بات كشف التحالف الذي تقوده السعودية عن فرار (عيدروس الزبيدي) من اليمن إلى أرض الصومال، ثم إلى مقديشو، وصولًا في نهاية المطاف إلى أبوظبي، يتجاوز كونه مجرد إخراج لشخصية سياسية واحدة. فهو يمثل نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب اليمنية، وانفصالًا علنيًا داخل تحالف سعودي–إماراتي كان ينظر إليه سابقًا بوصفه شديد التنسيق والتماسك. وما جرى مطلع يناير/كانون الثاني 2026 ليس خلافًا تكتيكيًا عابرًا، بل طلاقًا استراتيجيًا يكشف عن تباين متزايد في الرؤى بشأن مستقبل جنوب اليمن، والأمن الإقليمي، وتوازن القوى عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وفي جوهره، يسلط إخراج الزبيدي الضوء على أن الرياض وأبوظبي لم تعودا تديران خلافاتهما خلف الأبواب المغلقة، بل باتتا اليوم تدعمان علنًا أطرافًا يمنية متنافسة ذات مسارات سياسية متعارضة. فالسعودية أعطت الأولوية ليمن موحد ذي هيكل اتحادي يضمن أمن حدودها ويحد من عدم الاستقرار طويل الأمد، في حين استثمرت الإمارات، على مدى سنوات، في شبكات سياسية وأمنية جنوبية تركز على الحكم المحلي الذاتي، والسيطرة على الموانئ، وبسط النفوذ على طول الممرات البحرية الاستراتيجية. والنتيجة هي تلاقي صراع بالوكالة مع تفكك داخلي يمني ذي تداعيات إقليمية أوسع.
وبحسب رواية التحالف، فإن الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، لم يغادر البلاد في رحلة عادية إلى الخارج، بل جرى إخراجه عبر عملية سرية متعددة المراحل أشرف عليها ضباط إماراتيون. فقد غادر اليمن بحرًا، ووصل إلى أرض الصومال، ثم استقل طائرة توقفت لفترة وجيزة في مقديشو، قبل أن تواصل رحلتها إلى أبوظبي، عبر الأجواء العُمانية. وكان قرار التحالف نشر تفاصيل المسار، والإشراف، والجوانب التقنية للرحلة أمرًا غير مألوف ومقصودًا في آن واحد، ويبدو أنه جاء لتوثيق عملية منسقة هدفت إلى إخراج شخصية سياسية كانت قد وُجهت إليها تهمة الخيانة العظمى من قبل السلطات اليمنية المعترف بها دوليًا.
ولقرابة عقد من الزمن، قدمت السعودية والإمارات نفسيهما كجبهة واحدة في اليمن، حتى مع دعمهما الهادئ لشركاء محليين مختلفين. غير أن قيام الرياض بعرض تفاصيل خروج الزبيدي على الملأ شكل إشارة واضحة إلى أنها لم تعد ترى نفسها ملزمة بإخفاء هذه التباينات أو تحمل الكلفة السياسية نيابة عن أبوظبي. وبهذا، تحولت الحادثة من تطور سياسي يمني إلى رسالة مباشرة تعكس واقع ومستقبل التنسيق الخليجي.
و لم يأتِ هذا الانشقاق بشكل مفاجئ، بل تبلور تدريجيًا. أما الشرارة المباشرة فكانت في ديسمبر/كانون الأول 2025، حين وسعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي نطاق انتشارها إلى حضرموت والمهرة، وهما محافظتان متاخمتان للسعودية. وترتبط هاتان المنطقتان ارتباطًا وثيقًا بالاعتبارات الأمنية والاقتصادية السعودية، ولا سيما المهرة التي طالما حضرت في نقاشات الرياض بشأن مسارات بديلة لتصدير الطاقة. ومن ثم، لم ينظر إلى تحرك «الانتقالي» في دوائر صنع القرار السعودية على أنه مجرد تمدد نفوذ محلي، بل كـ اختراق استراتيجي ينطوي على تداعيات مباشرة على المصالح الوطنية السعودية وأمن الحدود.
وحتى ذلك الحين، كانت السعودية قد تغاضت إلى حد كبير عن سيطرة قوى مدعومة إماراتيًا على أجزاء من السواحل والجزر في جنوب اليمن، معتبرة ذلك قابلًا للاحتواء ضمن إطار التحالف الأوسع. غير أن توغلات ديسمبر/كانون الأول غيرت معادلة الحسابات، إذ ردت الرياض عبر عمليات جوية، وانتشار بري، وممارسة ضغط مباشر على قوات «الانتقالي» والقوات الإماراتية على حد سواء للانسحاب. وما تلا ذلك لم يكن تهدئة، بل مواجهة داخل التحالف نفسه.
وسرعان ما انهار الموقع السياسي لـ عيدروس الزبيدي تحت وطأة هذا الضغط. فبعد رفضه حضور محادثات الأزمة في الرياض، وتردد أنه أشرف على توزيع أسلحة لحشد قوات موالية له، جرى إبعاده من مجلس القيادة الرئاسي، وتوجيه تهمة الخيانة العظمى إليه رسميًا في 7 يناير/كانون الثاني 2026. وعمليًا، مثل ذلك نزعًا كاملًا لشرعيته ضمن بنية الحكم اليمنية المعترف بها دوليًا.
ومع تقدم قوات مدعومة سعوديًا في عدن، وتقييد المجال الجوي الخاضع للسيطرة السعودية لخياراته، تقلصت قدرة الزبيدي على البقاء داخل اليمن بصورة حادة. وأصبح الخروج المباشر من عدن شبه مستحيل، في حين خضعت المسارات البحرية لرقابة مشددة. ومن ثم، جرى اللجوء إلى إخراج غير مباشر عبر أرض الصومال ومقديشو — وهما نقطتان تحتفظ فيهما الإمارات بقدرات لوجستية — قبل مواصلة الرحلة إلى أبوظبي عبر الأجواء العمانية. وقد عكس اختيار هذا المسار مزيجًا من الحذر العملياتي والحساب السياسي، بالاعتماد على ولايات قضائية خارج السيطرة السعودية، وعلى الدور التقليدي لعُمان كمساحة عبور محايدة في النزاعات الإقليمية.
وبالنسبة إلى أبوظبي، لم يكن إخراج الزبيدي استعراضًا للقوة، بل انسحابًا استراتيجيًا. فبعد سحب قواتها من اليمن، واجهت الإمارات خيارًا صعبًا: إما التصعيد في مواجهة السعودية عبر مواصلة دعم التقدم الانفصالي على طول الحدود السعودية، أو الحفاظ على أصلها السياسي الأهم بوضعه تحت حماية مباشرة.
وكان تهريب الزعيم بدلًا من خوض مواجهة مع المملكة الخيار الأكثر عقلانية. فدعم المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا في مواجهة الرياض كان ينطوي على مخاطر غير مقبولة، من بينها احتمال الانجرار إلى صدام مباشر مع جار أشد قوة. ومن خلال إخراج عيدروس الزبيدي، حققت الإمارات هدفين فوريين: حماية حليف بالغ الأهمية من الاعتقال أو التصفية، والحفاظ على ورقة نفوذ سياسية عبر إبقاء قائد وكيلها اليمني الرئيسي حيًا وتحت الاعتماد عليها.
وفي أبوظبي، بقي الزبيدي بمثابة «ورقة تفاوض» مستقبلية. إذ يتيح وجوده للإمارات مواصلة التأثير في السياسة الجنوبية اليمنية عن بُعد، والإبقاء على فكرة الانفصال حية، وموازنة الهيمنة السعودية في أي مفاوضات مقبلة.
غير أن مغادرة الزبيدي خلفت تداعيات فورية ومزعزِعة داخل المجلس الانتقالي الجنوبي. فبعد حرمانه من شخصيته المحورية، وتعرضه لضغوط منسقة على الأرض، تفكك المجلس على أسس جغرافية وسياسية. ففي 9 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن قياديون بارزون في المجلس كانوا موجودين في الرياض تفكيك البنية المؤسسية للمجلس، معتبرين أن استمراره لم يعد يخدم غايته في ظل الظروف القائمة. وفي الوقت نفسه، تحركت قوات مدعومة من السعودية — من بينها قوات درع الوطن ولواء العمالقة الجنوبي — بسرعة لتأمين عدن، حيث سيطرت على المطار الدولي، والقصر الرئاسي، ومنشآت أمنية رئيسية.
وفي المقابل، رفض مسؤولون في المجلس الانتقالي مقيمون في أبوظبي قرار الحل، واعتبروه غير شرعي، مؤكدين أنه اتُّخذ تحت الإكراه، وأن الزبيدي وحده، بصفته رئيس المجلس، يملك الصلاحية القانونية لحله. كما وصفت تصريحات علنية لقيادات ناطقة باسم المجلس، من بينها (أنور التميمي)، الإعلان بأنه «سخيف»، في إشارة واضحة إلى عمق الانقسام الداخلي. وبغض النظر عن تضارب الروايات، فإن فقدان المجلس الانتقالي السيطرة الميدانية، والتماسك العسكري، والمكانة الرسمية داخل الحكومة المعترف بها، قد تركه في وضع بالغ الضعف، مع انتقال ما تبقى من نفوذه بشكل متزايد إلى المنفى.
ومن منظور الرياض، فتحت هذه التطورات المجال لإعادة ترتيب المشهد القيادي في الجنوب. فمع إخراج الزُبيدي من الساحة الداخلية وتهميش أجندته الانفصالية، تحركت السعودية لدعم شخصيات تعد أكثر براغماتية واستعدادًا للعمل المؤسسي. وقد برز (عبدالرحمن المحرمي) المعروف بـ (أبو زرعة)، قائد لواء العمالقة الجنوبي، بوصفه فاعلًا محوريًا في هذه المرحلة الانتقالية، حيث يشرف على الملف الأمني في عدن وينسق عن كثب مع المسؤولين السعوديين. ويعكس تنامي دوره تفضيل الرياض للاستقرار واللا مركزية المُدارة بدلًا من الدفع نحو الانفصال الفوري.
وتستعد السعودية حاليًا لاستضافة «مؤتمر القضية الجنوبية» في الرياض، جامعًا طيفًا واسعًا من القوى الجنوبية للتفاوض حول إطار مستقبلي يقوم على النظام الاتحادي ضمن دولة يمنية موحدة. ويؤدي هذا المسار عمليًا إلى تجاوز المشروع السياسي لعيدروس الزبيدي، ويعيد تثبيت الرياض بوصفها الوسيط الرئيسي في ملف الجنوب اليمني.
وفي الوقت ذاته، تمتد التداعيات الاستراتيجية الأوسع إلى ما هو أبعد من الساحة الجنوبية. فالانقسام العلني داخل التحالف يصب موضوعيًا في مصلحة جماعة الحوثي، إذ بات خصومها الرئيسيون منقسمين ومنشغلين بالتنافس داخل التحالف نفسه. وعلى الرغم من أن الحوثيين ليسوا طرفًا مباشرًا في التطورات المرتبطة بنفي الزبيدي، إلا أن تراجع التنسيق بين القوى المناهضة لهم يخفف الضغط عليهم ويعقد أي مسعى مستقبلي لتشكيل جبهة تفاوضية أو عسكرية موحدة.
إقليميًا، يتشكل الموقف السعودي الأكثر تشددًا أيضًا في ضوء هواجس أوسع حيال الأنشطة الإماراتية في القرن الإفريقي وسوريا، حيث نسجت أبوظبي شراكات محلية تنظر إليها الرياض أحيانًا بقدر من التحفظ. وداخل اليمن، أضافت محاولات المجلس الانتقالي الجنوبي السعي إلى اعتراف دولي أوسع — بما في ذلك تواصل حذر مع إسرائيل — طبقة إضافية من الحساسية، ما أثار مخاوف من ارتدادات سياسية في الجنوب وقلقًا لدى فاعلين إقليميين.
وعلى المدى القريب، يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مكسبًا تكتيكيًا سعوديًا. فقد أعادت الرياض فرض سيطرتها على عدن، وهمشت فاعلًا مُربكًا، وتموضعت لصياغة المرحلة المقبلة من الحوار السياسي الجنوبي. أما بالنسبة إلى الإمارات، فقد جنبها إخراج الزبيدي سيناريو أكثر كلفة، لكنه جاء على حساب فقدان أهم أدوات نفوذها داخل اليمن.
غير أن توصيف النتيجة على أنها «انتصار سعودي» صريح يبقى تبسيطًا مخلًّا. فبينما كسبت السعودية زمام المبادرة على المدى القصير، تظل الصورة بعيدة المدى غير محسومة. إذ قد يدفع نفي الزبيدي الإمارات إلى تعميق اعتمادها على النفوذ غير المباشر ورعاية فاعلين جنوبيين من الخارج، بما قد يخلق دينامية تعطيل مزمنة تُعقّد رؤية الرياض لـ يمن موحد. وبهذا المعنى، قد يتبين أن هذا الشرخ مكلف على المدى الطويل، إذ يرسخ تنافسًا بنيويًا يتجاوز الأزمة الراهنة.
وفي المحصلة، تكشف هذه الحلقة أن الحرب في اليمن دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تُعرَّف فقط بوحدة التحالف في مواجهة الحوثيين، بل باتت محكومة بتنافس الشركاء السابقين على ترتيبات ما بعد الحرب. وقد أصبح جنوب اليمن الساحة الرئيسية لهذا الصراع، بتداعيات ستشكل ليس مستقبل اليمن فحسب، بل أيضًا التوازن الإقليمي الأوسع عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: