تعود الجذور الفكرية والتنظيمية لجماعة الحوثيين، المعروفة رسميًا باسم «أنصار الله»، إلى تسعينيات القرن الماضي في محافظة صعدة شمالي اليمن. وقد ارتبط الأساس الفكري للحركة بصورة وثيقة بـ(حسين الحوثي)، شقيق (عبد الملك الحوثي) ومؤسس تنظيم «الشباب المؤمن»، الذي تطور لاحقًا ليصبح النواة الأوسع للحركة الحوثية.
ومنذ عام 2024، صنّفت الولايات المتحدة جماعة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية (FTO)، في ظل تنامي المخاوف الأمريكية إزاء أنشطة الجماعة العسكرية والإقليمية، ولا سيما في البحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية.
ويمكن فهم المشروع الأيديولوجي لحسين الحوثي بوصفه مزيجًا فكريًا يجمع بين أفكار (روح الله الخميني) وخطاب (حسن البنا)، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب تأثيرات واضحة لأفكار (سيد قطب)، أحد أبرز منظّري الجماعة، خصوصًا من خلال كتابه «معالم في الطريق»، الذي لا يزال يُعد من أكثر النصوص تأثيرًا لدى الحركات الإسلامية الراديكالية، سواء السنية أو الشيعية. ويمكن ملاحظة العديد من هذه المفاهيم في المحاضرات العقائدية لحسين الحوثي، المعروفة باسم «الملازم»، والتي أصبحت أكثر وضوحًا لاحقًا في خطابات عبد الملك الحوثي وأدائه السياسي.
ومنذ المراحل الأولى لنشأة الحركة، شكّل الشعار المعروف بـ«الصرخة» عنصرًا محوريًا لفهم نظرة الحوثيين إلى الولايات المتحدة والغرب:
«الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام».
ولا يقتصر هذا الشعار على كونه خطابًا سياسيًا وأيديولوجيًا عدائيًا فحسب، بل يؤدي أيضًا دور أداة تعبئة وإطار فكري يحدد العدو، ويربط الصراع بالهوية والدين والسيادة.
ويشير مصطلح «الملازم» إلى مجموعة الأدبيات العقائدية والسياسية والدينية الحوثية المنسوبة إلى حسين الحوثي، والتي تُعد اليوم المرجعية الفكرية والعقائدية الأساسية للحركة.
وفي هذه النصوص، تحتل الولايات المتحدة موقعًا محوريًا، ليس بوصفها دولة أجنبية فحسب، بل باعتبارها رمزًا لمنظومة أوسع يُنظر إليها على أنها تستهدف الهوية والثقافة والسيادة. ويتجلى هذا التصور بوضوح في نص عقائدي بعنوان «خطر دخول أمريكا إلى اليمن»، يصوّر الولايات المتحدة باعتبارها تسعى إلى اختراق المجتمع عبر التعليم والإعلام والثقافة والنخب المحلية، وليس من خلال القوة العسكرية وحدها.
كما يعكس النص اعتقادًا محوريًا في الفكر الحوثي مفاده أن الصراع مع الولايات المتحدة ليس ظرفيًا أو مرتبطًا بلحظة سياسية معينة، بل هو صراع دائم ومستمر، يُنظر فيه إلى «العدو» على أنه يواصل التخطيط والعمل حتى خلال فترات الهدوء. ومن هذا المنطلق، يصبح التصعيد ورفض التهدئة أمرين مبرَّرين أيديولوجيًا، استنادًا إلى القناعة المتكررة لدى حسين الحوثي بأن «الأمريكيين لن يتركونا وشأننا حتى لو التزمنا الصمت».
وتنظر السردية الحوثية إلى مفاهيم الدولة الحديثة، مثل الديمقراطية والفصل بين السلطات والمؤسسات والخدمات العامة، باعتبارها جزءًا من مشروع أو «مؤامرة» أمريكية وغربية تهدف إلى التأثير في المجتمعات الإسلامية وإضعاف الحكم الديني التقليدي.
وفي هذا السياق، يستحضر حسين الحوثي أفكار روح الله الخميني ووصفه للولايات المتحدة بأنها «الشيطان الأكبر»، مقدّمًا الخميني باعتباره من أوائل من كشفوا ـ من وجهة نظره ـ الطبيعة الحقيقية للنفوذ والهيمنة الأمريكية في المنطقة. ويعكس ذلك مدى تغلغل الخطاب الثوري الإيراني في الأسس الأيديولوجية للحركة الحوثية.
ويصبح هذا التأطير الأيديولوجي أكثر وضوحًا في النص العقائدي المعنون «لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى»، حيث يُعاد تعريف العلاقة مع الغرب باعتبارها صراعًا دائمًا وغير قابل للتسوية، يتم فيه وضع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل ضمن معسكر واحد معادٍ. وتظهر هذه النزعة العدائية بصورة أكثر صراحة في الأدبيات العقائدية الحوثية.
كما تعيد «الثقافة القرآنية» إنتاج الشعار الحوثي باعتباره جزءًا من هوية جماعية أوسع وعملية تعبئة مستمرة. ولا يقتصر الخطاب الحوثي على بناء صورة «العدو الخارجي» فحسب، بل يسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية الداخلية.
وفي نص عقائدي حوثي آخر بعنوان «لا عذر لأحد أمام الله»، يُقسَّم المجتمع بصورة حادة بين مؤيدين للمشروع الحوثي و«منافقين»، بينما يُرفض مفهوم الحياد ذاته من المنظور الحوثي. وتستند هذه الرؤية إلى تقليد سياسي زيدي أقدم مرتبط بالإمام الهادي إلى الحق يحيى، الذي يُعد أحد أبرز المرجعيات الفكرية التاريخية في الزيدية السياسية.
وضمن هذا الإطار، يتحول «المنافقون» من مجرد خصوم سياسيين إلى خونة داخليين يعيشون داخل المجتمع نفسه، وهو ما يفسر جانبًا من النزعة الرقابية القوية وآليات الضبط الاجتماعي القسري في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
كما يجري تطوير البنية الاجتماعية والدينية للحركة بصورة أوضح في نص «مسؤولية أهل البيت»، حيث يُقدَّم «الجهاد» باعتباره واجبًا دينيًا مرتبطًا بالدفاع عن الدين ومواجهة الفساد، في حين يُوضَع «أهل البيت» في موقع القيادة الطليعية للمجتمع.
ويُقصد بـ«أهل البيت» المنحدرون من نسل النبي محمد ﷺ، إذ تُصوّرهم الأيديولوجيا الحوثية بوصفهم القيادة الدينية والسياسية الطبيعية للمجتمع. ويرى منتقدو هذا التصور أن مفهوم «مسؤولية أهل البيت» يتجاوز البعد الديني البحت، ليعكس شكلًا من أشكال التفوق الاجتماعي القائم على النسب، من خلال تصوير «أهل البيت» باعتبارهم أصحاب حق طبيعي في الوصاية السياسية والدينية على المجتمع، ليس داخل اليمن فحسب، بل وربما على امتداد شبه الجزيرة العربية.
غير أن اللافت بصورة خاصة هو أن الحوثيين لا يعتمدون على الخطاب الأيديولوجي وحده، بل يبدو أنهم يركزون أيضًا على بناء بنية طويلة الأمد تضمن بقاء الحركة واستمرارها. وفي جوانب عديدة، يبدو أن الحوثيين درسوا إخفاقات حركات مسلحة أخرى، ولا سيما تلك التي أصبحت معتمدة بالكامل على الرعاة الخارجيين أو فشلت في تأسيس شبكات مالية ولوجستية مستقلة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الجماعة حاولت بناء قدر أكبر من الاستقلالية التشغيلية عن إيران، ليس أيديولوجيًا بل ماليًا ولوجستيًا، سعيًا لتجنب الانهيار الذي واجهته تنظيمات فقدت داعمها الخارجي الرئيسي.
ونتيجة لذلك، وسّع الحوثيون هياكل اقتصاد الحرب وشبكات التهريب وقنوات التمويل البديلة، بالتوازي مع تنامي نشاطهم في شرق أفريقيا عبر مسارات تجمع بين التهريب والتنسيق اللوجستي والتجارة غير المشروعة.
كما تشير تقييمات أمنية وإقليمية إلى استخدام شبكات مالية وتجارية مرتبطة بالجماعة في عمليات غسل أموال وتحويلات مالية إقليمية، بما في ذلك أنشطة مرتبطة بمدينة البصرة جنوبي العراق، بهدف تسهيل حركة الأموال والالتفاف على العقوبات والقيود المفروضة.
وتفيد تقارير متعددة أيضًا بوجود شبكات مرتبطة بالحوثيين تشارك في نقل الأسلحة والذخائر عبر منطقة القرن الأفريقي، مع امتدادات تصل إلى جماعات مسلحة في مناطق مختلفة من القارة. ومع مرور الوقت، أسهمت هذه الأنشطة في ظهور شبكة عابرة للحدود لتجارة الذخائر تمتد انطلاقًا من شرق أفريقيا.
ولا يكمن الخطر الحقيقي في التمويل أو التهريب بحد ذاتهما فحسب، بل أيضًا في تنامي قدرة الحوثيين على بناء علاقات تتجاوز الانقسامات الطائفية التقليدية بين التنظيمات المتطرفة، بما يعكس مستوى متزايدًا من البراغماتية التشغيلية التي غالبًا ما تتغلب على الاعتبارات الأيديولوجية.
وفي المحصلة، تكشف النصوص العقائدية الحوثية، إلى جانب السلوك العملياتي المتطور للجماعة، عن مشروع يتجاوز بكثير حدود التمرد المحلي التقليدي. فالحوثيون لا يكتفون ببناء «عدو خارجي» لأغراض التعبئة، بل يعملون على تأسيس منظومة طويلة الأمد تدمج بين الأيديولوجيا واقتصاد الحرب والشبكات العابرة للحدود، ما يجعلهم من أكثر الفاعلين المسلحين في المنطقة قدرةً على التكيّف والاستمرار.
ويمضي مؤسس الحركة، حسين الحوثي، إلى أبعد من ذلك، إذ يضع نفسه بصورة ضمنية وريثًا لإرث الحركات الإسلامية الراديكالية في العالم الإسلامي، بما في ذلك تنظيم القاعدة وقياداته. ففي إحدى محاضراته، يفسّر فشل تنظيم القاعدة في مواجهة الولايات المتحدة ليس فقط من منظور الاستراتيجية أو القدرات، بل من زاوية ما يعتبره «القيادة الشرعية» المنحدرة من أهل البيت.
وعلى الرغم من إشادته بإخلاص (أسامة بن لادن) والتزامه بمواجهة الولايات المتحدة، فإن حسين الحوثي يلمّح إلى أن بن لادن فشل في نهاية المطاف لأنه ليس من أهل البيت. وفي المقابل، يجري تصوير شخصيات مثل (حسن نصر الله) بصورة ضمنية على أنها تمتلك مصدرًا إضافيًا من الشرعية الدينية وشرعية النسب.
كما يطبّق حسين الحوثي المنطق ذاته على حركات مثل «حماس»، موحيًا بأن إخفاقاتها لا ترتبط فقط بالوقائع العسكرية، بل أيضًا بغياب ما يراه قيادة مؤهلة إلهيًا.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحوثيين باعتبارهم من أوائل الفاعلين الإسلاميين الراديكاليين من غير الدول الذين درسوا بصورة منهجية إخفاقات وحروب الجماعات الإسلامية المسلحة السابقة بهدف استخلاص الدروس الاستراتيجية منها، بدلًا من الاكتفاء بتقليد خطابها أو تجاربها. وقد يفسر ذلك جانبًا من قدرة الحركة على التكيّف والصمود وبناء استراتيجية بقاء طويلة الأمد.