تحليل: من الهامش إلى قلب الصراع.. كيف تصنع الدول الصغيرة نفوذها؟
يمن فيوتشر - اندبندنت عربية - انجي مجدي الثلاثاء, 13 يناير, 2026 - 11:02 صباحاً
تحليل: من الهامش إلى قلب الصراع.. كيف تصنع الدول الصغيرة نفوذها؟

في مطلع السبعينيات، بعيداً من العواصم الأوروبية وضجيج الحرب الباردة، كانت الصحراء الليبية تتحول إلى ما يشبه ملتقى سري لمقاتلين لا تجمعهم لغة واحدة ولا قضية محلية مشتركة. في معسكرات مغلقة على الأراضي الليبية، تلقّى عناصر من جماعات مسلحة أجنبية تدريبات على السلاح والتخريب والعمل السري، تحت رعاية مباشرة من نظام معمر القذافي، هناك، بحسب توصيف مسؤولين أميركيين، لم تكن ليبيا تستضيف حلفاء بقدر ما كانت تصنع وكلاء، في تجربة مبكرة حوّلت حركات العنف العابرة للحدود إلى أدوات نفوذ في صراع دولي بلا جبهات واضحة.

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تحول هذا النمط من الرعاية إلى سياسة عابرة للبحار، حصلت بموجبها فصائل متمردة في مناطق متباعدة على دعم مباشر من أنظمة حكم تفصلها عنها آلاف الأميال، ويعد نظام معمر القذافي المثال الأبرز على ذلك، إذ تبنى سياسة خارجية قامت على دعم حركات التمرد والتحرر في قارات عدة، من الجيش الجمهوري الإيرلندي ومنظمة إيتا في أوروبا، إلى الألوية الحمراء وغيرها من الجماعات اليسارية العنيفة، مروراً بدعم حركات مماثلة في أميركا اللاتينية، وصولاً إلى أفريقيا، حيث دعم جبهة "فرولينا" في تشاد، وأدى دوراً مؤثراً في الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون خلال الثمانينيات، عبر تدريب وتمويل شخصيات مثل تشارلز تايلور وفوداي سنكوح.

استند دعم القذافي لجماعات التمرد على رغبته في توسع نفوذه السياسي والدعم الأيديولوجي للحركات اليسارية والثورية، إذ تبنى خطاباً معادياً للإمبريالية، والسبب الأخير كان نفسه الذي دفع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو لإرسال قوات بلاده إلى أفريقيا، حيث أنغولا لدعم القوات الشيوعية التابعة للحركة الشعبية لتحرير أنغولا بدعم من السوفيات. 

وبينما يتواصل ذلك النوع من التدخل الخارجي في الصراعات الداخلية للدول، إذ كثيراً ما سعت القوى الكبرى إلى تصفية حساباتها من دون مواجهة مباشرة في ساحات القتال، عبر حروب الوكالة، غير أنه ثمة نمط ناشئ يتعلق بالقرن الـ21، تحدده سمتان أساسيتان وهى الغرض الذي لا صلة له بالأيديولوجية وإنما يرتبط بالطموح الجامح للدول بعينها نحو التوسع الجيوسياسي وتمدد نفوذها إقليمياً، والثانية وهى أن من يقوم بهذا الدور هي دول صغيرة غنية تستغل ثرواتها في التدخلات الخارجية بحثاً عن أدوار تتجاوز وزنها الجغرافي والديمغرافي. 

 

ويقول مراقبون إن حروب الوكالة المعاصرة تطورت إلى ما يتجاوز الإطار الأيديولوجي الذي ميّز حقبة الحرب الباردة، فالصراعات غير المباشرة الحديثة تُحرَّك غالباً بصراعات النفوذ الإقليمي والتنافس على الموارد والانقسامات الطائفية والتموضع الجيوسياسي، كذلك أصبحت طبيعة الدعم أكثر تعقيداً وتطوراً، إذ لم تعد تقتصر على المساعدات العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضاً الحرب السيبرانية والضغوط الاقتصادية وحملات التأثير الإعلامي إلى جانب التسليح والتدريب.

كذلك فإن حروب الوكالة الحديثة تطمس الحدود بين الفاعلين الدوليين وغير الدوليين، فبينما كانت الحروب التقليدية بالوكالة تقوم على دعم دول لدول أخرى أو لجماعات متمردة واضحة المعالم، باتت الصراعات اليوم تشمل دعم ميليشيات غير متماسكة تنظيمياً أو جماعات مصنفة إرهابية أو حتى شبكات إجرامية تُستخدم لتحقيق أهداف استراتيجية، وغالباً ما تشهد حروب الوكالة المعاصرة تعدد الرعاة، إذ تدعم قوى مختلفة أطرافاً متعارضة داخل الصراع الواحد، مما يجعلها أكثر تعقيداً من نظيراتها في زمن الحرب الباردة. وتُعد الحرب الأهلية في سوريا مثالاً واضحاً على ذلك، إذ شاركت قوى إقليمية ودولية عدة في دعم فصائل مختلفة، مما خلق شبكة متداخلة من المصالح المتنافسة وأسهم في إطالة أمد الصراع.

 

البحث عن تعظيم النفوذ

كذلك لا يرتبط النفوذ الإقليمي دائماً بحجم الدولة أو قدراتها العسكرية التقليدية، بل يمكن للدول الصغيرة استثمار الأموال والوساطة والتحالفات لبسط نفوذها، فالإمارات، على سبيل المثال، استخدمت الخبرة اللوجستية والموارد المالية لدعم قوات محلية في السودان والقرن الأفريقي، بينما وسعت قطر نفوذها في ليبيا عبر شبكات سياسية وعسكرية معقدة، هذه الاستراتيجيات توفر للدول الصغيرة هامش مناورة أكبر، وتتيح لها المشاركة الفاعلة في رسم موازين القوة الإقليمية من دون خوض حروب مباشرة.

تستخدم تلك الدول جماعات معارضة أو حركات انفصالية بالداخل من أجل توسيع نفوذها عبر الدعم المالي والعسكري للسيطرة على الأراضي داخلياً أو عبر تمويل جماعات الإسلام السياسي لضمان السيطرة مجتمعياً، وعلى عكس النظام الإيراني، الذي لجأ إلى هذه التكتيكات عبر شبكة من الوكلاء في اليمن والعراق ولبنان وحتى التحالف مع النظام نفسه في سوريا الأسد، فإن دولاً مثل الإمارات وقطر ورواندا ليست كبيرة بجحم إيران، كذلك فإن في الحال الإيرانية فإن شبكة الوكلاء كان يجمعها وحدة الأيديولوجية الدينية، بينما في حالات الدول الصغيرة فإن الأمر يستند بشكل أساس على الرغبة في النفوذ السياسي. 

فالصيف الماضي أفاد تقرير أعده فريق من متخصصي الأمم المتحدة بأن رواندا مارست القيادة والسيطرة على متمردي حركة "أم23" خلال تقدمهم في شرق الكونغو الديمقراطية حيث استولت الحركة المتمردة على مدينة غوما العاصمة الإدارية لإقليم كيفو الشمالي، مما أتاح لرواندا تحقيق نفوذ سياسي وتمكن من الوصول إلى مناطق غنية بالمعادن.

وذكر التقرير، آنذاك، تفاصيل التدريب الذي يقول المتخصصون إن رواندا قدمته لمجندي الحركة الكونغولية المتمردة، إضافة إلى المعدات العسكرية التي يؤكدون أن كيغالي نشرتها، ولا سيما "أنظمة عالية التقنية قادرة على تحييد الأصول الجوية"، وهو ما منح المتمردين "أفضلية تكتيكية حاسمة" على الجيش الكونغولي المنهك.

 

وفي السودان، قدمت الإمارات دعماً لقوات "الدعم السريع"، وفي اليمن تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى للانفصال بجنوب اليمن وتأسيس دولته الخاصة، مما دفع بمواجهة مع السعودية التي أعلنت في بيان رسمي أن "تصرفات الإمارات في اليمن تمثل خطراً بالغاً، وأن أمن المملكة خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، كذلك أدت قطر دوراً بارزاً في الانتفاضات العربية في مصر وسوريا وليبيا، من خلال دعم فصائل المعارضة الإسلامية، فدعمت فصيل "فجر ليبيا / كتيبة فجر ليبيا" خلال الحرب الأهلية الليبية، وذلك بالتنسيق مع تركيا واستخدام دول وسيطة مثل السودان لتسهيل وصول الأسلحة والتدريب والمقاتلين إلى ليبيا.

ويقول مراقبون إنه يمكن فهم تدخلات تلك الدول خارجياً ضمن إطار أوسع لتحليل سلوك "الأنظمة الصغيرة" في بيئات إقليمية تتسم بهشاشة الدولة وتداخل الداخلي بالإقليمي، ففي هذه السياقات، يقول الباحث الأوروبي المتخصص في السياسات الخارجية للدول الصغيرة والخليج ماتيه سالاي، إنه لا يرتبط النفوذ بالقدرات التقليدية للدولة مثل الحجم السكاني أو القوة العسكرية المباشرة، بل بقدرة النظام الحاكم على استثمار الانقسامات المحلية للدول الأخرى وضعف السيادة وقابلية اختراق الحدود السياسية والاجتماعية، ومن ثم يصبح دعم جماعات محلية أو انفصالية أداة غير مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوة وتأمين المصالح الاستراتيجية وفرض حضور فاعل في ساحات صراع بعيدة من الإقليم الوطني، كذلك تؤدي المعايير الإقليمية الخاصة بالصراع والتدخل دوراً في إتاحة هذا النوع من السلوك، إذ لا تُدار الصراعات دائماً وفق قواعد الدولة الويستفالية (الحديثة)، بل عبر شبكات نفوذ وتحالفات مرنة، وبهذا المعنى، تعكس هذه السياسات محاولة لتعظيم النفوذ السياسي والأمني في بيئة دولية لا تزال فيها مفاهيم الدولة والسيادة موضع تفاوض مستمر.

ويوضح أن طبيعة نظام الدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على رغم ما تفرضه من هشاشة وتعرض دائم للاختراق، تمنح الدول الصغيرة فرصاً نسبية لتعظيم نفوذها مقارنة بالنماذج التقليدية في العلاقات الدولية، فغياب الفصل الواضح بين الداخل والخارج يجعل التدخل المتبادل ممارسة شائعة، وهي أداة أقل كلفة وأكثر فاعلية من الحروب المباشرة التي تمثل التهديد الأكبر للدول الصغيرة. كذلك فإن ضعف الدولة يفتح المجال أمام فاعلين من غير الدول يمكن توظيفهم في السياسة الخارجية من دون حاجة إلى موارد ضخمة، إضافة إلى ذلك، يحدّ منطق "التوازن الشامل" من اندفاع الدول الكبرى نحو العسكرة، مما يقلص فجوة القوة ويمنح الدول الصغيرة هامش مناورة أوسع داخل النظام الإقليمي.

 

الطموح المفرط يؤدي إلي نتائج عكسية

وفي حين يمكن أن يكون دعم الجماعات المتمردة أداة مفيدة تكتيكياً لدول تحاول تقويض خصومها أو توسيع نفوذها، فإنه غالباً ما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة أو خسائر استراتيجية على المدى الطويل، فالسوابق التاريخية تشير إلى أن اختلاف المصالح بين الدولة الراعية ووكلائها أو الافتقار إلى خطة خروج يمكن أن يعرّض الدولة الراعية إلى "ارتداد" سياسي أو فقدان النفوذ الذي سعت إلى تحقيقه، بخاصة إذا لم تتوافق أهدافها مع سياق الدعم الفعلي على الأرض، وهو ما حدث في حال دعم باكستان للمجاهدين الأفغان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وإن كانت باكستان ليست دولة صغيرة لكنها أدت دور الوسيط في هذا الوقت، فبعد انسحاب السوفيات من أفغانستان، تدهورت الأوضاع في البلاد وتمدد التطرف إلى أراضي باكستان التي فقدت السيطرة على الجماعات التي صُنعت كأدوات. 

ويقول باحثون من جامعة جورج تاون إن محاولات الدول الصغيرة الغنية "التغلب على الصغر" عبر التدخلات الخارجية لا تأتي من دون أثمان مرتفعة، فدعم فصائل محلية أو جماعات مسلحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد يؤدي إلى توريط هذه الدول في نزاعات طويلة الأمد تتجاوز قدرتها على التحكم في مساراتها أو مخرجاتها، كذلك فإن الانخراط في صراعات معقدة، مثل ليبيا واليمن، يعرّض هذه الدول لأخطار التصعيد مع قوى إقليمية أكبر، ويحول أدوات النفوذ إلى مصادر احتكاك دبلوماسي وأمني دائم. ويحذر مراقبون من أن الاعتماد على الفاعلين غير الدولتيين يخلق ديناميات غير متوقعة، إذ قد تنقلب هذه الجماعات من أدوات نفوذ إلى عبء سياسي وأخلاقي، بخاصة في ظل الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان أو تقويض مسارات الاستقرار، ومن ثم فإن الثروة المالية لا تضمن نجاح هذه الاستراتيجيات، وأن الطموح المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها العزلة الإقليمية أو فقدان الصدقية الدولية أو الانجرار إلى صراعات استنزافية لا تتناسب مع حجم الدولة ولا مع قدرتها على تحمل تبعاتها طويلة


التعليقات