تحليل: بوليصة التأمين الإيرانية.. لماذا بقي الحوثيون خارج ساحة القتال؟
يمن فيوتشر - معهد الشرق الأوسط - ندوى الدوسري- ترجمة خاصة الجمعة, 13 مارس, 2026 - 11:52 صباحاً
تحليل: بوليصة التأمين الإيرانية.. لماذا بقي الحوثيون خارج ساحة القتال؟

شنّت كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية واسعة على إيران ابتداءً من 28 فبراير/شباط، ما أسفر عن مقتل عشرات من كبار القادة الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى (علي خامنئي)، إضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية العسكرية للبلاد. ومنذ ذلك الحين، صعّدت الميليشيات المتحالفة مع إيران في العراق ولبنان هجماتها ردّاً على تلك الضربات.
ومع ذلك، وبعد نحو أسبوعين، لم يدخل أحد أبرز حلفاء طهران الإقليميين وأكثرهم قدرة على الإزعاج والتأثير — أي حركة الحوثيين في اليمن — ساحة القتال. فعلى الرغم من نشر منصات إطلاق صواريخ على امتداد ساحل البحر الأحمر، والتحذير من أن «الأصابع على الزناد»، فإن الجماعة امتنعت حتى الآن عن إطلاق النار.

ويعكس هذا التحفّظ من جانب الحوثيين حساباتٍ استراتيجية لدى الحرس الثوري الإيراني. إذ تُحدَّد قرارات التدخل وتوقيته من خلال «غرفة العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، التي يديرها فيلق القدس التابع للحرس الثوري، والمسؤول عن إدارة الأنشطة العسكرية الخارجية والاستخباراتية وعمليات الحرب غير التقليدية. وبالنسبة لطهران، يبقى الهدف الأسمى هو بقاء النظام. وفي مواجهة الحملة الأميركية-الإسرائيلية، وسّعت إيران نطاق المواجهة ليشمل ما لا يقل عن اثنتي عشرة دولة، من بينها دول الخليج، مستهدفةً بنى تحتية للطاقة ومنشآت مدنية وعسكرية أخرى. ومن خلال توسيع رقعة الصراع وإطالة أمده، تأمل طهران في رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، مراهنةً على أن الضغط المتواصل سيدفع في نهاية المطاف واشنطن إلى البحث عن مخرج من التصعيد.

 

خلافات داخلية حول توقيت إشراك الحوثيين

تشير تقارير إلى وجود خلافات بين عناصر الحرس الثوري الإيراني العاملين مع الحوثيين داخل اليمن بشأن كيفية الرد. ووفقاً لمصادر تحدث إليها الكاتب، يدعو بعضهم إلى دخول الحوثيين في القتال، في حين يرى آخرون ضرورة الاحتفاظ بالجماعة لمرحلة لاحقة وأكثر حسماً من الصراع. ويعود هذا التردد إلى مخاوف داخل الحرس الثوري وكذلك لدى الحوثيين أنفسهم من خطر التعرّض لجولة جديدة من الضغط العسكري الأميركي المكثف.

فقد أسفرت الضربات الجوية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال عملية «راف رايدر» عام 2025 عن خسائر كبيرة في صفوف الحوثيين؛ إذ قُتل عدد من كبار القادة والخبراء في وحدات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، كما تعطلت الاتصالات الداخلية وهياكل القيادة والسيطرة، ودُمّرت بنى عسكرية رئيسية. وكان مقتل قائدهم العسكري الأعلى (محمد الغماري) — الذي كان يشكّل حلقة الوصل الأساسية بين الحوثيين والحرس الثوري — ذا دلالة خاصة.

ومع ذلك، تمكّن الحوثيون من الصمود أمام حملة القصف الأميركية، وتجنّبوا مستوى تصفية القيادات العليا والاضطراب التنظيمي الذي تعرّض له، على سبيل المثال، حزب الله في لبنان على يد الإسرائيليين. ومنذ ذلك الحين، تعمل الميليشيا اليمنية المدعومة من إيران على إعادة تنظيم صفوفها وإعادة بناء قدراتها.

وفي ظل الحملة العسكرية الإسرائيلية المتجددة وعالية الوتيرة الرامية إلى تحييد حزب الله عسكرياً، ومع تعرّض الميليشيات العراقية نفسها لضربات جوية مكثفة تهدف إلى تحجيمها، بات الحوثيون اليوم آخر وكيل إقليمي رئيسي لإيران لا يزال قائماً، والأكثر قدرة على استعادة نفوذ طهران في المنطقة. وعلى هذا الأساس، لا يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم خط الدفاع الأخير لإيران فحسب، بل ربما أيضاً كطوق نجاة استراتيجي للحرس الثوري الإيراني في حال انهيار نظام إيران نفسه. ولهذا السبب، تتعامل طهران بحذر مع مسألة إشراكهم في الصراع الدائر حالياً.

وفي هذا السياق، صرّح مؤخراً (إسماعيل كوثرى)، القائد السابق في الحرس الثوري والعضو الحالي في لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بأن الحوثيين سيكون لهم «دور خاص» في الحرب الإقليمية، لكن هذا الدور سيُنفَّذ «في الوقت المناسب».

وعلى مدى العقد الماضي، ساعد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الحوثيين على بناء شبكة عسكرية-صناعية وتهريب متطورة على نحو متزايد، ما مكّن الجماعة من إنتاج الأسلحة محلياً، مع الحصول على المكوّنات عبر شبكة عالمية من عمليات التوريد والتجارة غير المشروعة. ويُعد الحفاظ على هذه البنية التحتية أمراً بالغ الأهمية للحرس الثوري، في وقت يسعى فيه إلى ترسيخ وتوسيع نفوذه غير المتكافئ عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتحتل مكانة الحوثيين داخل اليمن، وقدرتهم على إسقاط القوة في المنطقة، موقعاً محورياً في صلب هذه الشبكة.

ولا يزال من غير الواضح متى وكيف سيرد الحوثيون في نهاية المطاف. غير أن ما يبدو أكثر وضوحاً هو أن أي تدخل محتمل لهم سيُصاغ على الأرجح وفق الاستراتيجية المتغيرة لإيران، لا استناداً إلى الحسابات المحلية البحتة في صنعاء. وطالما تعتقد طهران أنها قادرة على فرض ضغوط اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها عبر توسيع نطاق التصعيد الإقليمي، فقد يظل الحوثيون إلى حد كبير قوة احتياط. لكن كلما طال أمد الصراع، ازدادت احتمالات انخراط الجماعة بصورة أكثر مباشرة في القتال.

 

 

السيناريوهات المحتملة لانخراط الحوثيين

أحد الاحتمالات يتمثل في تصعيد محسوب. ففي هذا السيناريو قد يسعى الحوثيون إلى إظهار التضامن مع إيران ورفع كلفة الحرب، من دون استثارة رد عسكري أميركي واسع قد يهدد سيطرتهم على شمال اليمن. وقد يشمل ذلك استئناف الهجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، أو تنفيذ ضربات صاروخية وبالطائرات المُسيّرة باتجاه إسرائيل.

كما قد يعاود الحوثيون شن هجمات عابرة للحدود ضد المملكة العربية السعودية، وهو خيار لوّحت به الجماعة مراراً منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، متهمةً الرياض بخدمة «الأجندة الأميركية والإسرائيلية» للسيطرة على المنطقة. وقد ترى الجماعة في هذا الخيار مساراً أقل مخاطرة؛ إذ إن الضربات الحوثية السابقة في عمق الأراضي السعودية أسهمت في دفع المملكة نحو مفاوضات أفضت في نهاية المطاف إلى هدنة بوساطة الأمم المتحدة عام 2022، ما أدى إلى تراجع كبير في الهجمات العابرة للحدود. واستهداف السعودية قد يساعد الحوثيين في الحفاظ على شرعيتهم كجزء من «محور المقاومة»، ويزيد الضغط الإقليمي دعماً لإيران، مع تقليل احتمالات رد واسع النطاق.

أما السيناريو الثاني، وهو أكثر خطورة وتأثيراً، فيتمثل في تصعيد شامل. ففي هذه الحالة قد يلجأ الحوثيون إلى استخدام ترسانتهم الكبيرة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة والألغام البحرية والأسلحة المضادة للسفن لتعطيل حركة الملاحة عبر البحر الأحمر واستهداف نطاق أوسع من الفاعلين الإقليميين، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية للحرب وإطالة أمدها. وقد يشمل ذلك هجمات صاروخية ومُسيّرة متواصلة على إسرائيل، وتعطيلاً واسعاً لحركة الشحن التجاري، فضلاً عن ضرب منشآت الطاقة في دول الخليج. وإذا ترافق ذلك مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، فإن تصاعد الهجمات الحوثية في البحر الأحمر قد يفاقم اضطراباً غير مسبوق في التجارة البحرية العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة ويزيد الضغوط الدولية لإنهاء الصراع.

ومع ذلك، فإن مثل هذا التصعيد ينطوي على مخاطر كبيرة؛ إذ قد يستدعي موجة جديدة من الضربات الجوية التي قد تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف للحوثيين في اليمن، وقد يدفع أيضاً السعودية إلى التخلي عن حالة التهدئة الهشة مع الجماعة ودعم الحكومة اليمنية في تحرك عسكري لإقصائهم. وبذلك، فإن التصعيد الشامل سيمثل مرحلة أشد خطورة من الصراع، وهي مرحلة قد تسعى إيران إلى تجنبها. ومن غير المرجح أن تلجأ طهران إلى هذا الخيار ما لم تعتقد أن بقاء النظام الإيراني نفسه أصبح على المحك، وأن الاستراتيجيات الأخرى أخفقت في توليد ضغط كافٍ على واشنطن.

 

شريك محور المقاومة في الملاذ الأخير

يبدو أن الحوثيين يؤدّون دور الاحتياطي الاستراتيجي ضمن الاستراتيجية الأوسع لإيران. فقد أسهمت عقود من استثمارات الحرس الثوري الإيراني في مساعدة الجماعة على إنشاء قدرة محلية لإنتاج الأسلحة عبر شبكة تهريب تشكّل ركيزة لنفوذ طهران الممتد عبر البحر الأحمر وصولاً إلى القرن الأفريقي. وإلى جانب توفير قوة وكيلة قادرة لإيران، توفّر هذه البنية التحتية أيضاً منصة لإسقاط النفوذ على طول طرق الملاحة التي تربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوروبا. ولذلك فإن كشف هذه المنظومة مبكراً عبر تصعيد متهوّر قد يترتب عليه ثمن باهظ بالنسبة إلى الحرس الثوري.

ولهذه الأسباب، قد يمثّل الحوثيون أكثر بكثير من مجرد وكيل إيراني آخر؛ إذ قد يشكّلون في الواقع الشريك الإقليمي الأكثر تموضعاً من الناحية الاستراتيجية لطهران، وهو شريك يُرجّح أن تستخدمه إيران بحذر وبصورة انتقائية. ومن ثم فإن دخولهم المحتمل إلى الصراع قد يعكس بدرجة أقل طموحات الحوثيين الذاتية، وبدرجة أكبر تقييم طهران لمسار الحرب وكيفية تطورها.

 

للاطلاع على النسخة الأصلية من التحليل عبر الرابط التالي: 

 


التعليقات