صاغت الإمارات لنفسها مكانة مميزة كقوة صاعدة في مجال الطائرات بدون طيار (الدرونز). فعلى الرغم من صغر مساحتها الجغرافية، سعت الدولة الخليجية إلى أن تصبح دينامو تكنولوجياً يمارس تأثيراً يتجاوز حجمها بكثير في القطاعات التقنية الحيوية.
لقد أصبحت الطائرات بدون طيار — وهي الأسلحة التي يُرجّح أن تحدد ملامح صراعات المستقبل وقد أعادت بالفعل تشكيل صراعات الحاضر — التخصص العسكري الأبرز لدولة الإمارات.
الإمارات: دولة صغيرة بطموحات تكنولوجية كبيرة
يُظهر تقرير حديث صادر عن نشرة بريكينغ ديفينس المتخصصة في الصناعات الدفاعية كيف تحولت الإمارات إلى قوة كبرى في عالم المسيّرات. ووفقاً للتقرير، وقّعت الإمارات خلال معرض ومؤتمر الأنظمة غير المأهولة (يومكس – UMEX) في أبوظبي اتفاقيات لإنتاج تقنيات ومسيّرات محلية بقيمة تقارب 400 مليون دولار.
وتسعى الشركات الدفاعية الإماراتية إلى الشراكة مع نظيراتها الأميركية بهدف تطوير هياكل طائرات متقدمة، وأنظمة استشعار، وبرمجيات ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، إضافة إلى دمج الذخائر. غير أن جوهر هذه الشراكات يظل منصبّاً على تعزيز التصنيع المحلي.
وبذلك تعمل الإمارات على توطين قاعدة صناعية قادرة على تصدير الطائرات بدون طيار إقليمياً، واضعة نفسها مركزاً عالمياً لتصميم وتجميع وتكامل المسيّرات، على نحو مشابه لما فعلته تركيا مع مسيّرات “بايكار” قبل نحو عقد.
السودان: المختبر العالمي الجديد لحرب المسيّرات
يتضح الأثر الجيوسياسي لقدرات الإمارات في تصنيع المسيّرات من خلال حالة السودان. فقد وثّقت قناة الجزيرة كيف أصبح السودان خلال فترة وجيزة واحداً من أكثر ميادين القتال كثافة باستخدام الطائرات بدون طيار في العالم. وتبين التقارير أن المسيّرات الإماراتية الصنع باتت تملأ ساحة المعركة، في ما يشبه استخدام الصراع السوداني كحقل تجارب للأنظمة المتطورة.
قدمت الإمارات دعماً لقوات الدعم السريع، وهي الجماعة التي تتنافس مع الجيش السوداني على السيطرة خلال الحرب الأهلية الدائرة، على نحو يتعارض مع موقف جارتها السعودية. وقد حققت هذه القوات مكاسب ميدانية كبيرة بفضل حصولها على أحدث المسيّرات الإماراتية.
ومنذ عام 2023، نُفذ أكثر من ألف هجوم بطائرات بدون طيار في الصراع السوداني. ويعتمد كلٌّ من قوات الدعم السريع والجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان اعتماداً مكثفاً على المسيّرات في عملياتهما، بينما تواصل الإمارات تزويد الكثير منها.
وقد أدت هذه العمليات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، إذ جرى استهداف محطات طاقة ومرافق صحية ومنشآت مياه، ما عمّق معاناة المدنيين.
وفي المرحلة الأخيرة، تراجعت الإمارات عن دورها النشط في دعم الصراع تحت ضغط دولي كبير، إلا أن العالم كان قد شهد بالفعل فاعلية عالية للمسيّرات الإماراتية، ما أدى إلى تصاعد الطلب العالمي عليها. وهذا ما يجعل الاتفاقيات الأخيرة مع الولايات المتحدة بالغة الأهمية، لضمان قدرة الصناعة المحلية على الإنتاج الضخم.
توترات إقليمية وحرب بالوكالة
وجدت الإمارات نفسها في موقع متوتر مع عدة دول في المنطقة. فإلى جانب الاستياء السعودي، تشعر مصر أيضاً بالانزعاج من دور الإمارات في السودان، إذ تدعم القاهرة الحكومة السودانية في مقابل دعم الإمارات لقوات الدعم السريع.
وكشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن مصر أنشأت قاعدة مسيّرات سرية في “شرق العوينات” قرب الحدود السودانية، استخدمت لشن ضربات بعيدة المدى داخل البلاد.
وتحوّل الصراع السوداني خلال السنوات الأخيرة إلى حرب وكالة معقدة، تتداخل فيها أدوار دول خليجية وتركيا ومصر، إضافة إلى شركات لوجستية على صلة بروسيا وأطراف صينية.
وفي خضم هذا المشهد، نجحت الإمارات في تطوير منظومة متنامية من المسيّرات ستواصل التأثير في النزاعات الإقليمية. ويبرز المنافس التركي كأبرز منافس؛ إذ تشن القوات المصرية ضربات ضد قوات الدعم السريع باستخدام مسيّرات تركية.
الإمارات وولادة سوق مسيّرات شرق أوسطي
تتعلم الإمارات من خلال انخراطها في الصراع السوداني كيفية تسويق أفضل الطائرات بدون طيار، رغم التكلفة الدبلوماسية العالية. وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في بناء منظومة صناعية تنافس المنظومة التركية، بل وتنافس الصادرات الصينية، مع ميزة إضافية تتمثل في دمج تكنولوجيا أميركية متقدمة.
وبالتركيز على التصنيع المحلي للمسيّرات ودمجه بالذكاء الاصطناعي، ثم اختبارها في صراعات الوكالة، تبدو الإمارات لاعباً مركزياً في اقتصاد الحروب الجديد في الشرق الأوسط.
عن الكاتب
براندون ج. ويكرت هو محرر أول لشؤون الأمن القومي في مجلة ناشيونال إنترست، ومقدم برنامج “ساعة الأمن القومي” على منصة أي هارت راديو، إضافة إلى برنامج “محادثات الأمن القومي” على منصة رومبل.