحظة عبث عادية داخل منزل في مديرية المعافر إلى فاجعة أسرية دامية، حيث أطلق رجل يبلغ من العمر 50 سنة النار عن طريق الخطأ من سلاح آلي على شقيقته ذات الثلاثين ربيعاً، لتستقر الرصاصات الطائشة الثلاث في الصدر والبطن والفخذ، وتفارق الشقيقة الحياة، ليجد عناصر الشرطة أنفسهم أمام مشهد مأساوي لجثة سيدة سقطت بنيران شقيقها غير المتعمدة.

وتكرر الوجع ذاته في الثاني عشر من يوليو/ تموز الماضي في مديرية القاهرة بالمحافظة ذاتها، حيث لقيت امرأة ثلاثينية مصرعها بطلق ناري على أثر عبث طفل لا يتجاوز التاسعة من عمره بسلاح ناري متروك بلا رقابة داخل المنزل، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى التحفظ على السلاح، وتوقيف شاب في التاسعة عشرة من عمره لكونه مالك السلاح، بتهمة الإهمال الأسري.

 

فقد عبد الله محمد ابنه نتيجة العبث بالسلاح، ويروي لـ"العربي الجديد" تفاصيل فاجعته قائلاً: "كان ولدي يحاول تنظيف سلاح كلاشنكوف داخل المنزل، ولم ينتبه إلى أن هناك رصاصة داخل المخزن، وبينما كان يحاول تفكيك القطع، انطلقت الرصاصة فأصابته في صدره، وأردته قتيلاً. تسبب الحادث لي ولأمه بصدمة، وأصبحنا نخاف من مجرد رؤية السلاح، وبعد الحادث تخلصت من كل قطع السلاح التي كنت أمتلكها، وعددها أربع بنادق كلاشنكوف وثلاثة مسدسات، كي لا تتكرر المأساة في بيتي".

ولا تعكس كثرة قطع السلاح الموجودة في زوايا منازل اليمنيين مجرد واقع مفروض بفعل سنوات الحرب الطويلة، بل هي ثقافة مجتمعية راسخة، لتتحول البنادق والمسدسات إلى جزء مألوف من حياة أفراد العائلات المختلفة. 

وتظهر الأرقام الرسمية بوضوح حجم الكارثة، إذ سجلت أجهزة الشرطة في المحافظات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً 27 حادثة مرتبطة بالعبث بالسلاح أو إطلاق النار العشوائي خلال شهر يونيو الماضي، وأسفرت الحصيلة عن وفاة مقتل أشخاص، من بينهم طفل وامرأة، فضلاً عن إصابة 24 آخرين، وكانت غالبية الإصابات بين فئات الشباب، وتباينت بين جروح متوسطة وبالغة استدعت نقل المصابين إلى المستشفيات.

 

وفي سياق متصل بانتشار ظاهرة اقتناء السلاح وتداعياتها المقلقة، أظهرت بيانات أصدرها مركز "استقصاء الأسلحة الصغيرة" خلال مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة في يونيو 2018، أن اليمن يحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث كثافة حيازة السلاح لدى المدنيين بعد الولايات المتحدة، وكشفت دراسة أعدها المركز عن تسجيل أكثر من 82 قطعة سلاح لكل 100 نسمة في اليمن، في مؤشر يعكس حجم تفشي السلاح الخفيف والمتوسط خارج إطار الدولة، وتغذيته الانفلات الأمني والصراعات الدموية والعنيفة في المجتمع.

وتكشف السجلات الأمنية في اليمن أن معظم حالات القتل بالرصاص المطلق من أسلحة مملوكة للأشخاص نتجت عن عبث الضحايا أنفسهم بالأسلحة، بينما يسقط آخرون برصاصات يطلقها أشقاؤهم أو أصدقاؤهم عن غير قصد. وتصدرت محافظات الضالع ومأرب ولحج وحضرموت قائمة المشهد الدامي بأعداد أكبر من الحوادث التي تراوحت بين الإهمال المنزلي، والاستهتار خلال المناسبات، خاصة الأعراس والتجمعات القبلية.

ولا تقتصر تداعيات العبث بالسلاح على الخسائر البشرية، بل تخلف آثاراً نفسية عميقة لدى الأطفال، الذين يعاني الكثيرون منهم من اضطرابات عصبية أو صدمات نفسية أو نوبات هلع مزمنة نتيجة دوي الرصاص، أو مشاهدة الإصابات أو الموت الفجائي، ما يحول طفولتهم إلى رحلة عذاب تضاعف فاتورة الحرب داخل بيوت اليمنيين.

 

ويؤكد الباحث الاجتماعي بشير القباطي لـ"العربي الجديد"، أن "سنوات الحرب الطويلة أحدثت تغييرات عميقة في بنية المجتمع اليمني وفي نسيجه الداخلي، ويعد الانفلات غير المسبوق لانتشار السلاح من أبرز تجليات هذه التغييرات، إذ تحول إلى سلعة متاحة، وبات موجوداً بكثرة داخل البيوت، ليعبث به الأطفال والمراهقون، ويغرس ثقافة مشوهة تربط حمل السلاح بالرجولة أو القوة".

ويوضح القباطي أنّ "السلاح تحول خلال المسار الاجتماعي المقلق في اليمن من أداة للدفاع عن النفس إلى وسيلة ترفيه، وهذا الاستهتار من المدنيين يتقاطع مع غياب تام لدور الدولة، وتجاهل متواصل من سلطات إنفاذ القانون لضبط أسواق السلاح العشوائية، مع غياب حملات التوعية الجادة، ما يحتم تكاتف جهود خطباء المساجد ووجهاء المجتمع ومنظمات المجتمع المدني لإقرار قواعد صارمة تحمي المدنيين، وتضع حداً لهذا الخطر العبثي. المؤشرات تقود إلى حقيقة مفادها أن غياب الوعي بضرورة حظر تداول السلاح في الأماكن الخاصة، وعدم اعتماد معايير السلامة صنعا بيئة ملغومة تنطلق فيها الرصاصات وتستخدم فيها الأسلحة للرد على أي حركة عفوية، لتتحول طمأنينة المنازل إلى فخاخ قاتلة تتربص بالأرواح".


التعليقات