تحليل: كيف انهارت قوة الردع الإيرانية قبيل اندلاع الحرب؟
يمن فيوتشر - فورين بوليسي - ديكر إيفليث- ترجمة خاصة: الاربعاء, 25 مارس, 2026 - 05:12 مساءً
تحليل: كيف انهارت قوة الردع الإيرانية قبيل اندلاع الحرب؟

قبل أربع سنوات فقط، كانت إيران تبدو وكأنها تُرسّخ موقعها — بل وتوسّعه — في منطقة الشرق الأوسط. فقد نجحت أذرعها الحليفة في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن في تثبيت نفسها كقوى عسكرية منظمة داخل مناطق نفوذها. كما بدا برنامج الصواريخ الإيراني في مسار تطور سريع، سواء من حيث الحجم أو التعقيد التكنولوجي. وفي الوقت نفسه، رفعت طهران مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، ما وضعها على مقربة من العتبة اللازمة لإنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة النووية، إذا ما قررت المضي في هذا الاتجاه.

أما اليوم، فتخوض الجمهورية الإسلامية الإيرانية معركة من أجل البقاء. إذ تشنّ الطائرات الحربية التابعة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة ضرباتٍ عميقة داخل أراضيها، مستهدفة تفكيك البنية العسكرية التي عملت إيران على بنائها طوال العقد الماضي. وقد باتت معظم قواها الوكيلة — وربما باستثناء وحيد يتمثل في جماعة الحوثيين — في حالة انهيار. كما تعرّض أسطولها البحري السطحي للتدمير إلى حدٍّ كبير، فيما أصبح سلاحها الجوي شبه معطّل، وأثبتت منظومات دفاعها الجوي عجزها عن التصدي لهجماتٍ مكثفة ومتواصلة. أما القوة الوحيدة التي لا تزال قادرة على استهداف مواقع إقليمية، والمتمثلة في ترسانتها من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، فهي بدورها تتعرض لقصفٍ مستمر، مع استهداف مداخل ما يُعرف بـ”مدن الصواريخ” الإيرانية.

فكيف تدهور موقع إيران بهذه السرعة؟
تتعدد الأسباب، غير أن نقطة التحول الأساسية تمثلت في إدراك كل من إسرائيل والولايات المتحدة، قبل نحو عامين، أن القدرات العسكرية الإيرانية — ولا سيما في مجالي الدفاع الجوي والصواريخ — لا ترقى إلى مستوى التقديرات السابقة من حيث التطور. وقد يؤدي إخفاق الصواريخ الإيرانية في ردع الولايات المتحدة وإسرائيل، في نهاية المطاف، إلى دفع طهران نحو تبني آليات ردع بديلة، من بينها السلاح النووي.

قبل أولى الضربات الصاروخية المباشرة التي شنّتها إيران ضد إسرائيل في عام 2024، لم يكن أحد يعلم على وجه الدقة مدى فاعلية الصواريخ الإيرانية أو كفاءة منظومات الاعتراض لدى كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت هناك بعض المؤشرات التي تفيد بأن الصواريخ الإيرانية قادرة على تحقيق إصابات دقيقة على مسافات قصيرة جداً وفي بيئات غير متنازع عليها. ففي عام 2020، أعقبت عملية قتل الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس الجنرال (قاسم سليماني)، بإطلاق وابل محدود من الصواريخ استهدف بشكلٍ رئيسي قاعدة عين الأسد الجوية في العراق، التي كانت آنذاك منشأة أمريكية رئيسية. ولم يُقتل أي أمريكي، رغم إصابة عدد كبير.

وقد صوّر القادة العسكريون الإيرانيون تلك الضربة على أنها عملية محسوبة بعناية لتفادي سقوط قتلى، مع إظهار القدرة على تحقيق دقة إصابة. وادّعى قائد القوات الصاروخية الإيرانية، الجنرال (أمير علي حاجي زاده) (المتوفى حالياً)، أنه في حال اندلاع صراع فعلي، يمكن لإيران إطلاق آلاف الصواريخ، ما قد يؤدي إلى مقتل ما يصل إلى 5000 أمريكي خلال 48 ساعة.

غير أن استهداف قاعدة عين الأسد — وهي قاعدة غير محمية تقع على بُعد نحو 175 ميلاً من الحدود — لم يكن في حد ذاته تحدياً كبيراً. أما الاختبار الحقيقي فجاء في عام 2024، عندما حاولت إيران ضرب إسرائيل خلال عمليتي «الوعد الصادق 1 و2». ففي هاتين العمليتين، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية باتجاه هدف أبعد بكثير وأكثر تحصيناً. وقد قطعت هذه الصواريخ مسافة تتجاوز 1000 ميل، ما أثّر سلباً على دقتها، فضلاً عن اضطرارها لاختراق طبقات الدفاع الصاروخي الإسرائيلي.

وجاءت النتائج مخيبة للآمال بالنسبة لإيران. فعلى الرغم من محاولات استهداف مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية، وكذلك ما يُعتقد أنه مقر الاستخبارات الإسرائيلية، إلا أن طهران فشلت في تدمير أيٍّ منهما، نتيجة مزيج من ضعف الدقة ونجاح عمليات الاعتراض.

وربما كان الدليل الأوضح على الفجوة بين الخطاب الإيراني والواقع العملي هو أداء هذه الصواريخ في مواجهة الأهداف العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما القواعد الجوية. ففي كلتا عمليتي «الوعد الصادق 1 و2»، سعت إيران إلى استهداف قاعدة نيفاتيم الجوية جنوب إسرائيل. وفي العملية الثانية، تمكنت من تسجيل نحو 40 إصابة داخل القاعدة، ويُعزى ذلك جزئياً إلى أن إسرائيل لم تبدُ وكأنها تصدت للهجوم بكثافة باستخدام منظومات الاعتراض في المرحلة النهائية.

ومع ذلك، ظلّت الأضرار محدودة. فقد تفرّقت الصواريخ على مساحة واسعة، وأصابت عدداً من المباني وأحد الملاجئ المحصّنة للطائرات، من بين العديد منها، لكن معظمها أخفق في إصابة أهداف ذات قيمة عسكرية تُذكر. وبقيت أجزاء كبيرة من القاعدة سليمة، وسرعان ما جرى إصلاح الأضرار. وقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك (يوآف غالانت) الهجوم بأنه «عدواني لكنه يفتقر إلى الدقة».

كما أن الكمية الكبيرة من حطام الصواريخ التي جُمعت داخل إسرائيل أتاحت للحكومة ووسائل الإعلام فحص المكوّنات العسكرية الإيرانية عن كثب. وكشف تحقيق أجرته صحيفة “هآرتس” في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أن الصواريخ الإيرانية صُنعت في معظمها باستخدام مكونات متدنية الجودة ولحامات ضعيفة، ما دفع أحد محللي الصواريخ إلى التساؤل عمّا إذا كانت «مجرد صواريخ ألعاب».

وفي المقابل، أظهر ردّ إسرائيل على هذه الهجمات مستوى أعلى بكثير من الكفاءة. فقد نجحت القوات الإسرائيلية في تدمير رادار متطور تابع لمنظومة الدفاع الجوي الروسية الصنع «إس-300»، وذلك في موقع يقع في عمق الأراضي الإيرانية. وقد شكّلت هذه العملية تمهيداً لما سيأتي لاحقاً خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، وكذلك في الصراع الراهن، حيث فشلت الدفاعات الجوية الإيرانية في إسقاط أي طائرة مأهولة.

ولو كانت عمليتا «الوعد الصادق 1 و2» قد أظهرتا قدرة على اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية بشكل موثوق وتدمير أهداف محددة على نطاق واسع، لكان الحساب الاستراتيجي لإسرائيل مختلفاً. ولو تمكنت إيران من تدمير مرافق القيادة والسيطرة الإسرائيلية أو إثبات قدرتها على تدمير المخابئ الجوية المحصّنة أو أي بنى تحتية حيوية في القواعد الجوية عند الحاجة، مهددة بذلك قدرة إسرائيل على تنفيذ العمليات الجوية، فمن غير المرجح أن تكون إسرائيل قد تجرأت على خوض حرب واحدة، ناهيك عن حربين منفصلتين مع إيران.

لكن إيران فشلت في تحقيق أي من هذين الأمرين. وبدلاً من ذلك، كشفت صواريخها عن كونها أسلحة مدمرة لكنها غير دقيقة ومرهقة في التنفيذ.

نتيجة لذلك، انهارت قدرة إيران على ردع إسرائيل عن شن ضربات على أراضيها. ويبدو أن إسرائيل توصلت — بشكل صحيح — إلى أن هجوماً مفاجئاً، مقترناً بنظام دفاع صاروخي متعدد الطبقات، يمكن أن يحقق نتائج عسكرية إيجابية. وبينما تواصل إيران الرد، فقد فشلت حتى الآن في إلحاق مستوى الضرر اللازم لإنهاء الحرب، وتستمر الضربات على أراضيها.

إنها حالة كان يُعدّ تصورها مستحيلاً قبل بضع سنوات فقط.

وإذا نجح النظام الإيراني في البقاء خلال الأسابيع المقبلة، فسيواجه خيارات صعبة.

أحد هذه الخيارات سيكون الاستمرار في الاستثمار بشكل كبير في قوة صواريخه. لكن هذا المسار قد يعيد إيران إلى الوضع الحالي نفسه — حيث تبقى عرضة لضربات مستمرة تهدف إلى إبقاء ترسانتها محدودة قدر الإمكان.

ولدى إيران أدوات ضغط أخرى محتملة. فتهديدها باستهداف السفن في مضيق هرمز أدى فعلياً إلى شل حركة المضيق، من دون أن تقوم بتحركات فعلية كبيرة. لكن هذا التهديد فشل حتى الآن في ردع العمليات العسكرية، كما أن إنشاء السعودية لأنبوب نفط يصل إلى البحر الأحمر سمح لها بتجاوز المضيق المغلق، مما حدّ من تأثير هذا التهديد.

وفي هذه الظروف، قد يبدو المضي قدماً في برنامج الأسلحة النووية خياراً أكثر جاذبية لطهران. لكن هذا المسار سيكون صعباً للغاية على الصعيدين التقني والسياسي. فإيران ستحتاج ليس فقط إلى تصنيع سلاح نووي سراً، بل إلى بناء عدد كافٍ منه بحيث لا يمكن للخصم التأكد من قدرته على القضاء على الترسانة بأكملها.

وفي الوقت الحالي، تمتلك إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب لصنع نحو 10 أسلحة نووية فقط، وهو رقم قد لا يكون كافياً لمواجهة مهاجم عازم. وهذا ليس مستحيلاً بالضرورة، لكنه مرجح أن يكون بالغ الصعوبة، بالنظر إلى حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية خلال العام الماضي.

وفي الماضي، اكتفت إيران بتهديد السير في هذا المسار، ويبدو أنها كانت مترددة بسبب التداعيات الاقتصادية للعقوبات الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا. وفي محاولة لتحسين وضعها الاقتصادي، تعاونت إيران لفترة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعملت على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج.

مع ذلك، أصبح كل ذلك الآن بلا قيمة. فقرار إيران بإنهاء اتفاقية الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقف مراقبة المواقع النووية، إلى جانب ضرباتها بالطائرات المُسيّرة والصواريخ التي استهدفت مناطق مدنية في الخليج، أدى إلى فرض عقوبات كبيرة، وربما ألحق ضرراً دائماً بعلاقاتها مع الدول المجاورة. كما أن الاستمرار في المسار النووي سيزيد من التحديات الاقتصادية، وقد يقودها إلى أن تصبح دولة منبوذة اقتصادياً، على غرار كوريا الشمالية في التسعينيات.

مع ذلك، بالنسبة للجمهورية الإسلامية، أصبح إعادة فرض الردع مسألة بقاء. ونظراً لأنها لا تزال تحت قصف مكثف، فقد ترى القيادة الإيرانية أن المعاناة الاقتصادية القصوى أفضل من البقاء بلا حماية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. وبعد هذه الحرب، قد تخرج إيران بحسابات تكلفة-منفعة مختلفة تماماً، وقد تستنتج أن تضحيات أكبر بكثير ضرورية لضمان أمنها.

وفي عام 1965، أعلن وزير الخارجية الباكستاني آنذاك (ذو الفقار علي بوتو) أن بلاده ستصنع قنبلة نووية حتى لو اضطرت إلى “أكل العشب”. والسؤال الآن هو ما إذا كانت إيران ستصل إلى الاستنتاج ذاته.


التعليقات