تحليل: الحلفاء يتحولون إلى أعباء مع تصاعد التوتر السعودي الإماراتي في اليمن
يمن فيوتشر - امواج ميديا- فارع المسلمي الاربعاء, 07 يناير, 2026 - 01:25 مساءً
تحليل: الحلفاء يتحولون إلى أعباء مع تصاعد التوتر السعودي الإماراتي في اليمن

لا يبدو أن التوتر المتصاعد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشأن اليمن مجرد حلقة أخرى في مواجهة طال أمدها؛ بل يأتي هذا التصاعد في وقت تستكشف فيه الرياض وحركة أنصار الله، المعروفة باسم الحوثيين بحذر ملامح تسوية سياسية محتملة، بينما لا تزال ساحة البحر الأحمر مضطربة، والتحالفات الإقليمية في حالة تحول مستمر تحت ظلال حرب غزة وتداعياتها.

وعلى هذه الخلفية، يعد تدهور التنسيق الإماراتي السعودي في جنوب شبه الجزيرة العربية تذكيرًا صارخًا بكيف يمكن للحروب بالوكالة أن تصبح أكثر تدميرًا من المواجهة المباشرة، لا سيما عندما يجد حلفاء أقوياء سابقون أنفسهم في حالة تنافس من خلال القوى ذاتها التي قاموا بإنشائها وتمويلها وتسليحها بشكل مشترك.

 

صراع بلا وسيط

تختلف جولة التصعيد الحالية في اليمن نوعيًا عن فترات التوتر السابقة بين أبوظبي والرياض؛ فهي تتكشف في لحظة يعاني فيها البلد الذي مزقته الحرب من انقسام عميق، ولا تزال فيه الحكومة المعترف بها دوليًا مشلولة، بينما انجرف الاهتمام الدولي إلى أماكن أخرى إلى حد كبير. والأهم من ذلك، أن هذه التوترات تصب مباشرة في مصلحة أكثر طرفين زعزعة للاستقرار في اليمن اليوم: حركة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، حيث يزدهر كلا التنظيمين عندما يتصدع التحالف المناهض للحوثيين، وعندما تضعف مؤسسات الدولة اليمنية الهشة أصلًا بشكل أكبر.

بالنسبة للمراقبين للشأن اليمني، فإن هذا التدهور ليس مفاجئًا؛ فالتنافس الإماراتي السعودي في اليمن كان جليًا لسنوات، حتى خلال فترات التنسيق الظاهري. لذا، فإن ما يحدث حاليًا ليس انهيارًا مفاجئًا بل هو اشتعال متأخر لخلافات استراتيجية لم تُحلّ وتفاقمت بسبب الرفض المستمر من جانب السعودية والإمارات للانخراط في حوار حقيقي وهيكلي وشفاف حول مصالحهما في اليمن والمنطقة بشكل أوسع. وفي هذا الإطار، تبرز حاجة ملحة للمواجهة المباشرة لمعالجة القضايا المطروحة على الطاولة.

ومن المهم الإشارة إلى أنه، وخلافًا لكثير من النزاعات الإقليمية الأخرى، لا يمكن للقوى الخارجية التوسط في التوترات بين أبوظبي والرياض. فكلا العاصمتين تمتلكان من الثروة والنفوذ والقدرة على التأثير الدولي ما يكفي لردع أي تحكيم خارجي. علاوة على ذلك، فضلت الحكومات الغربية في السنوات الأخيرة تجنب تحدي أي من الدولتين الخليجيتين بشأن اليمن بأي وسيلة مؤثرة.

تعكس هذه الديناميات كيف قامت بريطانيا والولايات المتحدة، طوال العقد الماضي، بتفويض الملف اليمني فعليًا إلى السعودية والإمارات، بافتراض أن الشراكة الخليجية ستحقق الاستقرار. والنتائج تتحدث عن نفسها: ما يقرب من عقد من الحرب، وانهيار الدولة، وتداعيات إقليمية. لذا، فإن الحقيقة المرة هي أن الحوار الضروري هو الحوار الذي لا يمكن أن يجريه إلا الرياض وأبوظبي، حوار صريح في جوهره، سري في إدارته، وعاجل في توقيته.

 

تصدعات استراتيجية

هناك عدة خلافات جوهرية بين القوتين الخليجيتين تتطلب تفاوضًا صريحًا بدلًا من التجنب الهادئ.

أولًا، يجب على القوتين الاعتراف بأنهما لا تملكان حاليًا ولن تملكا على الأرجح نهجًا مشتركًا تجاه إسرائيل. فحسابات المملكة الحذرة بشأن التطبيع مع تل أبيب والتي صاغتها مخاوف تتعلق بالشرعية المحلية والرمزية الدينية والقيادة الإقليمية تختلف جوهريًا عن القرار الإماراتي بإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات في عام 2020 كجزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع. هذا التباين بنيوي وليس مؤقتًا؛ والتظاهر بخلاف ذلك لا يولد إلا الاستياء.

ثانيًا، لا توجد رؤية مشتركة حول الإسلام السياسي. فبالنسبة للإمارات، تمثل جماعة الإخوان المسلمين التهديد الأيديولوجي الرئيس لاستقرار الدولة. أما بالنسبة للسعودية، ورغم التوترات في السنوات الأخيرة وحملات القمع ضد أعضائها السعوديين، فقد كان الفاعلون المرتبطون بالإخوان تاريخيًا حلفاء مفيدين في اليمن وخارجه. يقع هذا التناقض في قلب تحالفاتهما المتنافسة في الساحة اليمنية.

ثالثًا، لا تزال الحكومتان منقسمتين بشدة حول قضايا السيادة وتقرير المصير عبر القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية من أرض الصومال، صوماليلاند إلى جنوب اليمن. فالدعم الإماراتي المتزايد للجهات الفاعلة الانفصالية يصطدم مباشرة مع تفضيل الرياض للسلطة المركزية وسلامة الأراضي، لا سيما على طول حدودها الجنوبية.

 

حيث تنهار الثقة

لا يوجد مكان يتجذر فيه انعدام الثقة المتبادل بين أبوظبي والرياض بشكل أعمق مما هو عليه في اليمن. فمن المنظور الإماراتي، كان قرار السعودية بتوقيع اتفاق ستوكهولم مع الحوثيين عام 2018 والذي أدى إلى تجميد جبهات قتال رئيسة من دون تنازلات حقيقية بمثابة أول شرخ كبير في العلاقة. أما المفاوضات الأحدث بين الحوثيين والمملكة حول "خارطة طريق" للسلام، والتي جرت إلى حد كبير من دون تشاور مع الجانب الإماراتي، فقد اعتبرتها أبوظبي خيانة استراتيجية.

وتتفاقم هذه المظالم بالنظر إلى التكلفة البشرية للتدخل العسكري في اليمن بالنسبة للإمارات؛ ففي سبتمبر/أيلول 2015، فقد الإماراتيون أكثر من 50 جنديًا في ضربة صاروخية حوثية على منشأة صافر بمأرب. ولا يزال هذا الحادث، الذي يعد الهجوم المنفرد الأكثر دموية في تاريخ الجيش الإماراتي، محفورًا في الذاكرة الجماعية للمؤسسة العسكرية وللإمارات كدولة.

أما من وجهة النظر السعودية، فإن استمرار الإمارات في تسليح ودعم المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيًا خاصة على طول الحدود الجنوبية للمملكة يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه. وتنظر الرياض بشكل متزايد إلى المجلس الانتقالي كقوة لزعزعة الاستقرار، تهدد طموحاتها ليس فقط الوحدة اليمنية، بل سلامة الأراضي السعودية نفسها.فالمملكة لن تملك أي اتفاقية حدودية مع دولة جنوب يمن مستقلة مفترضة، بل تقتصر اتفاقياتها على الجمهورية اليمنية التي يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي لتفكيكها. وخلف الأبواب المغلقة، يعزو كثير من المسؤولين السعوديين في مجالسهم الخاصة ردود أفعالهم الحادة المتزايدة تجاه كل من الإمارات وحلفائها اليمنيين إلى تقييمات استخباراتية مزعومة تشير إلى أن المجلس الانتقالي مقتديًا بنموذج أرض الصومال وبدعم إماراتي إسرائيلي مفترض يمهد الطريق بصمت لإعلان استقلال جنوب اليمن.

لقد أنتجت هذه التصورات المتعارضة للتهديدات واقعًا خطيرًا: شريكان في التحالف ينظر كل منهما الآن إلى حلفاء الآخر المحليين باعتبارهم التهديد الرئيس لأمنه الخاص. ورغم خطورة هذه الخلافات، فقد تم تأجيل الحوار الهادف مرارًا لصالح الارتجال التكتيكي والغموض العلني. لم يعد هذا النهج قابلًا للاستمرار؛ فكلما طال أمد هذا التنافس من دون إدارة، زادت المساحة المتاحة لتنظيم القاعدة والحوثيين وغيرهم من الفاعلين من غير الدول لترسيخ قوتهم، وتعميق تفتت اليمن، وتوسيع نطاق الصراع عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

نظرًا لعدم وجود أي طرف إقليمي أو دولي لديه الرغبة أو القدرة على فرض تسوية بين أبوظبي والرياض، فإن مسؤولية حل النزاع تقع بالكامل على عاتق قيادتي الدولتين. إن الاستمرار في السعي وراء النفوذ بعقلية المباراة الصفرية، مدفوعًا بانعدام الثقة المتبادل بدلًا من الواقعية الاستراتيجية، سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض المصالح ذاتها التي تدعي الحكومتان الدفاع عنها؛ هذا فضلًا عن كون الرهانات بالنسبة لليمن نفسه تمس وجوده ومصيره. إن ما تشتد الحاجة إليه الآن، أكثر من أي وقت مضى، ليس مجرد إعادة ضبط تكتيكية أخرى، بل مكاشفة استراتيجية شاملة. ورغم أن مثل هذه المهمة قد تكون محفوفة بالمخاطر، إلا أن البدائل المترتبة على تجاهلها تحمل أخطارًا أفدح بكثير.


التعليقات