لم تكن المحادثات التي جرت عبر القنوات الخلفية بين المبعوث الخاص لـ(دونالد ترامب)، (ستيف ويتكوف)، ووزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي)، سريةً بالمعنى الدقيق؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية المصرية عبر منصة “إكس”، يوم الأحد، أن هناك محادثات جارية، وذلك قبل 24 ساعة من المهلة التي حدّدها ترامب، مساء الإثنين، لبدء استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران.
غير أن حالة الارتباك التي تحيط بمجمل العملية تشير إلى أن هذه المناقشات – التي يُعتقد أنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى مفاوضات رسمية – ربما استمرت لما بعد يوم الأحد، بمشاركة أكثر من وسيط، يتنافسون، كما جرت العادة، على لعب دور “صانع السلام” الأبرز.
فعلى سبيل المثال، أجرى قائد الجيش الباكستاني (عاصم منير) اتصالًا مع ترامب يوم الأحد، فيما عقد رئيس الوزراء الباكستاني (محمد شهباز شريف) محادثات مع الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) يوم الإثنين. ومن المحتمل أن تتحول باكستان إلى ساحة لاستضافة جولات إضافية من المحادثات، قد يشارك فيها هذه المرة نائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس)، المعروف بتحفظه الشخصي إزاء الحرب. وكان رئيس الوزراء البريطاني (كير ستارمر) محقًا في التحذير من التعويل على نهاية سريعة للصراع.
ويصرّ ترامب على أن الجانب الإيراني هو من طلب إجراء المحادثات، وأن تهديده بتدمير محطة طاقة تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار أسهم في تركيز حسابات طهران. في المقابل، نفت إيران في البداية حدوث أي محادثات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مؤكدة: «لا توجد أي مفاوضات على الإطلاق بين طهران وواشنطن، وتصريحات رئيس الولايات المتحدة تندرج في إطار محاولة خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لتنفيذ خططه العسكرية».
وأفادت وزارة الخارجية المصرية بأن وزير الخارجية (بدر عبد العاطي) أجرى محادثات شاركت فيها وزارات خارجية كل من باكستان وقطر وتركيا وإيران، إلى جانب المبعوث الخاص للولايات المتحدة. وأوضحت الوزارة أن هذه الاتصالات هدفت إلى منع التصعيد الإقليمي الراهن من الانزلاق إلى وضع خارج عن السيطرة. وفي الوقت ذاته، أعلن وزير الخارجية العُماني أنه يجري مشاورات بشأن سبل فتح مضيق هرمز. كما أصبح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أول زعيم أوروبي يقرّ بعلمه بهذه المحادثات، وذلك خلال مثوله أمام لجنة برلمانية مختصة في وستمنستر.
وبدأت أولى المؤشرات على احتمال تراجع زخم عملية «الغضب الملحمي» عندما أعلن (دونالد ترامب)، قبيل افتتاح الأسواق المالية العالمية التي كان يُتوقع أن تشهد اضطرابات حادة، عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه قرر تعليق الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران، مشيرًا إلى «محادثات جيدة جدًا ومثمرة» جرت مع «دولة إيران». وأضاف أن هذه المحادثات قد تفضي، خلال الأسبوع، إلى «حل كامل وشامل» للحرب.
وقد شكّل هذا الإعلان مفاجأة مدوية، وإن كان تأثيره تدريجيًا؛ إذ بدا في البداية وكأن ترامب إما يبالغ في تصوير الواقع أو يسعى إلى إيجاد مخرج تراجعي، على غرار ما قام به في مواجهات سابقة متعددة، سواء فيما يتعلق بالرسوم الجمركية أو بقضية غرينلاند.
في المقابل، أصرت وزارة الخارجية الإيرانية في البداية على عدم عقد أي محادثات، معتبرة أن ترامب تراجع ببساطة تحت وطأة حجم الأزمة الاقتصادية وأزمة الطاقة التي تسبب بها بنفسه. كما اتهمت الوزارة ترامب بمحاولة خفض أسعار الطاقة — وهو أحد المؤشرات الرئيسية لقياس نجاح إيران في الحرب — أو بالسعي إلى كسب الوقت لتهيئة قوات برية تمهيدًا للسيطرة على جزر استراتيجية في مضيق هرمز، الذي لا يزال مغلقًا.
وردّ (دونالد ترامب)، بأسلوب يُعد هادئًا وفق معاييره، عندما سُئل عن سبب نفي إيران لحدوث هذه المحادثات، قائلًا إن من المحتمل أن يكون نظام الاتصالات الداخلية في البلاد يعاني خللًا. ورفض ترامب الكشف عن هوية «الزعيم المحترم» الذي قال إنه كان على تواصل معه، مكتفيًا بالإشارة إلى أنه ليس المرشد الأعلى (مجتبى خامنئي). وأضاف أن هذا القائد الغامض كان متعاونًا، وقد التزم حتى الآن بما طُلب منه.
وظل احتمال أن يكون أحد أفراد الحلقة القيادية الإيرانية المصغّرة يتصرف بشكل منفرد وخطر قائمًا؛ وفي حال صحّ ذلك، فإن تداعيات سياسية واسعة قد تترتب عليه. كما تصاعدت التكهنات بأن وزير الخارجية وكبير المفاوضين النوويين عباس عراقجي قد جرى تهميشه في سياق صراع على السلطة لم تتضح معالمه بعد.
وقد دخلت خطوط السلطة السياسية في إيران حالة من الاضطراب نتيجة الأضرار التي خلّفتها حملة الاغتيالات الإسرائيلية. وبين الشخصيات التي بقيت على قيد المشهد، يتمتع مسعود بزشكيان بنقاط قوة باعتباره شخصية توحيدية ذات مصداقية، إلا أنه يفتقر إلى الخبرة الكافية في ملف المفاوضات النووية، كما أنه لا يحظى بثقة كاملة من المؤسسة العسكرية. أما (علي لاريجاني)، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي وأحد أبرز عوامل التوازن السياسي في إيران خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، فقد وُوري الثرى مؤخرًا. وتشير التقديرات إلى أن المرشد الأعلى الجديد قد يكون في حالة غيبوبة، وهو بالتأكيد غائب عن المشهد. وبذلك، يبرز على الساحة السياسية بشكل أساسي (محمد باقر قاليباف)، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، وأحد أبرز الداعمين للحرس الثوري الإيراني.
غير أن قاليباف أصدر نفيًا جزئيًا، إذ قال إن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة لم تُجرَ، وهي صيغة تترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات أخرى لا ترقى إلى مستوى المفاوضات المباشرة مع واشنطن. وكتب: «إن شعبنا يطالب بمعاقبة المعتدين عقابًا كاملًا ومهينًا، ويقف جميع المسؤولين بثبات خلف قيادتهم وشعبهم حتى تحقيق هذا الهدف. لم تُجرَ أي مفاوضات مع أمريكا، والأخبار الزائفة تهدف إلى التلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط، وإلى الهروب من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل».
وأكدت عواصم إقليمية أن محادثات غير مباشرة قد جرت بالفعل، لا سيما يوم الأحد، وأن بعض ما أورده دونالد ترامب بشأن ما كان يدور خلف الكواليس يحمل قدرًا من الصحة، حتى وإن كان توصيفه لحجم القوة الاستراتيجية الأمريكية في الحرب محل جدل. كما شدد ترامب على أن إسرائيل ستكون راضية جدًا عمّا تم التوصل إليه.
وتحدث ترامب عن «اتفاق من 15 نقطة»، في صيغة تذكّر بـ«اتفاق الـ21 نقطة» في غزة أو «اتفاق الـ28 نقطة» الخاص بأوكرانيا. وخلال سلسلة من الإحاطات الصحفية، قدّم ترامب عناوين عامة وفضفاضة إلى حد كبير بشأن مضمون هذا الاتفاق المحتمل.
وأشار إلى أن أحد أبرز بنوده يتمثل في إمكانية إخضاع مضيق هرمز لسيطرة مشتركة «بيني وبين آية الله أيًّا يكن هذا الآية الله». كما تشمل البنود الأخرى: عدم امتلاك قنابل نووية، وعدم تطوير أسلحة نووية «ولا حتى الاقتراب من ذلك»، وعدم وجود «غبار نووي» — في إشارة إلى مخزون اليورانيوم عالي التخصيب — إلى جانب «خفض مستوى النشاط الصاروخي»، وتحقيق السلام في الشرق الأوسط، في إشارة إلى فتح قنوات حوار بين إيران وجيرانها في الخليج الغاضبين، وأخيرًا «عدم التخصيب». ويُذكر أن معظم هذه المقترحات سبق أن طُرحت أو نوقشت في محادثات جنيف أو على هامشها.
غير أن موافقة إيران على التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم تمثل خطوة بالغة الأهمية والحساسية، إذ ظل هذا الملف نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين على مدى عقدين. وكانت الجولة السابقة من ثلاث محادثات بوساطة عُمانية — التي توقفت إثر الهجوم الأمريكي على إيران — قد تعثرت عند هذه النقطة تحديدًا. كما رفضت إيران عرضًا أمريكيًا يقضي بتزويدها باليورانيوم مجانًا لمدة عشر سنوات.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى كل شيء غير محسوم؛ غير أن ترامب حذّر، في حال فشل المحادثات، قائلًا للصحفيين: «سنواصل القصف بلا هوادة».