تحليل: مفارقة القوة في الشرق الأوسط
يمن فيوتشر - فورين أفيرز - دانا سترول- ترجمة خاصةً: الاربعاء, 17 يونيو, 2026 - 06:24 مساءً
تحليل: مفارقة القوة في الشرق الأوسط

طوال فترة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، استمتعت واشنطن باستعراض تفوقها العسكري التقليدي. وقد تفاخر فريق الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) بما حققه من إنجازات رقمية؛ فقبل اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل/ نيسان، نفّذت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 10,000 طلعة جوية، واستهدفت أكثر من 130,000 هدف، واعترضت 1,700 صاروخ ومُسيّرة إيرانية. ووفقًا للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أدّت الحملة إلى تدمير أكثر من 85% من المنشآت التي كانت طهران تستخدمها لإنتاج الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وإغراق معظم القطع البحرية الإيرانية، والقضاء على 70% من بنية إطلاق الصواريخ لديها.
لكن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لم يكن الهدف الاستراتيجي الشامل الذي طرحه ترامب في الأيام الأولى من عملية “الغضب الملحمي”. فقد قدّم أهدافًا متباينة، شملت إجبار النظام الإيراني على الاستسلام الكامل، وحماية الشعب الإيراني من قمع قيادته، وتخليص المنطقة من النفوذ الإيراني “الضار” بالكامل، والحصول على اتفاق نووي أفضل من ذلك الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق (باراك أوباما) عام 2015. إلا أن جميع هذه الأهداف لا تزال بعيدة المنال. فقد نجا النظام في طهران، بل وتكيّف بذكاء مع استراتيجية استنزاف أثقلت كاهل الترسانة الأمريكية بشدة، وهددت البنية التحتية المدنية في أنحاء الشرق الأوسط، وأضافت بُعدًا جديدًا لإسقاط القوة عبر إغلاق فعلي لمضيق هرمز والضغط على الاقتصاد العالمي.
ورغم أن النهج العسكري الأمريكي في المنطقة حقق العديد من النجاحات العملياتية، إلا أن حرب إيران كشفت عن أوجه قصور استراتيجية خطيرة وخلقت تحدياتٍ جديدة. فبينما أظهرت الولايات المتحدة قدرة لا مثيل لها على نشر القوة الجوية والبحرية بسرعة وبكثافة، عززت أيضًا علاقاتها مع الجيوش في الشرق الأوسط، ولا سيما مع القوات المسلحة الإسرائيلية، التي خاضت معها أول حملة عسكرية مشتركة حقيقية منذ الحرب العالمية الثانية. لكن النجاحات التكتيكية لواشنطن لم تعوّض أخطاءها الاستراتيجية. إذ إن فشلها في بناء تحالف قتالي مسبقًا—أو حتى إقناع العالم بأن إيران أصبحت تهديدًا وشيكًا—جعلها عاجزة عن حشد توافق دولي لمواجهة تكتيكات طهران غير المتكافئة أو التوصل إلى اتفاقٍ قوي لما بعد الحرب. كما أدت الحرب إلى استنزاف خطير للترسانة الأمريكية، بما يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على خوض حرب مماثلة مرة أخرى.
والأهم من ذلك كله أن الحرب أضعفت مكانة الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، ركزت السياسة الأمريكية تجاه إيران على ثلاثة أعمدة رئيسية لقوة طهران: برنامجها النووي، وترسانتها الصاروخية، وشبكة الميليشيات الوكيلة التابعة لها. لكن إضعاف هذه الأعمدة لم يكن كافيًا لإسقاط الجمهورية الإسلامية أو إجبارها على قبول اتفاقٍ يضمن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. إذ إن طبيعة التهديد الإيراني نفسها تغيّرت جذريًا بطرق لم تكن واشنطن مستعدة بالكامل لمواجهتها، ولم تؤدِّ عملية “الغضب الملحمي” سوى إلى تسريع تكيف طهران مع هذه التحولات. وخلال الحرب، واصلت دول الشرق الأوسط الاعتماد على الولايات المتحدة في دعم الدفاعات الجوية والاستخبارات، لكن واشنطن لم تستطع تحييد إيران بالكامل قبل أن تؤدي هجماتها الانتقامية إلى تقويض صورة الخليج كمنطقة مستقرة وآمنة وملائمة للأعمال. كما لم تتمكن من كبح الجمهورية الإسلامية عندما قررت وقف حرية الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
و في مفارقة مريرة، كشفت حرب إيران عن فرص كان يمكن لقيادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن تستفيد منها لتعاون أكثر فاعلية مع الجيوش الإقليمية. لكن فجوة الثقة التي نشأت بين الولايات المتحدة وشركائها في الخليج ستجعل من الصعب للغاية استثمار تلك الفرص. فدول الخليج باتت اليوم بحاجة إلى التزامات أمنية أوضح من أي وقتٍ مضى، إلا أنها في الوقت نفسه تفقد ثقتها في مدى التزام واشنطن بضمان أمنها، بينما فقد الرأي العام الأمريكي والقيادات السياسية في الولايات المتحدة ما تبقى لديهم من رغبة في تحمل الأعباء المكلفة والمستمرة لمواجهة التهديدات الإيرانية.
و الشرق الأوسط بعد عملية “الغضب الملحمي” ليس أكثر أمانًا ولا أكثر استقرارًا ولا أكثر ازدهارًا. وإذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف الكبرى التي حددها ترامب قبل الحرب، فإن قدرتها على حشد الشركاء في ساحات أخرى ستتراجع، وسيتشجع خصومها. وللاستفادة الحقيقية من دروس الحرب، يتعين على الولايات المتحدة أن تغيّر طريقة خوضها للصراعات. كما سيحتاج القطاع الصناعي الدفاعي الأمريكي إلى تسريع وتيرة الابتكار، والشراكة مع حلفاء موثوقين لتطوير وإنتاج ترسانة مشتركة قادرة على تلبية متطلبات الحروب المستقبلية. وفي الشرق الأوسط، ستحتاج وزارة الدفاع الأمريكية إلى تسريع تعديل انتشار قواتها وقواعدها، وتحديث أساليب تعاونها مع الحلفاء.
وبالفعل، بدأت دول الخليج تبحث عن شركاء أمنيين إضافيين، ويتعين على واشنطن أن تكثّف جهودها للانتقال من كونها الضامن الأمني الوحيد في المنطقة إلى كونها “منسّقًا أمنيًا” لها. وإذا فشلت في ذلك، فقد يترسخ الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لن تكون عنصر دعم بل عائقًا أمام حلفائها في سعيهم لضمان أمنهم.

 

•استعراض قوة لافت

كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل في تعديل تموضعها العسكري في الشرق الأوسط قبل سنوات من عملية “الغضب الملحمي”. فبعد حرب الخليج عام 1991، عمد الجيش الأمريكي إلى تدوير قواته عبر قواعد منتشرة في دول الخليج الشرقية—البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة—كما قام بتموضع معدات عسكرية استعدادًا لاحتمال اندلاع حرب تقليدية أخرى. وقد دعمت هذه الشبكة من القواعد لاحقًا الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فيما حافظت الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلال العقد الثاني من القرن نفسه، إلى جانب جهود مواجهة النفوذ الإيراني، على البنية القائمة للانتشار العسكري الأمريكي.
لكن مع تزايد إدراك واشنطن لحجم الترسانة الإيرانية المتنامية من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وما تمثله من تهديد للقواعد الأمريكية في الخليج، بدأت الولايات المتحدة التخطيط لشبكة قواعد أكثر مرونة تمتد على طول البحر الأحمر والبحر المتوسط. وبحلول عام 2020، كانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تعمل على تطوير ما يُعرف بـ«شبكة الوصول الغربية»، وهي منظومة قواعد صُممت لتجاوز الاختناقات البحرية والحد من تأثير التهديدات الإيرانية قصيرة المدى. كما بدأت واشنطن نقل بعض مكونات مركز التنسيق العسكري الأرضي من قاعدة العديد في قطر إلى ولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية.
وقبيل عملية “الغضب الملحمي”، لم تحشد الولايات المتحدة قوات أو معدات عسكرية كبيرة في البحرين أو الكويت أو قطر أو الإمارات. بل إنها توقعت أن تستهدف إيران المنشآت العسكرية في تلك الدول بصواريخ قصيرة المدى، ولذلك قامت مسبقًا بإجلاء القوات والمنصات العسكرية. وبدلًا من ذلك، أدار قادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الحرب من داخل الأراضي الأمريكية، فيما انطلقت العمليات العسكرية من الجبهة الغربية للشرق الأوسط، بما في ذلك قواعد في إسرائيل والأردن والسعودية، إضافة إلى منصات بحرية متمركزة قبالة السواحل. وقد أتاح هذا النهج للولايات المتحدة تجنب خسائر بشرية كبيرة أو تباطؤ عملياتي بعد استهداف إيران للقواعد الأمريكية التقليدية في المنطقة.

كما أظهرت الحرب الإيرانية أن الولايات المتحدة قادرة على تنسيق منظومة دفاع جوي متعددة الجنسيات بفاعلية على امتداد الشرق الأوسط. فقد أمضت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) سنوات في العمل على تعزيز التكامل بين أنظمة الرادار، وآليات الإنذار المبكر، ومنظومات الدفاع لدى شركائها في الشرق الأوسط، مستفيدةً من الانفتاح السياسي الذي أتاحته “اتفاقيات أبراهام” الموقعة عام 2020 بين البحرين وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة. وقد أثمرت هذه الاستثمارات نتائج ملموسة؛ إذ اعتمد شركاء واشنطن الإقليميون، خلال عملية “الغضب الملحمي”، على المعلومات الاستخباراتية والمعدات الأمريكية والإسرائيلية لاعتراض غالبية الهجمات التي استهدفت أراضيهم بنجاح.
وفي الواقع، جاءت محاولات إيران لإحداث شرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين بنتائج عكسية، إذ أسهمت في تعزيز التعاون العسكري بينهم. فلطالما أبدت دول الخليج تحفظًا على الارتباط بعمليات عسكرية أمريكية هجومية ضد دولة ذات سيادة. غير أن بعض الدول الخليجية سمحت، خلال هذه الحرب، للقيادة المركزية الأمريكية بشن ضربات انطلاقًا من أراضيها، كما تشير التقارير إلى أن السعودية والإمارات العربية المتحدة شاركتا—على الأقل—إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف إيران.
كما شكّلت الحرب اختبارًا غير مسبوق لنمط جديد من التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي الحروب السابقة التي خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط، وحتى عندما كانت تقود تحالفات عسكرية، ظل المخططون العسكريون الأمريكيون الطرف المهيمن؛ إذ كانوا يضعون الخطط، ويبنون البنية اللوجستية الأساسية، ويوفرون القسم الأكبر من القوات. أما في هذه الحرب، فقد عمل الاستراتيجيون الأمريكيون والإسرائيليون على تصميم الحملة العسكرية بصورة مشتركة، وتقاسموا قوائم الأهداف والمخاطر بشكلٍ متكافئ.
وفي البداية، قادت إسرائيل العمليات عبر تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وتنفيذ ضربات “قطع الرأس” التي أدت —بحسب النص— إلى مقتل ما يقارب 40 من كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي). ولم تبدأ المقاتلات الأمريكية في التحليق داخل الأجواء الإيرانية إلا بعد أن حققت إسرائيل تفوقًا جويًا.
واستعدادًا للحرب، نشرت الولايات المتحدة طائرات مقاتلة وطائرات للتزود بالوقود داخل إسرائيل. كما دعمت فرق البحث والإنقاذ الإسرائيلية جهود واشنطن لاستعادة طاقم طائرة أمريكية أسقطتها إيران، فيما زوّدت الاستخبارات الإسرائيلية العمليات الأمريكية بمعلومات حيوية. وقد مثّل هذا المستوى غير المسبوق من التعاون العسكري تتويجًا لسنوات من الاستثمارات الأمريكية في بناء شريك عسكري أثبت —وفق النص— أنه بات ندًا عسكريًا قادرًا على تقاسم الأعباء في مواجهة إيران والتصدي لتهديدات ناشئة أخرى.

 

•دعوة إلى التسلّح

إن الدعم الحاسم الذي وفرته المعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ودول الخليج خلال الأزمة، إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي ضختها تلك الدول بالفعل في شراء الأنظمة الأمريكية والتدريب عليها، يعني أن هذه الجيوش ستواصل—على الأرجح—شراء الأسلحة الأمريكية والتدرب بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). كما أظهرت عملية “الغضب الملحمي” أن الإبقاء على وجود عسكري ثابت في القواعد الأمريكية التقليدية بالشرق الأوسط لم يعد ضرورة ملحّة، الأمر الذي عزز صحة الجهود السابقة الرامية إلى تحديث التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة.
وعلاوة على ذلك، فإن المنظومة العسكرية التي دعمت مهام مكافحة الإرهاب في سوريا والعراق، والتي تمركزت لسنوات في الكويت والأردن، يمكن إعادة تشكيلها مع تقليص نطاق تلك العمليات. ومن المرجح أيضًا أن تُسرّع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جهودها لتطوير “شبكة الوصول الغربية” عبر إبرام اتفاقيات وصول عسكري مع إسرائيل، وتموضع معدات وقواعد على امتداد البحر الأحمر وداخل إسرائيل.
غير أن تحديث التموضع العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يواجه تحديًا رئيسيًا؛ إذ قد ينظر الشركاء المحليون، الذين يشعرون أصلًا بقلق متزايد إزاء أمنهم، إلى أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي باعتباره مؤشرًا على تراجع الالتزام الأمريكي بأمنهم. ولطمأنة هؤلاء الشركاء، ستحتاج واشنطن إلى تبني نماذج جديدة للتمركز العسكري والتدريب. ويمكن للبنتاغون أن يبعث برسالة واضحة تؤكد استمرارية التزامه بالمنطقة من خلال تخصيص مستوى ثابت من القوات للشرق الأوسط بصورة دائمة، على غرار الترتيبات المعتمدة في أوروبا ومنطقة آسيا–المحيط الهادئ. ومن شأن ذلك أن يبعث برسالة طمأنة للحلفاء، فضلًا عن تسهيل عمليات التخطيط الدفاعي والتمويل الأمريكي.
وقد تتناوب هذه القوات على الانتشار في أنحاء المنطقة لإجراء المناورات والتدريبات العسكرية، مع تقاسم المنشآت مع الشركاء عبر ترتيبات للاستخدام المشترك، والصيانة الموحّدة، وتقاسم التكاليف.
كما سلطت عملية “الغضب الملحمي” الضوء بوضوح على المتطلبات المادية الهائلة للحروب الحديثة، وعلى محدودية جاهزية الولايات المتحدة لخوض حرب طويلة الأمد. وكانت الحرب الروسية على أوكرانيا وما أعقبها من نزاع ممتد قد كشفت بالفعل عن التحول في اقتصاديات الحرب. فأنظمة الدفاع الجوي المتطورة والذخائر عالية التقنية أصبحت باهظة الكلفة وغير قابلة للاستدامة عمليًا وماليًا في مواجهة هجمات طويلة الأمد ومنخفضة التكلفة باستخدام الطائرات المُسيّرة.
وقد مكّنت المخزونات العسكرية الحالية البنتاغون من تحقيق تفوق عسكري على إيران خلال عملية “الغضب الملحمي”، لكن ذلك جاء على حساب أولويات وساحات أخرى. إذ أنفقت واشنطن كميات هائلة من الذخائر في استهداف مواقع داخل إيران نفسها؛ وكما أشار الخبير الاستراتيجي الدفاعي (ماكنزي إيغلن)، أطلق الجيش الأمريكي أكثر من ألف صاروخ كروز من طراز “توماهوك” خلال بضعة أسابيع، في حين لا تتجاوز قدرته الإنتاجية السنوية بين 90 و100 صاروخ فقط.
ووفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استخدمت الولايات المتحدة —في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية— ما لا يقل عن 190 صاروخ اعتراض من منظومة “ثاد”، و1,060 صاروخ اعتراض من منظومة “باتريوت” بين 28 فبراير/ شباط و8 أبريل/ نيسان فقط. وقد مثلت هذه الأرقام نحو 53% و46% من إجمالي المخزونات الأمريكية قبل الحرب على التوالي. وبوتيرة إعادة التزويد الحالية، لن تكون الولايات المتحدة قادرة على مواجهة تهديدات جوية متزامنة في أكثر من ساحة إذا اضطرت لذلك.
وللحفاظ على تفوقها في سباق الابتكار العسكري، ستحتاج الولايات المتحدة إلى تسريع عمليات التوريد والتحديث العسكري، وتعزيز الابتكار المشترك مع دول أخرى. كما سيتعين عليها خفض القيود التنظيمية التي تعيق نقل التكنولوجيا من وإلى شركائها، ومعالجة العقبات الصناعية والتمويلية والتعاقدية التي تعرقل تطوير وإنتاج ذخائر فعالة ومنخفضة الكلفة.
وبإمكان الولايات المتحدة أن تستفيد بصورة أكبر بكثير من الابتكارات التي أدخلتها القوات الأوكرانية والإسرائيلية على أساليب الحرب الحديثة، شريطة تعديل السياسات القائمة وإزالة العراقيل البيروقراطية. كما ستحتاج واشنطن إلى إصلاح آليات مبيعاتها العسكرية الخارجية التي تتسم بالبطء والجمود؛ إذ إن صفقات السلاح والتكنولوجيا التي تستغرق سنوات لإتمامها قد تصبح عديمة الجدوى بحلول وقت تنفيذها.
ومع إعادة الولايات المتحدة ترتيب انتشارها العسكري الإقليمي وتسريع إصلاحات منظومة التسلّح والتوريد، ينبغي لها دعوة شركائها الخليجيين إلى ترتيبات للإنتاج المشترك والتطوير المشترك للأسلحة؛ وهي خطوة من شأنها تخفيف أعباء التمويل والإنتاج على واشنطن، وفي الوقت ذاته إضافة أبعاد استراتيجية جديدة ومهمة إلى شراكاتها الإقليمية.

 

•هدف متغيّر باستمرار

في عملية “الغضب الملحمي”، اعتمدت إسرائيل والولايات المتحدة نسخة موسّعة من النهج العسكري الذي استخدمتاه خلال الضربات المدمّرة التي استهدفت البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين في يونيو/ حزيران من العام الماضي (في ما عُرف بـ«حرب الأيام الاثني عشر»). غير أن إيران كانت قد غيّرت استراتيجيتها بدورها، بما أربك مسار العملية العسكرية.
فبعد “حرب الأيام الاثني عشر”، استخلصت طهران دروسًا أساسية. أولًا، خلصت إلى أن هيكلية اتخاذ القرار المفرطة في المركزية أبطأت قدرتها على الرد الفعّال على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا في ظل استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل كبار القادة الإيرانيين وشبكات الاتصالات. 
ثانيًا، أدركت أن توجيه معظم ردودها الانتقامية نحو هجمات صاروخية على إسرائيل —إلى جانب هجوم رمزي واحد على قاعدة العديد الأمريكية في قطر— لم يكن كافيًا لردع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو لإضعاف عزيمتهما على استئناف العمليات العسكرية، أو لدفع قطر ودول الخليج الأخرى إلى فرض قيود على كيفية استخدام واشنطن لأراضيها أو مجالها الجوي.
كما استفادت طهران من الطريقة التي استخدمت بها روسيا الطائرات المُسيّرة في الحرب الأوكرانية، لا سيما قدرتها على استهداف المراكز المدنية والبنية التحتية للطاقة، واستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية، واختبار تغطية أنظمة الرادار تمهيدًا لتنفيذ ضربات أكثر تدميرًا.
وعليه، غيّرت إيران نهجها العسكري بين حرب العام الماضي وحرب هذا العام. فقد عمدت القيادة الإيرانية إلى تفويض صلاحيات الرد مسبقًا إلى مستويات أدنى، ومنحت موافقات مسبقة على قوائم أهداف يمكن توسيعها بسرعة لتوسيع نطاق الحملة المضادة، فيما تصفه طهران بـ«الدفاع الفسيفسائي». وعلى الرغم من تأكيدات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين بأن هياكل القيادة والسيطرة الإيرانية كانت تتفكك، إلا أن الردود العسكرية الإيرانية ظلت متماسكة ومنظمة.
ويتضح ذلك، على سبيل المثال، في الرد الإيراني السريع على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت حقل “جنوب فارس” البحري للغاز في 18 مارس/ آذار؛ إذ صعّدت طهران خلال ساعات عبر استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، مهاجمة الجانب القطري من الحقل البحري ذاته، فضلًا عن منشآت نفطية سعودية وكويتية.
كما غيّرت إيران استراتيجيتها من فرض الكلفة مباشرة على إسرائيل والولايات المتحدة إلى استهداف جميع الدول المتحالفة مع واشنطن في محيطها الإقليمي. ولم تستخدم الطائرات المُسيّرة فقط لضرب أهداف مباشرة، بل أيضًا لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى خصومها واختبار مدى تغطية أنظمة الرادار لديهم. وغالبًا ما لم تُحدث هذه الهجمات أضرارًا مادية كبيرة، لكنها فرضت أعباء تشغيلية ثقيلة، وأجبرت الولايات المتحدة وشركاءها على تبنّي وضعية دفاعية مكلفة من حيث الموارد.
كما وسّعت طهران نطاق ضرباتها ليشمل البنية التحتية المدنية، مثل الفنادق والمطارات ومحطات تحلية المياه والموانئ ومحطات النفط، لتصبح الحرب النفسية والاقتصادية عنصرًا متزايد الأهمية في استراتيجيتها الردعية. وعاش المدنيون في أنحاء الشرق الأوسط تحت وطأة إنذارات مستمرة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، فيما تعرّض أحد أهم مسارات الشحن التجاري العالمي للاضطراب، وتصاعدت المخاطر التي تهدد تدفقات الطاقة الإقليمية، الأمر الذي حوّل التركيز العسكري والسياسي بعيدًا عن الزخم العملياتي لعملية “الغضب الملحمي”.
واكتشفت إيران أن أكبر مكامن تفوقها تكمن في المجال البحري. وكما فعلت في تكتيكات الطائرات المُسيّرة، أظهرت طهران قدرة على الابتكار التكتيكي في الحرب البحرية. ففي عام 2019، وردًا على سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة ترامب الأولى، استهدفت ناقلات نفط في الخليج، وفي عام 2023 أغلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن خطوط الملاحة في البحر الأحمر احتجاجًا على العمليات الإسرائيلية في غزة.
أما إغلاق إيران لمضيق هرمز عام 2026، فقد مثّل ذروة لقدرات كانت قد طورتها على مدى سنوات. وإدراكًا منها لعجزها عن مواجهة التفوق البحري الأمريكي بشكلٍ مباشر، لجأت طهران إلى استخدام الزوارق الصغيرة والطائرات المُسيّرة والألغام البحرية ووحدات إطلاق النار الساحلية لخلق حالة مستمرة من عدم اليقين الملاحي داخل المضيق. وقد نجحت هذه التكتيكات في خلق مستوى مرتفع من المخاطر أدى إلى اضطراب حركة الملاحة في ممر مائي يمر عبره نحو 20% من الشحن العالمي، ورفع تكاليف التأمين البحري، وفرض ضغوط استثنائية على الأسواق العالمية.

 

•التكيّف أو الهلاك

أثبت الجيش الأمريكي، بالتعاون مع إسرائيل، قدرته على إضعاف قدرات خصم بصورة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة. غير أن الحرب الأخيرة أوضحت بشكل جلي أن إيران باتت قادرة على إسقاط نفوذها بطرق جديدة، والأهم من ذلك أن قدرتها على التكيّف أثناء النزاعات الجارية تفوق بكثير ما كانت الولايات المتحدة تتوقعه أو تستعد له. وبدلًا من تقليص التهديد الإيراني الأوسع نطاقًا، أفضت الحرب إلى نشوء مخاطر جديدة تهدد دول الخليج والاقتصاد العالمي.
وتتمثل المشكلة الأكبر التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط اليوم في عجزها عن تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية. فاستعداد طهران المستجد لتهديد جيرانها الخليجيين بشكلٍ مباشر، إلى جانب ميلها المتزايد لاستخدام أدوات الإكراه الاقتصادي العالمي، يعني أن الولايات المتحدة ستضطر إلى الحفاظ على وجود عسكري في الشرق الأوسط، والاستمرار في دعم جهود شركائها التقليديين لتعزيز قدراتهم الدفاعية.
لكن الرأي العام الأمريكي لا يبدو متحمسًا لتعميق هذه الشراكات العسكرية. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن الأمريكيين يفضّلون تقليص الانخراط في الحروب الخارجية، والانكفاء عن الشرق الأوسط على وجه الخصوص. كما أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز بالتعاون مع مؤسسة “إبسوس” في مارس/ آذار أن غالبية الأمريكيين تفضّل انسحابًا سريعًا من إيران، حتى في حال عدم تحقيق نصر استراتيجي. ومن المرجح أن يتردد القادة السياسيون الأمريكيون في تعزيز الالتزامات الأمنية في الشرق الأوسط، في توقيت ستكون فيه دول المنطقة بأمسّ الحاجة إليها.
كما كشفت عملية “مشروع الحرية”، وهي المسعى الأمريكي القصير الأمد لإعادة فتح مضيق هرمز، عن هشاشة الشراكات العسكرية الأمريكية، ليس فقط أمام الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، بل أيضًا أمام الضغوط السياسية الصادرة عن دول الخليج نفسها. فبعد نجاح الجيش الأمريكي في 4 مايو/ آيار في مرافقة سفينتين تجاريتين عبر المضيق لتحدي الحصار الذي فرضته طهران، ردّت إيران باستهداف محطة نفطية في الإمارات العربية المتحدة، في رسالة واضحة تعكس استعدادها لاستهداف مصالح الطاقة الخليجية.
كما استهدفت سفينة تجارية كورية جنوبية في محاولة لتهديد حركة الشحن التجاري غير العربي، وسعت—دون نجاح—إلى استهداف مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية لاختبار مدى استعداد ترامب للعودة إلى الحرب. ومع ذلك، أصرت إدارة ترامب على أن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا، ولم ترد على الهجمات الإيرانية بأكثر من الدفاع عن قطعها البحرية.

أطلقت الولايات المتحدة أكثر من ألف صاروخ “توماهوك”، لكنها لا تستطيع إنتاج سوى ما بين 90 و100 صاروخ سنويًا.
وعلى خلاف ما جرى خلال “حرب الأيام الاثني عشر”، حين لم يؤدِّ الهجوم الإيراني على الأراضي القطرية إلى الإضرار بالعلاقة الوثيقة بين الدوحة والجيش الأمريكي، سارعت كلٌّ من الكويت والسعودية، خلال أقل من 24 ساعة، إلى إغلاق مجالهما الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية، وفرض قيود أخرى على كيفية استخدام البنتاغون لقواعده العسكرية فيهما. وقد خشيت دول الخليج هذه، على وجه الخصوص، من أن يؤدي غياب ردّ ترامب على استهداف محطة النفط الإماراتية إلى تشجيع طهران على المضي قدمًا في تصعيدها.
ومن دون تعاون عسكري من الدول القريبة جغرافيًا، لم يعد بإمكان “مشروع الحرية” الاستمرار، وللمرة الأولى خلال الحرب، نجحت إيران في إحداث شرخ مؤقت بين الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين الرئيسيين.
وسرعان ما أعادت الكويت والسعودية فتح المجال أمام القوات الأمريكية لاستئناف استخدام منشآتها العسكرية. إلا أن مثل هذه اللحظات من انعدام الثقة والتوتر مرشحة للتكرار مستقبلًا. وحتى قبل الحرب، كان قادة الشرق الأوسط يسعون إلى تنويع مصادر تسليحهم وشراكاتهم الدفاعية، غير أن هذا التوجه بات يتسارع بوتيرة أكبر اليوم.
ففي ذروة الرد الإيراني، طلبت الإمارات من إسرائيل نشر قوات وأنظمة دفاع جوي إضافية على أراضيها. كما أرسلت أوكرانيا فِرقًا من الخبراء المتخصصين في مكافحة الطائرات المُسيّرة إلى أنحاء الشرق الأوسط، ووقّعت في أواخر مارس/ آذار اتفاقيات أمنية طويلة الأمد مع قطر والسعودية والإمارات، شملت التدريب على مكافحة المُسيّرات، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج الدفاعي المشترك.
وفي المقابل، أوفت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي كانت تربطها علاقات دفاعية سابقة بالشرق الأوسط بالتزاماتها، وقدّمت دعمًا دفاعيًا مكمّلًا للمساندة الأمريكية خلال الحرب. فقد وفّرت المملكة المتحدة دعمًا دفاعيًا للبحرين والسعودية والإمارات ودول أخرى في المنطقة، كما نفذت مهام جوية ضمن الجهود التي نسّقتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم).
أما فرنسا، فقد نشرت طائرات مقاتلة لاعتراض الطائرات المُسيّرة والصواريخ الإيرانية التي استهدفت الإمارات، كما دفعت بحاملة طائراتها الوحيدة إلى البحر الأحمر استعدادًا للمساهمة في إعادة ضمان حرية الملاحة في المنطقة. وفي أواخر أبريل/ نيسان، عقدت فرنسا والمملكة المتحدة قمة للأمن البحري شاركت فيها أكثر من 30 دولة، بهدف إطلاق تخطيط عسكري لمهمة بحرية متعددة الجنسيات لدعم المرور الحر وغير المقيّد عبر مضيق هرمز.

و من المرجّح أن يستمر هذا التوجه نحو تنويع الشراكات الدفاعية. فهناك دول أخرى مستعدة لملء الفراغات التي قد تتركها الولايات المتحدة. (فعلى سبيل المثال، عدّلت كوريا الجنوبية مؤخرًا سياستها الخاصة بصادرات الدفاع بهدف تسريع مبيعات المعدات العسكرية، ولا سيما إلى الشرق الأوسط). ومن ثمّ، يتعين على واشنطن أن تتعامل بإيجابية مع رغبة شركائها في تنويع علاقاتهم الدفاعية، عبر تبنّي دور تنسيقي أكثر فاعلية، مستلهمةً من تجاربها السابقة.
فقد سعت إدارات أمريكية سابقة إلى تعزيز التعاون الأمني متعدد الأطراف في المنطقة عبر أُطر رسمية، من بينها قمة كامب ديفيد لعام 2015 التي عززت التعاون الأمني الأمريكي–الخليجي عقب التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران؛ ومبادرة تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي التي طرحتها إدارة ترامب الأولى، وهدفت إلى إنشاء هيكل جديد يتيح لدول الخليج التعاون المشترك إلى جانب الولايات المتحدة؛ وكذلك قمة جدة للأمن والتنمية لعام 2022 التي عقدتها إدارة بايدن وأسهمت في تسريع التعاون الإقليمي في مجالي الدفاع الجوي والأمني في الشرق الأوسط.
وقد انطلقت جميع هذه الجهود من فرضية واحدة مفادها أن الالتزامات الأمنية متعددة الجنسيات قادرة على دعم دفاع جماعي أكثر فعالية في مواجهة إيران. وفي أعقاب عملية “الغضب الملحمي”، ينبغي لواشنطن أن تعمل مع حلفائها الآسيويين ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى وجه الخصوص مع الدول المبتكرة عسكريًا مثل أوكرانيا، لإضفاء طابع مؤسسي على التعاون الأمني متعدد الأطراف.
ويفترض أن يكون الهدف هو إنشاء بُنية أمنية جديدة تدمج عمليات الأنظمة العسكرية المختلفة التابعة لصناعات دفاعية وطنية متعددة، وتحمي المعلومات السرية للدول المشاركة، وتطلق تخطيطًا واسع النطاق على مستوى الإقليم لعمليات شراء معدات الدفاع الجوي وإدارة العمليات المستقبلية. كما يتعين على الولايات المتحدة جمع الأطراف المعنية بمواجهة التهديدات الإيرانية قبل أن تؤدي التحركات الصينية والروسية إلى ترجيح كفة النفوذ على نحو يضر بالمصالح الأمريكية.
ومع مرور الوقت، يمكن لمثل هذه الترتيبات أن تساعد الولايات المتحدة على التحول من الضامن الأمني الأوحد للشرق الأوسط إلى المنسق الأمني للمنطقة ضمن نظام أكثر توازنًا لتقاسم الأعباء. كما تسعى دول الخليج إلى امتلاك هامش أكبر من الاستقلالية في ترتيباتها الأمنية.
ففي عام 2000، وقّعت دول مجلس التعاون الخليجي اتفاقية دفاع مشترك تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الأعضاء. وعلى الرغم من أن هذا البند لم يُفعَّل خلال الحرب الإيرانية، فإن قادة المنطقة يُبدون اهتمامًا متجددًا بفكرة إنشاء «ناتو إسلامي» أو «ناتو شرق أوسطي»، إلى جانب تعزيز التنسيق مع دول إقليمية قريبة مثل مصر وباكستان. ومن خلال رعاية اتفاقيات أبراهام لعام 2020، أثبتت واشنطن بالفعل قدرتها على تسهيل إنشاء أطر استراتيجية جديدة في المنطقة.
و تُعد اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل لعام 2023 بين البحرين والولايات المتحدة نموذجًا آخر جديرًا بالاهتمام. إذ توسّع الاتفاقية مفهوم الأمن ليتجاوز الإطار الدفاعي التقليدي، ليشمل أيضًا التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، كما تتضمن بندًا شبيهًا بما هو معمول به في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يُلزم الأطراف بالتعاون في مواجهة أي «عدوان خارجي ضد السلامة الإقليمية» لأي دولة موقعة.
وقد تُركت الاتفاقية مفتوحة أمام انضمام دول أخرى. وانضمت المملكة المتحدة إليها في عام 2025، ومن ثمّ ينبغي للدول الثلاث الموقعة ألّا تُفوّت هذه اللحظة دون تشجيع مزيد من الأطراف المهتمة—من داخل المنطقة وخارجها—على الانضمام إليها.
وخلال عملية “الغضب الملحمي”، أثبت الجيش الأمريكي قيمته العملياتية بالنسبة لشركائه في الشرق الأوسط، وأكد امتلاكه قدرات تقليدية فريدة لا تضاهى. ومن المفترض أن توفر الخبرة المشتركة التي راكمتها الأطراف خلال زمن الحرب أساسًا قويًا تستطيع الولايات المتحدة البناء عليه لإعادة ترميم شراكاتها وتوسيعها.
غير أن الفجوة بين العلاقات القوية التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بها مع الجيوش الإقليمية، وبين علاقاتها السياسية المتزايدة التوتر مع حكومات المنطقة، آخذة في الاتساع. لذلك، يتعين على إدارة ترامب استثمار الإنجازات التي حققتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) للتوصل إلى اتفاق يحدّ من التهديد الإيراني. كما ينبغي عليها إحداث تغييرات هيكلية في الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع شركائها الإقليميين.
أما إذا أخفقت في تحقيق أيٍّ من هذين المسارين، فإن عملية “الغضب الملحمي” ستبقى مثالًا صارخًا على التناقض الجوهري في القوة الأمريكية: استعراض غير مسبوق للقوة العسكرية، انتهى بتمهيد الطريق لشرق أوسط ما بعد الهيمنة الأمريكية.


التعليقات