في سياق الاحتجاجات المتواصلة في إيران منذ أكثر من أسبوعين، رفع المحتجون شعارات متعددة، كان أبرزها التنديد بغلاء المعيشة، وهو المطلب الذي دفعهم أساسا إلى النزول إلى الشارع. غير أن هذه التحركات سرعان ما توسعت لتشمل شعارات ومواقف منددة بنظام المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي. كما رفع في بعض التظاهرات العلم الملكي السابق، بالتزامن مع عودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أطاحت به ثورة عام 1979، إلى الواجهة.
بهلوي، المقيم حاليا في الولايات المتحدة، ينشط منذ نحو أسبوعين على مواقع التواصل الاجتماعي دعما "للشعب الإيراني"، وذلك رغم تصريح واضح لدونالد ترامب أكد فيه أن بهلوي "لا يملك أي دور" في حال سقوط النظام الحالي.
وفي هذا السياق، كشف تحقيق نشرته صحيفتا "هآرتس" (Haaretz) و"ذي ماركر" (TheMarker) الإسرائيليتان في اكتوبر/تشرين الاول الماضي مستندة إلى أبحاث أجراها مختبر "سيتيزن لاب" (Citizen Lab) المتخصص في تتبع حملات التضليل والتأثير الرقمي، فإن إسرائيل "متورطة في تمويل ودعم حملة تأثير رقمية واسعة" هدفت إلى الترويج لإعادة النظام الملكي في إيران، وطرح اسم رضا بهلوي، نجل آخر شاه إيراني، كخيار سياسي محتمل لقيادة البلاد.
واعتمدت الحملة على شبكة من الحسابات الوهمية والملفات المزيفة على منصات التواصل الاجتماعي، عملت على نشر محتوى داعم لرضا بهلوي، بالتزامن مع انطلاق الحملة الحرب الإسرائيلية ضد إيران في يونيو/حزيران الماضي.
حسابات "نائمة" استيقظت خلال حرب الأيام الـ12
وأوضح التحقيق أن العملية استعانت بمتحدثين أصليين باللغة الفارسية جرى تجنيدهم خصيصا، واستخدمت نحو خمسين حسابا رقميا من داخل إسرائيل "يشتبه بدرجة عالية في كونها غير حقيقية"، جرى التعرف على عدد منها من خلال صور شخصية مولدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحسابات أنشئت جميعها في عام 2023، لكنها بقيت "نائمة" إلى أن جرى تفعيلها بشكل متزامن مطلع عام 2025، ما يعكس، بحسب التحقيق، "تنسيقا مسبقا ومخططا له". كما لفت إلى أن نشاط هذه الحسابات تصاعد بشكل ملحوظ خلال الحرب ضد إيران.
وخلص التحقيق إلى أن هذه الشخصيات الإيرانية الافتراضية صممت من قبل جهة خاصة "مستقلة رسميا" عن السلطات الإسرائيلية، لكنها كانت تحظى بدعم مباشر من تل أبيب.
"ولي عهد إيران" يلتقي نتنياهو
وربط التحقيق بين هذه الحسابات الوهمية وحساب آخر يحمل اسم "طهران_تل أبيب" ، دأب على نشر وسم "الملك رضا بهلوي (#KingRezaPahlavi)، إلى جانب صور وخطابات لرضا بهلوي، والدعوة العلنية إلى إعادة النظام الملكي في إيران.
واطلعت مونت كارلو على الحساب على منصة "إكس" ويظهر فيه مثلا منشور فيديو بتاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي قبل أربعة أيام من اندلاع الاحتجاجات، يبدو بوضوح أنه مولد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، يظهر غرابا ينتزع ما يشبه عباءة المرشد الأعلى علي خامنئي، مرفقا بتعليق باللغة الفارسية جاء فيه "أنتم، شعب إيران، تشهدون هذه الأيام انهيار سلطة قمعية.. خرجت الأوضاع عن سيطرة الحكم. قائد يختبئ تحت الأرض خوفا. لكن الغراب يترصد له".
وبحسب تحقيق صحيفة "هآرتس"، فإن هذه الشبكة عملت أيضا على تضخيم منشورات جيلا غمليئيل، القيادية في حزب الليكود ووزيرة الاستخبارات الإسرائيلية السابقة، التي تقدّم على أنها أبرز داعمي رضا بهلوي داخل إسرائيل.
وكانت غمليئيل قد استقبلت بهلوي، الذي تصفه بـ"ولي عهد إيران"، خلال زيارته إلى إسرائيل مطلع عام 2023، كما نظمت له لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويرى مراقبون أن بهلوي بات، منذ أيام قليلة، يروج لنفسه بوصفه "قائدا لثورة إيرانية جديدة"، داعيا الإيرانيين بشكل متواصل إلى مواصلة الاحتجاجات، بل وحتى إلى الإضراب في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والطاقة، والنزول إلى الشوارع الرئيسية.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه خدمة الإنترنت مقطوعة في البلاد، ما يحول دون التحقق من المعلومات المتعلقة بالحصيلة البشرية لهذه الاحتجاجات.