اختارت السعودية والإمارات تسوية خلافاتهما ونزاعاتهما الحدودية بهدوء وخلف الكواليس على مدى سنوات، لكن يبدو الأمر الان كما لو أن سداً قد انفجر، مما أحدث ارتدادات ترددت أصداؤها في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.
يملك الشرخ القائم حاليًا بين الجارين القويين والغنيين بالنفط، واللذين نجحا في بناء نفوذ عالمي واسع، القدرة على تحريك الأسواق وتفاقم الحروب.
ولا يبدو هذا الأمر أوضح مما هو عليه في اليمن، حيث قادت مجموعة انفصالية مدعومة إماراتياً هجوماً فاشلاً في ديسمبر للسيطرة على جنوب البلاد، وهي منطقة تقع على طول طرق التجارة العالمية الحيوية، وقد رد المسؤولون السعوديون بقوة، منتزعين النفوذ من الإمارات، ومعلنين أن المملكة وحدها هي التي ستتولى المسؤولية عن مستقبل اليمن.
يقول إتش إيه هيليير، الزميل المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: "هذا ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو انقسام استراتيجي بشأن مفهوم الاستقرار في الشرق الأوسط".
ويقول المحللون إن التوترات تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي هذا الصدع إلى تفاقم الصراعات المستعرة وتصدع التحالفات الهشة.
لقد كان الحليف في واشنطن ينظر إلى كل من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، والشيخ محمد بن زايد، حاكم الإمارات، كشريكين طبيعيين، حيث تعاونا معا في اليمن عام 2015، وشنا تدخلاً عسكرياً كارثياً لصد المتمردين الذين سيطروا على العاصمة، ولكن في السنوات الأخيرة، تباعدت مساراتهما، حيث دعما مجموعات متنافسة في الحرب الأهلية السودانية، واتبعا سياسات نفطية مختلفة، ودخلا في منافسة اقتصادية محتدمة.
كانت الحكومتان الإماراتية والسعودية قبل المواجهة في اليمن، تحافظان علناً على واجهة من الأخوة والمودة القائمة على الروابط الثقافية والقبلية، إلا ان تلك التبادلات اللطيفة تحولت خلال أسابيع قليلة، إلى حرب كلامية قبيحة.
وبات المعلقون السعوديون ومنصات الإعلام المملوكة للدولة يظهرون الآن ازدراءً علنياً للإمارات، متهمين صناع القرار في العاصمة أبوظبي ببذر الفوضى في أنحاء المنطقة عبر دعم ميليشيات مسلحة في اليمن والسودان، ويقولون إن الطموحات الإماراتية أصبحت "متضخمة"، وأنه قد حان الوقت لإعادة تلك الدولة الصغيرة إلى حجمها الطبيعي.
في المقابل، تتذمر النخب الإماراتيون من أن السعودية تتصرف كـ "أخ أكبر" متسلط.
وتصاعدت حرب الروايات الشهر الماضي عندما سعت السعودية إلى لفت الانتباه إلى أدلة سابقة على انتهاكات إماراتية لحقوق الإنسان، حيث اصطحبت صحفيين إلى اليمن لمعاينة منشآت مهجورة قال مسؤولون محليون إنها كانت في السابق سجوناً سرية تديرها الإمارات.
وقال المسؤولون الذين نظموا الجولة، وهم ممثلون عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية، إن الإمارات احتجزت وعذبت يمنيين في تلك المنشآت.
ولم تكن أي من هذه الاتهامات جديدة؛ فقد خلصت لجنة من خبراء الأمم المتحدة قبل عدة سنوات إلى أن القوات الإماراتية في اليمن كانت مسؤولة عن عمليات احتجاز خارج نطاق القضاء، وإخفاء قسري، وتعذيب، ومع ذلك، أصدرت وزارة الدفاع الإماراتية نفياً قاطعاً للاتهامات التي وردت في الجولة الأخيرة، قائلة في بيان إنها "لا تستند إلى أي أدلة" وإنها جزء من "حملة منظمة لتشويه سمعة الدولة الإماراتية".
كانت الإمارات في الماضي، تدفع رواتب بعض المقاتلين اليمنيين، لكن السعودية تعهدت الآن بتغطية مدفوعات الرواتب لجميع موظفي الحكومة اليمنية، المدنيين والعسكريين، في المستقبل المنظور، وهذا التزام مالي يتجاوز مليار دولار سنوياً، وفقاً لمسؤولين يمنيين اطّلعا على الخطة وتحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لمناقشة تفاصيل لم تُعلن بعد.
وقد نفى المسؤولون الإماراتيون تمويل أو تسليح ميليشيات إقليمية، بما في ذلك في السودان، رغم وجود أدلة واسعة تشير إلى عكس ذلك، ولم يتحدثوا عن الخلاف مع السعوديين إلا بعبارات غامضة.
وقال أنور قرقاش، وهو مسؤول إماراتي رفيع المستوى، في مؤتمر عُقد الأسبوع الماضي: "لقد كانت الإمارات هدفاً لحملة إعلامية غير مسبوقة. إن اختلاف الآراء أمر طبيعي، لكن ما ليس طبيعياً هو الفجور في الخصومة".
وقال وزير الخارجية السعودي في إيجاز صحفي في 26 يناير، إن علاقة المملكة بالإمارات "مهمة للغاية"، لكنه سلط الضوء على "اختلاف في وجهات النظر" بشأن اليمن، مشيراً إلى أن الإمارات "قررت مغادرة" البلاد.
وأضاف الوزير، الأمير فيصل بن فرحان: "إذا كان الأمر كذلك بالفعل، وأن الإمارات قد تركت قضية اليمن تماماً"، فإن ذلك سيكون "لبنة بناء" للحفاظ على قوة العلاقة السعودية الإماراتية. وقد شدد على كلمة "إذا"، فيما بدا وكأنه تأكيد على مستوى عدم الثقة بين الحكومتين. ولم تستجب الحكومتان الإماراتية والسعودية لطلبات التعليق.
وأظهرت إدارة ترامب حتى الآن، تردداً في الانحياز لأي طرف؛ فكلا البلدين لاعبان أساسيان يأمل السيد ترامب في كسب دعمهما لسياساته في الشرق الأوسط، وكلاهما عزز روابط تجارية مع عائلة الرئيس.
ويقول محللون إنه مع تعمق الأزمة، تتحرك السعودية بقوة لمواجهة المصالح الإماراتية.
وقال سلمان الأنصاري، وهو محلل سياسي سعودي: "من وجهة نظر الرياض، فإن الثقة مع أبوظبي قد استُنفدت، ولم تعد الكلمات والتطمينات ذات أهمية".
ويقول المحللون إن الصراع سينتقل على الأرجح في خطوته التالية إلى القرن الأفريقي، المنطقة التي مزقتها الحروب وتقع قبالة شبه الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر، ففي السودان، دعم البلدان أطرافاً متناحرة في حرب أهلية وحشية، حيث تدعم الإمارات مجموعة شبه عسكرية تسمى "قوات الدعم السريع"، بينما تدعم السعودية الجيش السوداني.
وحث ولي العهد السعودي إدارة ترامب في نوفمبر، على التوسط في اتفاق سلام في السودان، مما كثف الأضواء الدولية على سلوك الإمارات هناك.
وفي الصومال، حيث كانت السعودية داعماً قوياً للحكومة المركزية، عززت الإمارات علاقات عميقة مع منطقة منفصلة تسمى "أرض الصومال"، وأعلن الصومال في الثاني عشر من يناير، إنهاء "جميع الاتفاقيات" مع الإمارات، مستشهداً "بأعمال عدائية وزعزعة للاستقرار" من قبل الحكومة الإماراتية.
ويرى المحللون أنه أينما يقف القطبان الخليجيان خلف أطراف متنافسة، فمن المرجح أن تتصاعد التوترات.
ويقول آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة بحثية تركز على حل النزاعات العالمية: "نحن نستعد للتأثير المحتمل"، وأضاف: "نتوقع أن يؤدي ذلك إلى تصعيد الحرب في السودان وزيادة الانقسام في الصومال".
وعلى صعيد أبعد، يُذكر أن السعودية تسعى لإبرام اتفاق دفاع متبادل ثلاثي مع باكستان وتركيا، ومع انتشار أنباء هذا الاتفاق، قام الشيخ محمد، الحاكم الإماراتي، برحلة سريعة إلى الهند، الخصم النووي لباكستان، وأشار إلى نيته في تأمين اتفاق دفاع متبادل هناك أيضًا.
وكانت آخر مرة انقسم فيها الخليج بسبب أزمة بهذا الحجم في عام 2017، عندما اتحدت السعودية والإمارات لعزل قطر، مقدمين قائمة مطالب للحكومة القطرية.
وقال محمد بهارون، رئيس مركز بحوث في مدينة دبي الإماراتية: "في هذه الحالة، لا توجد قائمة مطالب"، وأضاف أن هناك غموضًا خطيرًا في الانقسام الحالي.
وانتهى الانقسام مع قطر في نهاية المطاف بقمة دبلوماسية عام 2021.
وقال السيد بهارون إن الانقسام السعودي-الإماراتي قد يُصلح أيضًا، لكنه قد يترك ندبة، وسأل: "إلى أي حد تكون هذه الندبة وماذا تذكرك عندما تنظر في المرآة؟"، وأضاف: "هذا أمر آخر علينا التفكير فيه مستقبلًا".