خلال الأسبوع الماضي، ارتكبت الجمهورية الإسلامية أوسع مجزرة في التاريخ الإيراني الحديث. وردًّا على الاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد حكمها، أقدم النظام على قتل آلاف المتظاهرين العزّل. ولا يزال العدد الدقيق للضحايا غير واضح، إلا أن التقديرات الموثوقة تضعه ضمن نطاق يتراوح بين 12 ألفًا و20 ألف قتيل. كما سقط كثيرون آخرون ضحايا في تبادل إطلاق النار.
ويرى بعض المحللين والمعلّقين أن هذه التطورات تمثّل نهاية الجمهورية الإسلامية. غير أن النظام، رغم ما تعرّض له من إنهاك بفعل الانقسامات الداخلية والحرب والعقوبات، أثبت قدرًا كبيرًا من الصمود والوحشية. كما أن المعارضة الإيرانية تعاني انقسامًا حادًا، ولا يشكّل التدخل الخارجي حلًا سحريًا.
ومع ذلك، لا يزال إسقاط النظام ممكنًا إذا ما اتّسعت الشروخ داخل النخبة الحاكمة بصورة كبيرة، وإذا بدأت قوات الأمن بالانشقاق بأعداد واسعة. ويمكن للولايات المتحدة أيضًا أن تؤدي دورًا مهمًا في تقويض قدرة النظام على قطع الإنترنت وارتكاب جرائم ضد الإنسانية بعيدًا عن الأضواء.
وقد بدأت الانتفاضة الحالية ضد النظام باحتجاجات في بازار طهران، على خلفية أزمة حادة في العملة. وسرعان ما انضم الطلاب والعمّال وشرائح واسعة من الإيرانيين الذين أنهكهم البؤس اليومي إلى إضرابات السوق. وامتدت الاحتجاجات إلى بلدات أصغر في الغرب والجنوب الغربي، والتي — شأنها شأن العاصمة — تضرّرت بشدة من سوء إدارة النظام لملف المياه. ومن بين هذه المناطق لورديغان وملكشاهي وأبدانان، حيث أفادت التقارير بأن غالبية السكان خرجوا إلى الشوارع احتجاجًا.
وقد ترك النظام الاحتجاجات تستمر عدة أيام قبل أن يلجأ إلى القمع، مستخدمًا في البداية قوات الأمن النظامية، ولا سيما الشرطة. لكن بحلول 3 يناير/كانون الثاني، تصاعد الخطاب الرسمي وتشددت الإجراءات؛ إذ دعا المرشد الأعلى (علي خامنئي) إلى «وضع مثيري الشغب في مكانهم»، بينما أعلنت رسائل مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أن «مرحلة التسامح انتهت» وأن الدولة لن «ترضخ للعدو»، في إشارة واضحة إلى نقطة تحوّل في حملة القمع. وفي 8 يناير/كانون الثاني، فرضت السلطات الإيرانية إغلاقًا شبه كامل للإنترنت وشبكات الاتصالات، وتصاعدت عمليات القتل تحت غطاء هذا التعتيم.
وأطلق الحرس الثوري الإيراني النار على آلاف المتظاهرين العزّل، ليس فقط في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان ومشهد، بل أيضًا في عدد لا يُحصى من البلدات والقرى الصغيرة في مختلف أنحاء البلاد. بل وردت تقارير عن استخدام النظام رشاشات ثقيلة روسية الصنع ضد متظاهرين سلميين. وقد وصف شهود عيان مستوى العنف بأنه صادم، حتى إن مناطق واسعة من البلاد بدت وكأنها ساحات حرب. وقال أحد الشهود إن القمع هذه المرة يختلف جذريًا عن أحداث 2009، حين استخدمت معظم القوات الهراوات وكانت الوحدات المسلحة تتعامل بحذر مع السلاح؛ أما هذه المرة، فقد أطلقت وحدات مكافحة الشغب المرتبطة بالحرس الثوري نيرانًا كثيفة ومتواصلة بكامل طاقتها، بما في ذلك استخدام الرشاشات.
وقد صوّر النظام الانتفاضة على أنها مؤامرة يقف خلفها الموساد، ووسم المتظاهرين بـ«الإرهابيين»، وهو تصعيد خطير يوسّع — وفق منطق الدولة نفسها — مبرّرات استخدام القوة القاتلة وإنزال أقسى العقوبات. ويوم الأربعاء، صرّح وزير العدل الإيراني لوسائل الإعلام بأن الاحتجاجات ستُعدّ اعتبارًا من 8 يناير/كانون الثاني «حربًا داخلية»، فيما أعلن رئيس السلطة القضائية في 7 يناير/كانون الثاني أنه «لن يكون هناك أي تساهل مع كل من يساعد العدو ضد الجمهورية الإسلامية وهدوء الشعب». كما أن تصريحات علنية لبعض السياسيين الإسرائيليين التي ألمحت باستخفاف إلى ضلوع إسرائيلي محتمل تزيد من خطورة الوضع على آلاف المهدّدين بالإعدام، إذ تعزّز سردية طهران حول التجسّس.
وإلى جانب تصوير المتظاهرين كـ«إرهابيين» تديرهم إسرائيل، يسعى النظام إلى بثّ الرعب في المجتمع ومنع اتساع رقعة الاحتجاج عبر توظيف الحزن سلاحًا. إذ تُمنع العائلات من استلام جثامين أبنائها من المشارح أو إقامة مراسم تشييع لهم. والرسالة واضحة: المعارضة لا تعني الموت فحسب، بل قد تحرم الأسرة من الكرامة والوداع وحق الحداد.
وفي مثل هذا المناخ، لا يقتصر الخوف على ردع الاحتجاج فحسب، بل يعزل الناس بعضهم عن بعض ويجعل المشاركة تبدو وكأنها فخّ تتجاوز تبعاته الفرد إلى أسرته ومحيطه. فعندما تستطيع الدولة معاقبة الأحياء عبر جثامين القتلى، فإن كثيرين سيحجمون — لا اقتناعًا بالنظام، بل لأن الكلفة باتت شخصية وقاسية إلى حدّ لا يُحتمل.
وقد تأمل المعارضة أن تكون نهاية النظام وشيكة، إلا أن هناك جملة أسباب قد تمكّنه من الصمود خلال هذه المرحلة من الانتفاضات الشعبية. فالجمهورية الإسلامية تبدو متماسكة وموحّدة تحت قيادة خامنئي، رغم شيوع شائعات عن تململ واعتراض داخل أجنحة السلطة، ولا سيما بسبب تمسّكه برفض تقديم تنازلات نووية يمكن أن تخفف من الأزمة الوجودية التي يواجهها النظام.
ورغم أن غالبية الإيرانيين تبغض النظام، فإنه لا يزال يحتفظ بقاعدة دعم معتبرة، ويستطيع حشد مئات الآلاف من الأنصار المسلّحين. كما أن شرائح نافذة تخشى الفوضى وعدم الاستقرار — مثل كبار رجال المال ووجهاء البازار — اختارت عدم المجاهرة بمعارضة النظام. وبالتالي، قد ينجو النظام، وإن كان في حالة ضعف، بل قد تنزلق الانتفاضة نفسها إلى حرب أهلية مسلّحة، خصوصًا في ظل الأعداد الكبيرة من الإيرانيين الذين سقطوا برصاص الحرس الثوري.
كما أسهم انقسام المعارضة الإيرانية بدرجة كبيرة في إطالة عمر النظام. فبرغم بروز ولي العهد السابق (رضا بهلوي) كواجهة للمعارضة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الواقع الميداني مختلف. فإيران دولة متعددة الأعراق تضم 92 مليون نسمة، وبالرغم من امتلاك بهلوي قاعدة دعم واضحة، فإنه لا يحظى بتأييد الأغلبية داخل إيران أو خارجها. وقد أثبت أيضًا أنه قائد غير خاضع للمساءلة ومثير للانقسام، إذ عمّق التشرذم بدل توحيد صفوف المعارضة.
وتفاقمت فجوة المصداقية لديه بعد فشله في الوفاء بوعوده. فقد زعم العام الماضي أنه نجح، عبر بثٍّ تلفزيوني تضمّن رمز QR، في تأمين انشقاق 50 ألف عنصر من أجهزة النظام. غير أن أي دلائل جدّية على انشقاقات واسعة بهذا الحجم لم تظهر. وبدلًا من ذلك، تُرك المتظاهرون مكشوفين أمام آلة القمع، ما عزّز الشكوك في أن حملة الانشقاقات لم تكن سوى استعراض إعلامي.
وخلال الأيام الأولى الحاسمة من الاضطرابات، كان دور بهلوي أقرب إلى الاستعراض منه إلى القيادة الفعلية: بيانات إعلامية، ظهورات متكررة، ودعوات عامة للجماهير. فهو لم يشغل يومًا منصبًا رسميًا، ولم يؤسس تنظيمًا ميدانيًا موثوقًا قادرًا على قيادة المحتجين. بل اعتاد اللحاق بموجات الانتفاضات، مستحوذًا على الاهتمام الإعلامي بوصفه قائدًا ذاتيَّ الإعلان لمظاهرات وإضرابات بدأت قبل دخوله على الخط بأيام.
وفي يوم الاثنين، طرحت مذيعة شبكة CBS (نورا أودونيل) سؤالًا يعجز معظم الإيرانيين في الداخل عن طرحه بأمان، ويتجنّب كثير من أبناء الجاليات في الخارج المجاهرة به:
«بينما تدعو الناس للنزول إلى الشوارع، يتصاعد عدد القتلى في إيران، ويتواصل القمع العنيف كما حدث في محاولات سابقة. أليس من غير المسؤول أن تدفع المواطنين إلى مصير قاتل؟ وهل تتحمل جزءًا من المسؤولية؟»
جاء ردّ بهلوي متعاليًا وبعيدًا عن الواقع، خصوصًا أنه دعا الإيرانيين إلى الاحتجاج من دون أي تخطيط أو تنظيم أو دعم فعلي.
وقال: «هذه حرب، والحروب لها ضحايا».
وسؤال منطقي وبسيط يفرض نفسه: أين اختفى خمسون ألف عنصر من أجهزة النظام الذين وعد بانشقاقهم؟ وإن كانوا موجودين، فلماذا لم يمنعوا المجزرة، أو يعرقلوها، أو يحدّوا على الأقل من حجمها؟
هذا الرد الفظّ سيُغضب، بلا شك، كثيرًا من الإيرانيين. غير أن مشكلة بهلوي أعمق؛ فقد أثار عداوات داخل صفوف المعارضة نفسها بإعلانه نفسه قائدًا للثورة، كما أن التهديدات والمضايقات المستمرة من قبل مستشاريه بحقّ شخصيات معارضة أخرى أضعفت فرص تحقيق أي وحدة.
كما أن الأقليات القومية في إيران تبدي قدرًا كبيرًا من عدم الثقة تجاه بهلوي ومستشاريه ذوي التوجه القومي المتشدّد. ويبرز الأكراد — الذين يشكّلون نحو 10٪ من السكان — كأشدّ المعارضين له. وتُعدّ الأحزاب الكردية الإيرانية من أكثر فصائل المعارضة تسليحًا وتنظيمًا، مستفيدةً من ارتباطها بالحركة الكردية الأوسع.
وتقديم وعود بالدعم للمتظاهرين دون الوفاء بها، في وقت يُذبح فيه آلاف المدنيين، سيخلّف حالة عميقة وطويلة الأمد من انعدام الثقة — سواء صدر ذلك عن بهلوي أو عن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب).
وحيث قال أحد المتظاهرين الذي فرّ من إيران هذا الأسبوع إن أعدادًا كبيرة من الناس نزلت إلى الشوارع عقب التصريحات الأولى للرئيس ترامب الداعمة للانتفاضة وتحذيره النظام من عواقب قادمة. لكن، بعد المجزرة، تحوّل ذلك الزخم الأولي — بحسب قوله — إلى خيبة أمل وغضب واسع.
ومع ذلك، تستطيع إدارة ترامب أن تؤدي دورًا محوريًا في دعم نضال الإيرانيين من أجل الحرية عبر عرقلة قدرة النظام على قطع الإنترنت. ويمكن تحقيق ذلك من خلال عمليات سيبرانية، رغم أن محللين أشاروا — في تصريحات علنية وأخرى خاصة — إلى أن الضربات العسكرية المباشرة ضد أهداف تابعة للنظام تبقى ضرورية لتعطيل قدراته بشكل كامل.
وعلى ترامب أن يتجنّب الانحياز لزعيم أو فصيل معارض بعينه. فبرغم امتلاك بهلوي قاعدة دعم معيّنة داخل إيران، فإنه لا يمثّل أغلبية الشعب، ولا يملك القدرة التنظيمية أو القيادية لإدارة ثورة.
ما ينقص الإيرانيين اليوم ليس الشجاعة، بل جهاز ثوري فعّال تقوده قيادات كفؤة.
ففي عام 1979، نجح آية الله روح الله الخميني في بناء آلة ثورية، وتحالف مع قوى متعددة غير إسلامية لإسقاط الشاه — وهي القوى نفسها التي انقلب عليها لاحقًا، وأعدم كثيرًا من أفرادها. أما اليوم، فلا يمتلك أحد في إيران مثل تلك القدرة التنظيمية.
وحتى لو كانت الجمهورية الإسلامية تتهاوى فعلًا، فإنها ستقاتل حتى النهاية. والشعب الإيراني يحتاج إلى ما هو أكثر من خطابات تلفزيونية وحملات إلكترونية جماهيرية؛ يحتاج إلى دعم مادي حقيقي، وقيادة فعلية، ورؤية وطنية مشتركة للمستقبل، قادرة على إنقاذ البلاد من الانهيار.
لقراءة المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي:
https://foreignpolicy.com/2026/01/16/iran-massacre-protesters-trump/