تفجّرت سنواتٌ من التوترات المكتومة بين السعودية والإمارات إلى العلن في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد أن اتهم مسؤولون سعوديون في ذلك اليوم دولةَ الإمارات بدعم جماعات انفصالية في اليمن، ونفّذوا غارة جوية على مدينة المكلا في جنوب اليمن استهدفت، بحسب الرواية السعودية، شحنة أسلحة يُزعم أنها قادمة من الإمارات إلى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، أحد أبرز تلك الجماعات الانفصالية.
ومع التصاعد السريع في حرب التصريحات، استعادت قوات مدعومة من السعودية في اليمن محافظتين كان المجلس الانتقالي قد سيطر عليهما سابقًا، وأدّى الضغط السعودي المتواصل إلى إخراج رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، من «مجلس القيادة الرئاسي»، وهو هيئة تنفيذية من ثمانية أعضاء تمثّل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وفرّ الزبيدي من اليمن في السابع من يناير/كانون الثاني 2026، وقد شكّل ذلك، إلى جانب التقارير عن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، نهايةً دراماتيكية لسنوات من النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن، كما وجّه ضربةً قاسية للتحالف المناهض للحوثيين، وهم جماعة متمردة تسيطر حاليًا على معظم شمال اليمن ووسطه.
لا ينبغي أن يشكّل هذا التطور مفاجأةً بالنسبة لمراقبي الشأن اليمني؛ إذ يبدو أن البلاد تنقسم مجددًا على امتداد محور الدولتين اللتين شكّلتا قدرًا كبيرًا من الجيوسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط منذ انتفاضات «الربيع العربي» عام 2011. كما يمثّل ذلك استمرارًا لاتجاه طويل الأمد بالابتعاد عن حالة التوافق الأولي بين السعودية والإمارات بشأن اليمن، وهو اتجاه لا يهدد فقط بإشعال الصراع من جديد داخل اليمن، بل بكشف صراع نفوذ أعمق قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.
اصطفاف مضطرب
دخلت السعودية والإمارات الحرب في اليمن في حالة اصطفاف، حين شكّلتا تحالفًا عربيًا في مارس/آذار 2015 لوقف تمدد جماعة الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح.
لكن سرعان ما اتضح، منذ المراحل الأولى، أن الرياض وأبوظبي تسعيان إلى أهداف مختلفة على الأرض؛ فقد رأت السعودية الصراع تهديدًا مباشرًا عبر الحدود من قبل الحوثيين، وهي قوة متمردة مدعومة—من وجهة نظرها—من إيران، أما الإمارات فكان همّها الأساسي التصدي الحازم للجماعات الإسلامية في جنوب اليمن.
وعكس صنع القرار على أعلى مستويات التحالف المتدخل في اليمن تناغمًا وثيقًا في البداية بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض، وولي عهد أبوظبي آنذاك محمد بن زايد.
وبدا الرجلان خلال منتصف العقد الثاني من الألفية وكأنهما يتحركان في انسجام كامل في ملفات إقليمية متعددة، من بينها حصار قطر عام 2017 بسبب ما وُصف آنذاك بصلات الدولة الخليجية الصغيرة بجماعات «إرهابية».
وأدّى محمد بن زايد، في الفترة بين عامي 2015 و2018، دورًا محوريًا في تسهيل الصعود السريع لمحمد بن سلمان داخل هرم السلطة في السعودية، ورأى كثير من محللي شؤون الخليج أن علاقة «مرشد وتلميذ» قد تشكّلت بين الرجلين، إذ بدا محمد بن زايد—الأكبر سنًا بأربعةٍ وعشرين عامًا—كأنه أبٌ سياسي لولي العهد السعودي الذي كان غيرَ معروفٍ نسبيًا، في الوقت الذي روّج فيه له بحماس في العواصم الغربية، بما في ذلك واشنطن.
تصدّع التحالف
غير أن هذه العلاقة الوثيقة بين السعودية والإمارات لم تدم طويلًا.
فقد أسهمت مجموعة من العوامل في فتور العلاقات بين الدولتين، من بينها القرار الإماراتي المفاجئ في يوليو/تموز 2019 بسحب قواتها من خطوط المواجهة في الحرب ضد الحوثيين، وإعادة تركيز دعمها على جماعات محلية في جنوب اليمن، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أُسّس عام 2017 بدعم إماراتي واضح.
وأعرب مسؤولون سعوديون عن دهشتهم من القرار الإماراتي، فمن وجهة النظر السعودية كانت أهداف أبوظبي في اليمن قد تحققت بعد استعادة مدن جنوبية استراتيجية، مثل عدن والمكلا، في عامي 2015 و2016.
وبحسب هذا التقدير، كانت السعودية—لا الإمارات—هي التي وجدت نفسها غارقة في حملة عسكرية غير قابلة للحسم ضد الحوثيين، كما زاد تآكل اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس الانتقالي والقوات الحكومية المدعومة من الرياض من حدّة الاحتكاك بين العاصمتين.
ثم ظهرت مؤشرات في ساحات أخرى على أن القيادة الإماراتية لا تشارك نظيرتها السعودية حماستها لإصلاح العلاقات مع قطر، وذلك في وقت عبّر فيه مسؤولون أميركيون عن إحباطهم من جمودٍ أضرّ بالشراكات الأميركية في المنطقة ومنح خصومًا، مثل إيران، هامشًا إضافيًا للمناورة.
رؤى متصادمة
مع انحسار زخم العقد المضطرب الذي أعقب «الربيع العربي»، ضعفت الروابط التي قرّبت بين الرياض وأبوظبي في سعيهما المشترك إلى إعادة فرض السيطرة على النظام الإقليمي الذي تشكّل بعد عام 2011.
واشتبك مسؤولون إماراتيون وسعوديون في مناسبتين، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ويوليو/تموز 2021، في اجتماعات «أوبك+» بشأن مستويات أسعار النفط وحصص الإنتاج المفضّلة. وشدّدت السعودية في صيف 2021 قواعد ما يُعدّ سلعًا معفاة من الرسوم الجمركية، في خطوة بدا أنها تستهدف البضائع التي تمر عبر المناطق الاقتصادية الحرة المتعددة في الإمارات.
وفي العام نفسه، قرّر مسؤولون سعوديون إلزام الشركات الراغبة في التعامل مع الجهات الحكومية في المملكة بنقل مقارّها الإقليمية إلى السعودية بحلول عام 2024، وهي خطوة فُسّرت على نطاق واسع على أنها تستهدف المكانة الراسخة لدبي بوصفها مركزًا إقليميًا للأعمال. كما جاء إطلاق شركة الطيران السعودية الجديدة «رياض إير»، والتركيز في الرياض على تطوير السفر والسياحة والترفيه والضيافة ضمن «رؤية 2030»، ليستهدف قطاعات تمتعت فيها الإمارات منذ زمن بميزة الريادة المبكرة.
غير أن الأهمية الحقيقية للتصادم في اليمن تكمن في أنه يكشف عمق التباين بين الرؤيتين السعودية والإماراتية للنظام الإقليمي؛ فالتفضيل السعودي ينصبّ على «خفض المخاطر»، أي جعل المنطقة تبدو آمنة ومستقرة للمستثمرين الخارجيين المحتملين. ويتسق هذا التوجه مع تركيز السعودية الحازم على التنمية الاقتصادية وتنفيذ «رؤية 2030»، لكن هذا النهج يصطدم مباشرة بما يُنظر إليه على أنه تسامح إماراتي مع المخاطرة في الشؤون الإقليمية، إذ يُعتقد على نطاق واسع أن أبوظبي دعمت جماعات مسلحة غير حكومية في ليبيا، وتساند قوات الدعم السريع المتمردة في السودان، إضافة إلى صلاتها المعروفة بالمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
ولم تكن ليبيا والسودان في صلب الهواجس الأمنية السعودية، غير أن سيطرة المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة في جنوب شرق اليمن مطلع ديسمبر/كانون الأول تجاوزت خطوطًا حمراء سعودية.
كما رأت دوائر صنع القرار في الرياض في توقيت تقدم المجلس الانتقالي، الذي بدأ في الثالث من ديسمبر/كانون الأول، يوم انعقاد القمة السنوية لقادة مجلس التعاون الخليجي، استفزازًا كبيرًا، وافترضت أن الهجوم لا بد أنه نال ضوءًا أخضر من أبوظبي.
مخارج لخفض التصعيد؟
من غير المرجح أن تنفصل العلاقات بين السعودية والإمارات بالطريقة نفسها التي حدثت مع قطر عام 2017، إلا أن المسار الراهن بين هذين الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ليس مطمئنًا. كما لا توجد رغبة داخل مجلس التعاون الخليجي في تكرار شرخ مماثل لما حصل مع قطر، ويُوحي القرار الإماراتي بسحب ما تبقى من قواتها من اليمن وترك المجلس الانتقالي لمصيره بوجود مخارج محتملة لاحتواء التوتر.
ومع ذلك، يبدو أن القيادات الاندفاعية في الرياض وأبوظبي ماضية، على الأرجح، في مسار متباعد، وقد يتجلى ذلك بطرق عدة، من بينها تصاعد المنافسة الاقتصادية في مجالات مثل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى السعودية—مرة أخرى—إلى اللحاق بالإمارات. وهي مجالات تنافس مرشحة للاشتداد مع سعي الدولتين الخليجيتين إلى كسب الأفضلية في ظل إدارة أميركية تتسم بالبراغماتية وتعتمد على الصفقات.
إن تشرذم الرؤية الإقليمية بين أكبر قوتين في الخليج لا يبشّر بمستقبل مستقر في المنطقة، في ضوء التحديات التي تواجهها ليس في اليمن فحسب، بل أيضًا في غزة ولبنان اللتين أنهكتهما الحروب، وفي سوريا الخارجة من نزاع أهلي، وربما في إيران التي قد تنخرط في موجة احتجاجات.
* كريستان كوتس أولريخسن، زميل مختص بالشرق الأوسط في معهد بيكر بجامعة رايس
لقراءة المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: