تحليل: إيران بين الضغط الأميركي والانهيار الداخلي.. خيارات كلها خاسرة
يمن فيوتشر - صحيفة الغارديان – سنام ڤاكيل- ترجمة خاصة: الثلاثاء, 03 فبراير, 2026 - 06:29 مساءً
تحليل: إيران بين الضغط الأميركي والانهيار الداخلي.. خيارات كلها خاسرة

بعد سبعة وأربعين عاماً على الثورة الإيرانية، تواجه إيران واقعاً استراتيجياً لم يسبق لها أن اختبرته من قبل: أزمة متزامنة في الشرعية الداخلية، مقرونة بتهديد خارجي موثوق بشنّ هجوم بالغ الخطورة، إلى درجة لم يعد معها بقاء النظام أمراً يمكن اعتباره مضموناً. وحتى الآن، تمكنت طهران من الصمود في وجه الحروب والعقوبات والاغتيالات والاحتجاجات الجماهيرية والعزلة الدولية، عبر استراتيجية تقوم على إظهار القوة في الخارج، وقمع المعارضة في الداخل، وخلق حالة أزمة دائمة لتبرير ضعف الإدارة والإخفاق السياسي.

اليوم، حشد دونالد ترامب «أسطولاً حربياً» في الشرق الأوسط يضم مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، ومدمرات مزوّدة بصواريخ موجهة، وتعزيزاً للوجود الجوي، وأنظمة دفاع صاروخي. ويشير هذا الاستعراض للقوة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تركز على احتواء إيران فحسب، بل تتجه نحو فرض تسوية نهائية لصراع طويل الأمد. ويتمثل الخيار المطروح في القبول بتسوية تفرضها الولايات المتحدة، أو مواجهة احتمال تدمير الجمهورية الإسلامية بصيغتها القائمة حالياً.

وقد شملت خطوات ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، وإعادة فرض عقوبات واسعة النطاق، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، وهي إجراءات مهّدت لنهج جديد في التعامل مع خصم مزمن. والآن، بعد عودته إلى المنصب، يبدو عازماً على استكمال هذا المسار من خلال إجبار طهران إمّا على قبول اتفاق وفق الشروط الأميركية، أو مواجهة ضربات عسكرية تستهدف تفكيك النظام نفسه.

بالنسبة لإيران، يمثّل كل هذا لحظة غير مسبوقة. فمنذ عام 1979 لم يواجه النظام تهديدات جدّيّة تطال في الوقت نفسه شرعيته في الداخل وقدرته على ردع خصومه في الخارج. داخلياً، بات النظام مُنهكاً؛ إذ أدت سنوات من التدهور الاقتصادي والفساد وانهيار العملة والهجرة الجماعية إلى تفريغ العقد الاجتماعي من مضمونه. وتُظهر الاحتجاجات المستمرة منذ عام 2017، بما في ذلك انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، إضافة إلى التظاهرات الواسعة خلال الشهر الماضي، مجتمعاً لم يعد يخشى الدولة. وقد أصبح المحتجون أكثر جرأة وغضباً، رغم الارتفاع الحاد في كلفة المعارضة. بل إن حملة القمع في يناير/ كانون الثاني كانت الأكثر عنفاً في تاريخ النظام، مع تأكيد مقتل أكثر من 6,000 شخص، إضافة إلى 17,000 حالة وفاة أخرى ما تزال قيد التحقيق.

أما خارجياً، فقد فقدت إيران توازنها، وتراجع نفوذها الإقليمي بشكل ملحوظ. فمنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، أدّت الحملة المنهجية التي تشنّها إسرائيل ضد ما يُعرف بـ«محور المقاومة» إلى تآكل إحساس طهران بالأمن تدريجياً. ومن خلال ضربات جوية علنية عبر المنطقة وداخل إيران نفسها، وعمليات اغتيال نوعية استهدفت قيادات رفيعة، وعمليات سيبرانية بلغت ذروتها في «حرب الاثني عشر يوماً» خلال الصيف الماضي، نقلت إسرائيل حرب الظل إلى العلن، ودَفعت إيران فعلياً نحو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، أسهمت إيران في خلق ظروف هشاشتها الذاتية. فمساعيها لبناء النفوذ عبر الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن كانت تهدف إلى ردع الهجمات عبر رفع كلفة الحرب، لكنها بدلاً من ذلك أوجدت نقاط انكشاف متعددة. كما أن سياسة حافة الهاوية النووية، التي كانت يوماً مصدر قوة تفاوضية، تحوّلت إلى المبرر الرئيسي للضغوط الدولية. أما أيديولوجيتها الثورية، التي كانت أداة للحشد، فأصبحت اليوم سبباً متزايداً لعزلتها في منطقة أرهقها الصراع الأيديولوجي.

لذا، فإن السؤال المطروح في الأيام المقبلة لا يتعلق بما إذا كانت المواجهة ستقع، بل بالشكل الذي ستتخذه.

السيناريو الأول: تسوية مفروضة

تحت ضغط شديد، تقبل إيران باتفاق يقيّد برنامجها النووي، ويسمح بعمليات تفتيش صارمة، ويفرض قيوداً على قدراتها الصاروخية، ويقلّص دورها الإقليمي، مقابل تخفيف العقوبات وربما استثمارات أميركية مستقبلية. قد يمنع ذلك حرباً فورية، لكنه سيحمل كلفة سياسية باهظة، إذ سيُنظر إليه داخلياً على أنه صفقة هدفها بقاء النظام.

السيناريو الثاني: حرب مضبوطة

تنسّق الولايات المتحدة ضربات تستهدف القيادة الإيرانية، والقوات الصاروخية، ومنظومات الدفاع الجوي، والبنية التحتية النووية المتبقية، بهدف شلّ النظام. ومن المرجّح أن يفضي ذلك إلى تصعيد إيراني إقليمي يشمل هجمات على قواعد أميركية، وممرات الملاحة، ومدن إسرائيلية، وربما تحريك وكلاء في منطقة الخليج. الهدف في هذا السيناريو هو تغيير بنية النظام، لكن النتيجة ستكون على الأرجح عدم استقرار طويل الأمد، وتفككاً في النخبة الحاكمة، وصراعاً عنيفاً على القيادة المستقبلية.

السيناريو الثالث: انهيار غير منضبط

تحت وطأة الضغوط الخارجية المتزامنة مع الاضطرابات الداخلية، يتصدّع النظام، ما لا يفضي إلى انتقال ليبرالي، بل إلى فراغ في السلطة. وقد يؤدي تنافس الأجهزة الأمنية، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الإقليمية، إلى تحويل إيران إلى مصدر مزمن لعدم الاستقرار، في مشهد يستحضر ليبيا وسوريا، وينتج وضعاً أشد خطورة من النظام الذي يحلّ محلّه.

في جميع السيناريوهات الثلاثة، تبدو المحصلة خطِرة على الشعب الإيراني. فسواء أكان المسار تسوية مفروضة أم حرباً محدودة أم انهياراً للنظام، فإن أياً من الاحتمالات المطروحة لا يشير إلى استقرار فوري أو انتقال ديمقراطي. علاوة على ذلك، تجد جميع الأطراف — إسرائيل والولايات المتحدة وإيران — نفسها أسيرة منطق التصعيد بدلاً من الاحتواء.

وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الخطورة. فلم تعد هناك مكابح دبلوماسية حقيقية، فالأنظمة والآليات التي كانت تضبط النزاع وتمنع انفلاته لم تعد فاعلة. كما لم يعد لأوروبا دور يُذكر في الوساطة مع إيران. أما روسيا، فمشغولة بحربها في أوكرانيا وغير راغبة في استثمار جهود جادة لفتح مخارج للأزمة. في حين تتسم الصين بالحذر ولا تبدي استعداداً لتولي دور قيادي. أما دول المنطقة، فبينما تحاول التدخل وإدارة محاولات دبلوماسية أخيرة، فإنها في الوقت ذاته تستعد لتداعيات محتملة.

وبالنسبة لإيران، وللشرق الأوسط على نطاق أوسع، لم يعد السؤال ما إذا كان بالإمكان احتواء الأزمة، بل حجم الأضرار التي ستقع قبل أن تستنفد مسارها.


التعليقات