عندما غادر (جي دي فانس) فندق سيرينا في إسلام آباد في 12 أبريل/نيسان، بعد 21 ساعة من المفاوضات، وأعلن انهيار المحادثات، اختزل كامل أسباب الفشل في جملة واحدة. قال: «الحقيقة البسيطة هي أننا بحاجة إلى رؤية التزام واضح منهم بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي»، وذلك قبل أن يستقل طائرة إير فورس تو ويغادر. أما (دونالد ترامب)، الذي كان يتابع من واشنطن، فقد عبّر عن الأمر بلهجة أكثر مباشرة على منصة تروث سوشيال: لقد سارت المحادثات بشكل جيد، وتم الاتفاق على معظم النقاط، لكن «النقطة الوحيدة التي كانت تهم حقًا، وهي الملف النووي، لم يتم الاتفاق عليها».
ومن الجهة المقابلة، قدّم وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) روايته لما جرى على الطاولة نفسها، مشيرًا إلى أن الطرفين اقتربا «إلى مسافة بوصات» من التوصل إلى تفاهم، قبل أن يصطدما بـ«التشدد الأقصى، وتغيير قواعد التفاوض، وسياسة العرقلة». كما صرّح رئيس البرلمان الإيراني بأن الوفد الأمريكي «فشل في نهاية المطاف في كسب ثقة الوفد الإيراني»، وهي صياغة دبلوماسية لواقع أكثر حدّة: إذ تعرّضت إيران لقصف مرتين خلال العام الماضي أثناء تفاوضها مع الولايات المتحدة، وطُلب منها تقديم تنازلات نووية غير قابلة للتراجع لحكومة لا تملك أي مبرر للثقة بها فيما يتعلق ببقائها.
لم تكن المسألة النووية تفصيلًا تعثّرت عنده المحادثات في نهايتها؛ بل كانت السبب الذي انطلقت من أجله هذه المفاوضات أساسًا، وهي أيضًا سبب فشلها، والسبب في أن هذا الفشل يتجاوز بأهميته بكثير السؤال المباشر عمّا سيحدث لاحقًا بين واشنطن وطهران. فالعالم خارج إسلام آباد كان يراقب، والدرس الذي بدأ يستخلصه مما جرى داخل ذلك الفندق يُعد من أخطر الاستنتاجات التي قد تصل إليها أي حكومة: أن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار ما حدث لإيران معك.
هذه هي الحقيقة التي ينطلق منها منطق «الدومينو النووي»، وهي حقيقة بدا أن كثيرًا من التحليلات الغربية تتجنب التوقف عندها بجدية. ففي أبريل/نيسان 2025، كانت إيران والولايات المتحدة منخرطتين في مفاوضات نشطة في عُمان، حيث وصف الجانبان النقاشات بأنها «بنّاءة»، مع تبلور إطار لاتفاق محتمل. إلا أن إسرائيل استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في 13 يونيو/حزيران 2025، بينما كانت تلك المحادثات لا تزال قائمة من الناحية التقنية. ثم انضمت الولايات المتحدة إلى الضربات في 22 يونيو/حزيران. وفي نهاية المطاف، جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة قطر، فيما عُرف لاحقًا بـ«حرب الأيام الاثني عشر».
لكن المفاوضات استؤنفت لاحقًا. وفي 28 فبراير/شباط 2026، وبينما كانت تلك المفاوضات لا تزال جارية، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل أكبر ضربة افتتاحية في مجمل الصراع، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى (علي خامنئي) وأشعل الحرب التي كان يُفترض أن تنهيها محادثات إسلام آباد. وهكذا، تعرّضت إيران للهجوم في مستهل أحدث جولة من الصراع وهي لا تزال تفاوض، الأمر الذي جعل «مستوى الثقة يقترب على الأرجح من أدنى مستوياته على الإطلاق»، بحسب تعبير المفاوض الإيراني السابق (روبرت مالي)، الذي أضاف: «من الصعب عليهم أن يأخذوا ما يسمعونه من الجانب الأمريكي على محمل الجد».
لذا فإن فهم أسباب فشل المحادثات النووية يقتضي استيعاب هذا التسلسل. فلم يُطلب من إيران تقديم تنازلات من موقع أمان، في ظل ضمانات وبناء تدريجي للثقة كما حدث في اتفاق عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الذي جرى التفاوض عليه بدقة على مدى 18 شهرًا. بل طُلب منها التخلي نهائيًا عن برنامجها النووي —وهو أهم مصادر نفوذها المتبقية— من قبل الحكومة ذاتها التي قصفتها مرتين خلال عمليات دبلوماسية، وذلك بعد انسحابها من آخر اتفاق نووي كانت قد أبرمته معها. وكما قالت المفاوضة الأمريكية السابقة (ويندي شيرمان) لإذاعة NPR: «دخلت إدارة ترامب بمطالب قصوى، وكانت تريد فعليًا أن تستسلم إيران. لا توجد دولة —حتى لو كانت مثيرة للاستياء مثل النظام الإيراني— ستستسلم».
لم تفشل محادثات إسلام آباد لأن المفاوضين كانوا غير أكفاء، أو لأن الفجوة كانت مستحيلة الردم من حيث المبدأ. بل فشلت لأن الشرط التأسيسي لأي اتفاق نووي —وهو حد أدنى من الثقة بأن التنازلات ستُقابل بأمن متبادل لا بالاستغلال— لم يكن قائمًا، ولأن الولايات المتحدة كانت قد أمضت العام السابق في تقويض ما تبقى من تلك الثقة بصورة منهجية.
لننظر إلى ما كانت تراقبه الحكومات خارج إيران بينما كانت هذه الأحداث تتكشف. لقد شاهدت دولةً تنخرط في مفاوضات نووية بحسن نية لأكثر من عام. وشاهدتها تتعرض للقصف خلال تلك المفاوضات. ثم رأتها تصمد أمام الضربات الأولى، وتستوعب أضرارًا هائلة، وتغلق مضيق هرمز، وتلوّح بتهديد دول الخليج، وتخوض مواجهة مع أقوى تحالف عسكري في العالم وصولًا إلى حالة جمود متوتر. كما رأت أن الشرط الوحيد الذي وضعته واشنطن ثمنًا للسلام —والقضية التي خيضت الحرب بسببها— كان البرنامج النووي الإيراني.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذا التسلسل ليست معقدة. فالدول التي لا تمتلك سلاحًا نوويًا تتعرض للقصف أثناء المفاوضات، بينما الدول التي تمتلكه لا يحدث لها ذلك. فقد أجرت كوريا الشمالية عدة تجارب نووية، وطوّرت صواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية، وحظيت بثلاث قمم شخصية مع رئيس أمريكي. أما باكستان، فقد وفّر وضعها النووي لعقود سقفًا أدنى لا تنحدر دونه الضغوط الأمريكية، بغض النظر عن مدى جدية واشنطن في التعامل مع دعم إسلام آباد لجماعات مسلحة. وبالنسبة لإسرائيل، فقد ضمنت ترسانتها غير المعلنة قدرًا من الحصانة الاستراتيجية لا يتوفر لأي دولة غير نووية في محيطها. أما روسيا، فإن امتلاكها للسلاح النووي هو ما يجعل أي مواجهة مباشرة مع حلف شمال الأطلسي بشأن أوكرانيا تظل —حتى الآن— في نطاق الافتراض النظري.
وقد كانت السعودية من أكثر الدول صراحة في استخلاص هذه النتائج. إذ صرّح ولي العهد (محمد بن سلمان) عام 2018 بأنه إذا طوّرت إيران سلاحًا نوويًا، فإن السعودية ستفعل الشيء نفسه. ومنذ ذلك الحين، ازداد هذا الالتزام رسوخًا. فقد عملت المملكة على بناء بنية تحتية نووية محلية بدعم أمريكي، وأصرّت على الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم ضمن أي اتفاق للتعاون النووي السلمي، كما تابعت حرب إيران بتركيز يعكس حسابات دولة تعيد تقييم معادلة أمنها الخاصة. ولم تغيّر الحرب شهية السعودية النووية، بل منحتها مبررًا إضافيًا ورسّختها.
وتعمل تركيا على تعزيز حضورها النووي بوتيرة متزايدة ووضوح أكبر، إذ عمّقت تعاونها النووي المدني مع روسيا عبر محطة أكويو، ولوّحت في عدة محافل بأنها ترى نفسها مستحقة لوضع نووي مماثل لما تتمتع به قوى إقليمية كبرى أخرى. وقد صرّح الرئيس (رجب طيب أردوغان) علنًا بأنه يعتبر من غير المقبول أن تُحرم تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، من امتلاك سلاح نووي في حين تمتلكه دول أخرى في المنطقة. وقد كان هذا التصريح غير مألوف دبلوماسيًا، إلا أن الموقف الكامن وراءه بات اليوم أكثر انتشارًا بكثير مما كان عليه قبل فبراير/شباط 2026.
أما كوريا الجنوبية واليابان، فتخوضان نسختيهما الخاصتين من النقاش ذاته، وإن كان بدرجات مختلفة. ففي كوريا الجنوبية، تُظهر استطلاعات الرأي العام بشكل متكرر وجود تأييد أغلبية لتطوير برنامج نووي محلي، وهي نسبة ارتفعت مع كل تجربة نووية كورية شمالية، ومع كل مؤشر على تراجع الالتزام الأمريكي بأمن آسيا. وقد أضافت حرب إيران —التي شهدت سحب الولايات المتحدة مكونات منظومة «ثاد» (THAAD) من كوريا الجنوبية لإعادة توجيه ذخائرها في المحيط الهادئ نحو الحملة في الخليج— دليلًا جديدًا إلى الحجة القائلة إن الضمانات الأمنية الأمريكية تحمل علامات استفهام لا تدركها سيول إلا بعد فوات الأوان.
تستند معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تنظّم السياسة النووية العالمية منذ عام 1970، إلى صفقة أساسية مفادها: أن توافق الدول غير النووية على عدم تطوير أسلحة نووية، مقابل التزام الدول النووية بالسعي إلى نزع السلاح، مع إبقاء البرامج النووية السلمية خاضعة للتفتيش. وقد تعرّض هذا الترتيب لضغوط لعقود، غير أن الحالة الإيرانية وضعته أمام اختبار قاسٍ كشف مدى هشاشة هذا الهيكل.
فقد أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فبراير/شباط 2026 بأن إيران أبلغتها أن «الضمانات العادية» أصبحت «غير قابلة للتطبيق قانونيًا وغير ممكنة عمليًا» نتيجة التهديدات وأعمال العدوان، ما يعني فعليًا تعليق آليات التحقق التي يقوم عليها النظام برمّته. وبذلك، لم يعد المفتشون المكلّفون بتأكيد الامتثال قادرين حاليًا على التحقق من وضع برنامج التخصيب الإيراني. فقد تعرّض الأساس التقني للنظام لضربة قاصمة بفعل العمل العسكري ذاته الذي كان يُفترض أنه يهدف إلى حماية نظام عدم الانتشار.
أما المشكلة الأعمق، فتكمن في أن مصداقية معاهدة عدم الانتشار تعتمد على اقتناع الدول غير النووية بأنها في وضع أفضل من دون أسلحة نووية. ويقوم هذا الاقتناع على ركيزتين: الأولى، أن الدول النووية ستتجه في نهاية المطاف إلى نزع السلاح، وهو ما لم يحدث؛ والثانية، أن الضمانات الأمنية التقليدية ستحمي الدول غير النووية من التهديدات الوجودية التي تجعل امتلاك السلاح النووي خيارًا جذابًا. وقد ألحقت حرب إيران ضررًا بالغًا بالركيزة الثانية، وزاد فشل محادثات إسلام آباد من هذا الضرر، إذ أظهر أن حتى دولة انخرطت في دبلوماسية جادة وطويلة الأمد لم تتمكن من الحصول على ضمانات موثوقة لأمنها المستقبلي مقابل تقديم تنازلات نووية.
وقد أشارت «نشرة علماء الذرة» قبل محادثات إسلام آباد إلى أن إيران كانت تستخدم برنامج التخصيب كورقة ضغط في المفاوضات، وأبدت استعدادًا لتخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم أو تصدير الكميات الأعلى تخصيبًا مقابل رفع العقوبات ومنع وقوع هجمات مستقبلية. وبعبارة أخرى، كان الاتفاق ممكنًا من حيث المبدأ؛ غير أن ما كان مفقودًا لم يكن استعداد إيران، بل مصداقية الولايات المتحدة.
عقب انهيار المحادثات، أعلن دونالد ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية اعتبارًا من 13 أبريل/نيسان، مبررًا ذلك بأن إيران «فشلت عن علم» في إعادة فتح مضيق هرمز. في المقابل، أفاد مسؤولون إيرانيون بأن قنوات الاتصال ستظل قائمة، مع العمل على ترتيب جولة ثانية محتملة من المفاوضات عبر باكستان. وحتى 20 أبريل/نيسان، ظل من غير الواضح ما إذا كانت طهران ستشارك في جولات تفاوض إضافية.
وقد أضاف الحصار طبقة جديدة إلى أزمة انعدام الثقة. إذ أكد وزير الخارجية الإيراني أن الطرفين كانا «على بُعد بوصات» من التوصل إلى مذكرة تفاهم قبل أن تغيّر الولايات المتحدة شروط التفاوض، وهو ما نفته واشنطن. وبغض النظر عن التسلسل الدقيق لما جرى داخل فندق سيرينا، فإن المحصلة تتمثل في أن المسألة النووية لا تزال دون حل، ووقف إطلاق النار لا يزال هشًا، والمضيق لا يزال موضع نزاع، بينما استوعبت الحكومات التي تراقب من الرياض وأنقرة وسيول وطوكيو ووارسو دليلًا إضافيًا ضمن حساباتها المستمرة بشأن متطلبات أمنها الوطني.
و«تأثير الدومينو النووي» لا يحدث دفعة واحدة. فلا توجد لحظة واحدة تعلن فيها السعودية امتلاك قنبلة نووية، أو تنسحب فيها تركيا من معاهدة عدم الانتشار، أو تفعّل فيها كوريا الجنوبية برنامج تخصيب سري. بل إن العملية أبطأ وأكثر مؤسسية: إذ تمضي الحكومات بهدوء في تطوير بنيتها التحتية النووية، وتعدّل خطابها العلني، وتبني قدرات التخصيب تحت غطاء البرامج المدنية، وتُعيد ضبط علاقتها بنظام عدم الانتشار من شريك ملتزم إلى مستفيد استراتيجي من دون التزامات كاملة. وكل خطوة على حدة قابلة للإنكار، لكن الاتجاه التراكمي ليس كذلك.
لم تطوّر إيران سلاحًا نوويًا. ومع ذلك، خاضت الولايات المتحدة حربًا لضمان ذلك، ثم قصفت إيران خلال المفاوضات التي كان يُفترض أن تمنع الحرب، ثم عاودت قصفها مرة أخرى، قبل أن ترسل نائب الرئيس إلى فندق في إسلام آباد للمطالبة بأن تتخلى إيران بشكل دائم عن وسيلة الردع الوحيدة التي كان يمكن أن تمنع اندلاع الحرب أصلًا. انهارت المحادثات، وتلاها الحصار. وفي عواصم العالم، قامت الحكومات التي كانت أصلًا تحسب خياراتها النووية بتحديث تقديراتها في ضوء أحدث المعطيات المتاحة.
الدرس المستخلص ليس بالضرورة ما كانت واشنطن تقصده. ونادرًا ما يكون كذلك.
لقراءة المادة من موقعها الأصلي: