تحليل: من الاتفاق النووي إلى الحرب المفتوحة.. كيف انفجر الصراع بين إيران وإسرائيل وأمريكا
يمن فيوتشر - Council on Foreign Relations - إعداد مركز العمل الوقائي- ترجمة خاصة: الجمعة, 22 مايو, 2026 - 03:50 مساءً
تحليل: من الاتفاق النووي إلى الحرب المفتوحة.. كيف انفجر الصراع بين إيران وإسرائيل وأمريكا

في 28 فبراير/شباط، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران عقب أسابيع من الحشد العسكري والتهديدات الصادرة عن الرئيس ترامب. واستهدفت ضربات واسعة النطاق أصولاً عسكرية إيرانية وقيادات عليا في الجمهورية الإسلامية، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى، (آية الله علي خامنئي). وفي أعقاب ذلك، عيّن مجلس خبراء القيادة في طهران نجل علي خامنئي، (مجتبى خامنئي)، خلفاً له.
وردّت إيران باستهداف منشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، إلى جانب إسرائيل، فضلاً عن البنية التحتية للطاقة والمرافق المدنية في دول الخليج. كما أطلقت إسرائيل عملية عسكرية في جنوب لبنان بعد أن أطلق حزب الله صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، في حين أطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ باليستية على إسرائيل، تضامناً مع إيران في ظل الحرب الإقليمية الأوسع.
وصرّح سفير إيران لدى الأمم المتحدة بأن عدد القتلى المدنيين تجاوز حتى الآن 1,500 شخص، من بينهم ما لا يقل عن 175 شخصاً قُتلوا جراء ضربة أمريكية أُفيد بأنها استهدفت مدرسة ابتدائية إيرانية، فيما وصل عدد النازحين إلى نحو 3.2 ملايين شخص. كما قُتل ثلاثة عشر فرداً من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية.
وسرعان ما تصاعد الهجوم ليتحوّل إلى حرب إقليمية ذات تداعيات واسعة على سلاسل الإمداد الحيوية والمساعدات الإنسانية. وأدى الإغلاق الفعلي الإيراني لمضيق هرمز إلى صدمة عالمية في أسواق الطاقة. وعلى الرغم من اتفاق إيران وإسرائيل والولايات المتحدة على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين في 7 أبريل/نيسان، فإن المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية أوسع نطاقاً لا تزال متعثرة.


•تاريخ البرنامج النووي الإيراني
تسعى إيران إلى تطوير برنامج نووي منذ عام 1957 على الأقل، مع تفاوت في مستويات التقدّم والنجاح عبر المراحل المختلفة. وخلال الحرب مع العراق، اتخذت إيران في أواخر ثمانينيات القرن الماضي قراراً بالسعي إلى امتلاك أسلحة نووية لضمان أمنها. وبناءً على ذلك، أبرمت طهران اتفاقيات تعاون مع الصين وروسيا لدعم الأبحاث المرتبطة بالبرنامج خلال تسعينيات القرن العشرين.
وفي صيف عام 2002، كشف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو ائتلاف يضم جماعات إيرانية معارضة، عن وجود موقعين نوويين إيرانيين كانا مخفيَّين عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبحلول عام 2003، أطلق دبلوماسيون جهوداً مكثفة لوقف البرنامج النووي الإيراني. ووافقت إيران على ذلك، مع تأكيدها الاحتفاظ بأجهزة الطرد المركزي لأغراض الطاقة النووية فقط. غير أنها لم تلتزم بتعهداتها المتعلقة بالإبلاغ الشفاف للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وواصلت أنشطة سرّية، ما أدى إلى توجيه انتقاد رسمي لها في يونيو/حزيران 2004، ثم صدور قرار من الوكالة في سبتمبر/أيلول 2005 باعتبارها غير ممتثلة لالتزاماتها، الأمر الذي مهّد الطريق لإحالة الملف مستقبلاً إلى مجلس الأمن الدولي.
وفي عام 2006، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 1696، وهو أول قرار مُلزم قانونياً يدعو إيران إلى تعليق برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وخلال السنوات التالية، أصدر المجلس سلسلة من القرارات التي فرضت عقوبات اقتصادية قاسية على إيران بسبب إخفاقها في تعليق الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم.
وبين عامي 2011 و2015، أدّت الآثار التراكمية للعقوبات الدولية إلى انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 20%، وارتفاع معدل البطالة إلى 20%. وفي عام 2013، فاز (حسن روحاني)، المعروف بنهجه البراغماتي، في الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد حملة انتخابية تعهّد خلالها برفع العقوبات وإنعاش الاقتصاد.
وعلى مدى العامين التاليين، عقدت الولايات المتحدة عدة جولات من المحادثات الثنائية، كما قادت مفاوضات مع القيادة الإيرانية الجديدة بمشاركة أعضاء مجموعة (5+1)، التي تضم الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. وتُوّجت هذه الجهود باعتماد خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015. وبعد توقيع الأطراف الرئيسية على الاتفاق، أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2231، مما مهّد الطريق لتخفيف العقوبات.
ونصّت خطة العمل الشاملة المشتركة على أن تخفّض إيران مخزونها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 98% لمدة خمسة عشر عاماً، وأن تقلّص عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة بمقدار الثلثين لمدة عشر سنوات، وأن تتيح للمفتشين الوصول إلى منشآت التخصيب خلال أربعة وعشرين يوماً في حال اشتباه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوجود انتهاكات. كما نص الاتفاق على إمكانية إعادة فرض العقوبات فوراً إذا أكدت الوكالة وقوع خروقات.
وبعد دخول الاتفاق حيّز التنفيذ في 16 يناير/كانون الثاني 2016، حصلت إيران على تخفيف للعقوبات قُدّرت قيمته بنحو 100 مليار دولار. غير أن إيران واصلت تطوير الصواريخ الباليستية، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة انتهاكاً لقرار مجلس الأمن رقم 2231.


•وكلاء إيران الإقليميون
ورغم أن خطة العمل الشاملة المشتركة قيّدت الطموحات النووية الإيرانية، فإن الطموحات الإقليمية لطهران واصلت التوسع. فقد استمرت إيران في تسليح وتدريب مقاتلين شيعة عبر فيلق القدس — الذراع الخارجية التابعة للحرس الثوري الإيراني — الأمر الذي أسهم في تعميق الانقسامات الطائفية في الشرق الأوسط.
كما قدمت إيران على مدى سنوات دعماً عسكرياً وتدريباً لحركة حماس الفلسطينية، وهو ما أتاح لها تنفيذ هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كذلك زوّد فيلق القدس حزب الله في لبنان بطائرات مُسيّرة متطورة، ودرّب وموّل أكثر من مئة ألف مقاتل شيعي في سوريا، ووفّر صواريخ باليستية وطائرات مُسيّرة للحوثيين في اليمن، وساعد الميليشيات الشيعية في العراق على تطوير قدرات صاروخية.
وتعتبر الحكومة الأمريكية إيران أبرز دولة راعية للإرهاب في العالم، مشيرةً إلى أنها تنفق أكثر من مليار دولار سنوياً على تمويل أنشطة إرهابية. كما يُقدَّر عدد القوات الشريكة لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بما يتراوح بين 140 ألفاً و185 ألف عنصر موزعين عبر أفغانستان وغزة ولبنان وباكستان وسوريا واليمن.


•مواجهة ترامب مع إيران خلال ولايته الأولى
نظراً إلى أن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) تناولت البرنامج النووي الإيراني فقط، من دون التطرق إلى السياسات الإقليمية الإيرانية أو برنامج الصواريخ الباليستية، انسحبت إدارة الرئيس (دونالد ترامب) الأولى من الاتفاق، متعهدة بالسعي إلى إبرام اتفاق أكثر شمولاً.
وفي عام 2018، بدأت إدارة ترامب إعادة فرض العقوبات على إيران، وطالبت الدول الأوروبية بالانسحاب من الاتفاق النووي في إطار استراتيجية جديدة لاحتواء طهران. وأدت العقوبات الأمريكية إلى أسوأ أزمة اقتصادية واجهتها إيران منذ أربعين عاماً، حيث تراجعت صادرات النفط الإيرانية بأكثر من النصف، كما عززت نفوذ التيار المتشدد داخل البلاد.
وفي الوقت الذي انتهجت فيه إدارة ترامب سياسة «الضغط الأقصى» لدفع إيران إلى طاولة المفاوضات، بدأت طهران انتهاك القيود المفروضة بموجب الاتفاق النووي على برنامجها النووي، ما أدى إلى تصاعد التوترات.
وفي أبريل/نيسان 2019، صنّفت الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية. وعندما تلقت إدارة ترامب معلومات استخباراتية بشأن هجمات إيرانية محتملة تستهدف القوات الأمريكية، دفعت بقاذفات استراتيجية وحاملات طائرات وقوات إضافية إلى الشرق الأوسط. وخلال الشهر التالي، تعرّضت ست ناقلات نفط داخل مضيق هرمز أو قربه لهجمات، حمّل مسؤولون أمريكيون إيران مسؤوليتها.
وفي أواخر يونيو/حزيران 2019، أسقطت إيران طائرة أمريكية مُسيّرة من طراز «غلوبال هوك» فوق مضيق هرمز، ليردّ الرئيس ترامب بإصدار أوامر بشن هجوم إلكتروني وفرض عقوبات جديدة. وفي 31 ديسمبر/كانون الأول، اتهم ترامب إيران بدعم احتجاجات حاولت اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد. وبعد أيام، بلغت التوترات ذروتها عندما قتلت الولايات المتحدة (قاسم سليماني)، قائد فيلق القدس الإيراني، في غارة جوية استهدفته في بغداد.
وردّت إيران بإعلانها أنها لم تعد ملتزمة بالقيود المنصوص عليها في الاتفاق النووي، كما أسقطت — عن طريق الخطأ وفي ظل حالة تأهب قصوى — طائرة ركاب أوكرانية. وفي أواخر عام 2020، واصلت إدارة ترامب تشديد العقوبات، فيما رفعت إيران مستويات تخصيب اليورانيوم إلى معدلات تجاوزت بكثير الحدود المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وذلك عقب مقتل أحد أبرز علمائها النوويين.


•الصراع بين إسرائيل وإيران
أدّى اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بين إسرائيل، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، وحركة حماس الفلسطينية المدعومة من إيران، إلى تصعيد التوترات بين طهران وتل أبيب. وصعّدت القوات الوكيلة المدعومة من إيران هجماتها احتجاجاً على التوغل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، بما في ذلك أكثر من مئتي هجوم استهدفت مصالح أمريكية وإسرائيلية في العراق وسوريا.
ورداً على ذلك، أمرت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على منشأتين مدعومتين من إيران في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم استهدفت خمسةً وثمانين موقعاً إضافياً مرتبطاً بإيران في البلدين في 2 فبراير/شباط 2024. كما شن الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان — وكلاهما من أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الإيراني — هجمات انطلاقاً من البحر الأحمر والحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان، ما أثار مخاوف من اتساع رقعة الصراع إقليمياً.
وفي عام 2024، انتقلت المواجهة بين إسرائيل وإيران من حالة العداء غير المباشر القائم على الوكلاء إلى تبادل مباشر للضربات العسكرية. ففي الأول من أبريل/نيسان، أسفرت غارة جوية يُشتبه بأنها إسرائيلية استهدفت مبنى قنصلياً إيرانياً في دمشق بسوريا عن مقتل جنرالين إيرانيين وخمسة مستشارين عسكريين. وردّت إيران بإطلاق أكثر من ثلاثمئة طائرة مُسيّرة وصاروخ باتجاه إسرائيل، في أول استهداف مباشر من نوعه تنفذه إيران ضد إسرائيل.
وعقب اغتيال إسرائيل قادة كلٍّ من حماس وحزب الله، أطلقت إيران في أكتوبر/تشرين الأول 2024 نحو 180 صاروخاً باليستياً باتجاه إسرائيل. وفي المقابل، شنّت إسرائيل أكبر هجوم مباشر لها على إيران، مستهدفة منظومات الدفاع الجوي ومنشآت إنتاج الصواريخ. كما أسهمت الضربات القاسية التي وجّهتها إسرائيل لقيادات حماس وحزب الله، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في إضعاف محور المقاومة الإيراني بشكل ملحوظ خلال عام 2024.
ومع عودة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) إلى السلطة في عام 2025، أعاد تفعيل سياسة «الضغط الأقصى» تجاه طهران، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات بشأن برنامجها النووي، في أول محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018. وقد عارضت إسرائيل هذه المفاوضات بشكل كامل، وتمسكت بموقف ثابت يدعو إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الجهود الإيرانية السرية لتطوير أسلحة نووية من شأنها إحداث تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، بما يشكل تهديداً مباشراً لبقاء إسرائيل.
وفي 12 يونيو/حزيران، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أن إيران تنتهك التزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، ما دفع طهران إلى الإعلان عن افتتاح موقع سري لتخصيب اليورانيوم. وفي اليوم التالي، شنّت إسرائيل ضربة عسكرية أحادية الجانب ضد إيران، استهدفت منشآت نووية ومصانع صواريخ ومسؤولين عسكريين كباراً وعلماء في المجال النووي. ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الهجوم بأنه «عمل حربي»، فيما ردّت إيران بإطلاق موجات من الطائرات المُسيّرة وعشرات الصواريخ الباليستية.
ومن جانبه، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) العملية بأنها خيار اضطراري أخير لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب كانت قد استأنفت مؤخراً المفاوضات النووية، فإن الرئيس دونالد ترامب بدأ يعبّر بصورة متزايدة عن دعمه للأهداف الإسرائيلية، وألمح إلى انفتاحه على فكرة تغيير النظام في طهران.
وعقب أسبوع من الضربات الجوية المتبادلة بين إسرائيل وإيران، تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في النزاع، حيث استهدفت في 21 يونيو/حزيران ثلاثة مواقع نووية إيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز. وأكدت إدارة ترامب أن الضربات أعاقت بصورة كبيرة قدرة إيران على إنتاج يورانيوم صالح للاستخدام في تصنيع الأسلحة النووية، إلا أن رئيس هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة قدّر أن البرنامج النووي الإيراني قد تأخر لبضعة أشهر فقط.
ويُعدّ ترامب أول رئيس أمريكي يهاجم البرنامج النووي لدولة أخرى، وأول رئيس ينضم صراحةً إلى إسرائيل في شن هجوم على دولة خصمة.
وردّت إيران في 23 يونيو/حزيران بشن هجوم صاروخي استهدف القوات الأمريكية المتمركزة في قاعدة العديد الجوية في قطر، من دون الإبلاغ عن وقوع خسائر بشرية. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، أعلن ترامب التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وعلى الرغم من تبادل الطرفين الاتهامات بمواصلة تنفيذ الضربات، فإن الهدنة صمدت إلى حدٍّ كبير.

لقراءة المادة من موقعها الاصلي، على هذا الرابط:

https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/confrontation-between-united-states-and-iran


التعليقات