تحليل: من شركاء إلى أعداء.. سبعة عقود من الغزل والاشتباك شكلت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة
يمن فيوتشر - مونت كارلو الدولية الجمعة, 27 فبراير, 2026 - 01:58 صباحاً
تحليل: من شركاء إلى أعداء.. سبعة عقود من الغزل والاشتباك شكلت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة

 لم تكن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في بدايتها علاقة عداء، بل نشأت في سياق إعادة رسم النفوذ الدولي في الشرق الأوسط بعد تراجع الدور البريطاني، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى واحدة من أكثر العلاقات توترا في النظام الدولي المعاصر. وفي قلب هذا التحول، وفقا للسلطات الإيرانية، تقف ثلاثة عوامل رئيسية: النفط والتنافس على النفوذ الإقليمي والتدخل الخارجي في القرار الإيراني.
حتى مطلع خمسينيات القرن الماضي، كانت المملكة المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر في إيران، لا سيما عبر سيطرتها على قطاع النفط. غير أن هذا المشهد بدأ يتغير مع صعود رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، محمد مصدّق، الذي قاد حملة سياسية جريئة لتأميم النفط عام 1951.

قرار التأميم لم يكن اقتصاديا فحسب، بل حمل رسالة سيادية مباشرة ضد الإرث الاستعماري البريطاني.

خطوات مصدق نالت اهتمام الولايات المتحدة، التي كانت تراقب المشهد بقلق من زاوية الحرب الباردة، خشية أن تؤدي قرارات رئيس الوزراء المنتخب إلى تقارب إيراني مع موسكو، وبالتالي توسيع نفوذ الاتحاد السوفياتي في الإقليم.

هنا بدأت واشنطن تدخل تدريجيا إلى الساحة الإيرانية، ليس بوصفها شريكا اقتصاديا فحسب، بل لاعبا سياسيا وأمنيا صاعدا.

 

انقلاب 1953: لحظة التحوّل الكبرى

عام 1953 شكل نقطة الانعطاف الحاسمة في تاريخ العلاقات الإيرانية - الأمريكية. فقد أُطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع جهاز الاستخبارات السرية البريطاني (MI6)، بمحمد مصدق، في عملية سرية شديدة التعقيد في حينه، أتاحت للشاه رضا بهلوي العودة للحكم من واسع الأبواب.

الانقلاب لم يُسقط حكومة منتخبة فحسب، بل دشّن عمليا انتقال مركز النفوذ الخارجي في إيران من لندن إلى واشنطن.

نال بهلوي مع عودته إلى الحكم دعما مباشرا من واشنطن، التي حولت إيران في سياق الحرب الباردة إلى حجر زاوية استراتيجي في النزاع مع الاتحاد السوفياتي في المنطقة، ومراقب أساسي لخطوط إمدادات الطاقة العالمية سواء عبر هرمز أو الخليج العربي.

 

إيران الشاه: النفط والتحالف الأمني

هكذا، باتت طهران منذ منتصف الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات أحد أقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. وقد شكل النفط قاعدة هذا التحالف، لا سيما بعد تعاظم دور إيران داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

تدفق العائدات النفطية سمح للشاه بإطلاق مشاريع تحديث واسعة في أنحاء البلاد وبناء جيش حديث، بدعم وتدريب وتسليح أمريكي مباشر.

غير أن هذا التحالف حمل في داخله بذور أزمة مستقبلية، فالدعم الأمريكي غير المشروط لنظام الشاه ترافق مع تصاعد القمع السياسي وتهميش القوى المعارضة، ما عمّق الشعور الشعبي بأن القرار الوطني بات مرتهنا للخارج.

 

1979: الثورة وسقوط التحالف

جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 لتنسف كامل البنية السياسية التي قامت عليها العلاقة بين البلدين. فقد أطاحت الثورة بنظام الشاه وأقامت نظاما جديدا بقيادة الخميني، الذي تبنى منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة خطابا صريحا معاديا للولايات المتحدة.

بلغ التدهور ذروته مع اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز دبلوماسييها، في أزمة هزت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر، وأسفرت عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

 

من الصراع السياسي إلى التنافس الإقليمي

في الثمانينيات وما بعدها، أخذت العلاقة شكل مواجهة مفتوحة على أكثر من ساحة، وتحول النفوذ الإقليمي إلى محور الصراع الجديد، خصوصا مع صعود دور الحرس الثوري الإيراني الذي بات لاعبا مركزيا في السياسة الخارجية الإيرانية وشبكة تحالفاتها في المنطقة.

اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء والعقوبات والضغط السياسي، في محاولة لتقييد تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وهكذا، لم يعد الخلاف مقتصرا على تاريخ التدخل الأمريكي في إيران، بل أصبح صراعا على شكل النظام الإقليمي نفسه.

 

الملف النووي: نافذة دبلوماسية قصيرة

مع بداية الألفية الجديدة، تصدّر البرنامج النووي الإيراني جدول أعمال العلاقة بين البلدين.

وبلغت الجهود الدبلوماسية ذروتها خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي أُبرم الاتفاق النووي مع إيران ضمن إطار دولي أوسع.

لكن هذه النافذة لم تدم طويلا. فبعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق وأعادت فرض عقوبات واسعة، خصوصا على قطاعات النفط والطاقة.


اغتيال سليماني وتصعيد المواجهة المباشرة
في مطلع عام 2020، دخلت العلاقات مرحلة أكثر خطورة مع اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، أحد أبرز قادة الحرس الثوري والمسؤول عن إدارة شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

العملية مثلت تحولا نوعيا، نقل الصراع من سياسة الضغط والعقوبات إلى استهداف مباشر لشخصيات عسكرية رفيعة، ما كشف هشاشة الخط الفاصل بين الردع والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

 

ما الذي يفسّر عمق الأزمة؟

تُظهر قراءة المسار التاريخي للعلاقات الإيرانية - الأمريكية أن جوهر الأزمة لا يقتصر على الخلافات الأيديولوجية بعد الثورة، بل يعود إلى ما هو أعمق. بداية هناك إرث انقلاب 1953 وما تركه من ندوب في الذاكرة السياسية الإيرانية، ثم تحالف النفط والأمن في عهد الشاه الذي ربط التحديث الداخلي بالدعم الخارجي، وتحوّل إيران بعد 1979 إلى مشروع سياسي إقليمي منافس للنفوذ الأمريكي.

وبين هذه المحطات، ظل النفط حاضرا في الخلفية، لكنه لم يعد المحرك الوحيد. فاليوم، بات الصراع يدور أساسا حول النفوذ، والأمن الإقليمي، ومكانة إيران في النظام الدولي. 


التعليقات