منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، برز اليمن بوصفه إحدى أكثر ساحات التنافس الإقليمي تعقيدًا في الشرق الأوسط. فقد أدّى الانهيار التدريجي للدولة اليمنية، الذي تسارع مع تفكك التسوية السياسية المنبثقة عن مرحلة الانتقال بعد عام 2011، إلى فتح المجال أمام حرب متعددة الأبعاد تجمع بين صراع أهلي وتدخل إقليمي وتنافس جيوسياسي. واستهدف التدخل العسكري الذي بدأ في مارس/ آذار 2015 بقيادة التحالف العربي — وفي مقدمته المملكة العربية السعودية بمشاركة فاعلة من الإمارات العربية المتحدة — إعادة الحكومة المعترف بها دوليًا إلى السلطة، واحتواء تمدد الحوثيين الذي اعتُبر امتدادًا للنفوذ الإيراني.
غير أنّ الصراع، بعد مرور عقد كامل، أعاد تشكيل بنية السلطة في اليمن على نحو عميق. ويعود ذلك جزئيًا إلى اختلاف الرؤى الاستراتيجية بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بشأن توازن القوى داخل البلاد. فبينما تبنّت الرياض مقاربة أمنية فرضتها هشاشة الحدود المشتركة الممتدة لنحو 1800 كيلومتر، اتجهت أبوظبي، مدفوعة بحسابات استراتيجية براغماتية، إلى الاستثمار في حالة التفكك المتصاعد منذ عام 2014، مستهدفة السيطرة على العقد البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، ومستفيدة من الانقسامات الإقليمية المتجذرة منذ الحقبة الاستعمارية.
ويجدر التذكير بأنه في عام 2015 كاد جنوب اليمن أن يسقط بالكامل بيد الحوثيين. وقد اعتُبر هذا الهجوم القادم من الشمال — وفق رؤية السكان المحليين — «احتلالًا ثانيًا»، إذ أعاد إلى الواجهة صدمات الحرب الأهلية لعام 1994. ولعب هذا الشعور بالغزو دورًا محفّزًا لتصاعد النزعة الانفصالية، كما أوجد بيئة مواتية لدولة الإمارات لبناء شبكات نفوذ محلية متماسكة.
واليوم يتسم المشهد المؤسسي اليمني بانقسام واضح؛ فبينما يدير الحوثيون الثلث الغربي من البلاد، حيث يعيش أكثر من نصف السكان، تعاني بقية المناطق — التي تمثل نحو ثلثي المساحة — من ضعف مزمن في سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا والمتمركزة في عدن. وفي ظل هذا الفراغ السيادي، بدأت كيانات محلية مختلفة تطالب بممارسة السلطة استنادًا إلى هويات مناطقية. وبدلًا من استعادة النظام الدولتي، أسهمت الحرب في ترسيخ حالة مستدامة من التفتت الجغرافي والعسكري وتعدد مراكز السلطة المعتمدة بدرجة كبيرة على داعميها الخارجيين.
مع ذلك، شكّل عام 2022 نقطة تحول مهمة مع إقرار هدنة برعاية المملكة العربية السعودية ووساطة سلطنة عُمان وإشراف الأمم المتحدة. وقد أدت هذه الهدنة — المستمرة بصيغة غير معلنة — إلى خفض نسبي في وتيرة المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية. وأعقب ذلك تغيير سياسي حاسم تمثل في إقصاء الرئيس عبد ربه منصور هادي وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي المكوَّن من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد محمد العليمي. كما انضم المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الإطار المؤسسي الجديد، في خطوة تعكس إعادة ترتيب لموازين القوى داخل المعسكر الحكومي المنقسم، وإعادة تشكيل توازنات النفوذ الإقليمي تحت تأثير المصالح المتداخلة للرياض وأبوظبي.
ويبلغ مسار إعادة التشكل هذا نقطة انعطاف رئيسية مع نهاية عام 2025، حين بلغ الصراع السياسي والعسكري غير المباشر بين العاصمتين الإقليميتين لحظة مفصلية. فانسحاب الإمارات العربية المتحدة تحت الضغط، وما رافقه من إضعاف حاد لشبكات نفوذها المحلية في جنوب البلاد وشرقها، لا يدل بالضرورة على نهاية تدخلها بقدر ما يعكس تفكك تحالف كان يعاني أصلًا من تباينات بنيوية. وتكشف هذه المرحلة عن بروز توازن صراعي جديد يعيد فيه الشريكان السابقان صياغة أولوياتهما الاستراتيجية عبر حلفائهما المحليين. ومن هذا المنطلق، يسعى المقال إلى بحث ما إذا كانت أزمة ديسمبر/ كانون الأول 2025 تمثل قطيعة استراتيجية دائمة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكيف تسهم هذه القطيعة في إعادة تشكيل موازين القوة داخل اليمن وعلى مستوى النظام الإقليمي الأوسع.
•اليمن كاشفٌ لصدع استراتيجي داخل الخليج
انتقل انخراط الإمارات العربية المتحدة، الذي بدأ إلى جانب المملكة العربية السعودية، من مشاركة عسكرية مباشرة إلى استثمار جيو–استراتيجي موجّه داخل مراكز النفوذ في معسكر الحكومة اليمنية. ويعكس هذا التحول تباعدًا متزايدًا في الرؤى يحمل في طياته بوادر صراع كامن.
وتجسدت هذه الاستراتيجية بدءًا من إنشاء قوى أمنية وعسكرية رديفة جرى دمجها لاحقًا في هياكل الدولة. وفي موازاة ذلك، عملت أبوظبي على إحكام السيطرة على المقومات الاستراتيجية لليمن، عبر ترسيخ حضور قائم على التحكم في الموانئ والجزر ومنافذ العبور البحرية الحيوية.
وعلى حساب الحكومة اليمنية، استثمرت الإمارات في بناء شبكات ولاء محلية، ولا سيما داخل المجلس الانتقالي الجنوبي وألوية العمالقة ذات التوجه السلفي، حيث جرى تشكيل وحدات ونخب أمنية متجذرة في المحافظات الجنوبية.
•من التباين التكتيكي إلى القطيعة الاستراتيجية
خلافًا للمملكة العربية السعودية، التي سعت إلى الحفاظ — ولو بالحد الأدنى — على هياكل الحكومة اليمنية لضمان استمرار شرعيتها الدولية، تبنّت الإمارات استراتيجية تقوم على تفكيك المجال الجغرافي اليمني وتعزيز نفوذها الخاص. فقد كان اليمن يُعد تاريخيًا مجالًا حيويًا حصريًا للرياض، ما قيّد الدور الإماراتي لسنوات طويلة. ويتجلى ذلك في إلغاء عقد شركة موانئ دبي العالمية في ميناء عدن عام 2012 من قبل حكومة المرحلة الانتقالية التي ضمت حزب الإصلاح اليمني، وهو قرار اعتُبر انتكاسة كبرى لطموحات أبوظبي في قطاع الموانئ.
وبالنسبة للإمارات، شكّل النزاع فرصة لإعادة التموضع. إذ ارتكزت مقاربتها على تجاوز سلطة المركز، وتهميش الحكومة المعترف بها دوليًا، وبناء شبكة نفوذ تقوم على فاعلين محليين شبه عسكريين جرى إضفاء طابع مؤسسي عليهم تدريجيًا، مستندة في ذلك إلى خطاب مكافحة الإرهاب والموقف المعادي للإخوان المسلمين. وقد أسهمت هذه المقاربة في تعميق التباين بين أولويات أبوظبي السياسية والاقتصادية وأولويات الرياض الأمنية.
أما السعودية، وحرصًا على تقاسم كلفة التدخل المالية والسياسية والبشرية، فقد تغاضت لفترة طويلة عن تنامي النفوذ الإماراتي، متجنبة صدامًا مباشرًا مع شريكها الإقليمي. كما دفع تعثر العملية العسكرية وصمود الحوثيين الرياض إلى فتح قنوات تفاوض معهم، في محاولة لتسهيل الخروج من الأزمة وحماية مصالحها الاستراتيجية.
•ديسمبر/ كانون الأول 2025: نقطة تحوّل نحو صدع سعودي–إماراتي في اليمن
لم تُحقق الهدنة الموقعة في 2 أبريل/ نيسان 2022 الاستقرار المنشود، بل أسهمت في نقل الانقسامات إلى داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فقد جرى تهميش القوى الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، ولا سيما من محافظة أبين، بينما تعززت صلاحيات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يرتكز نفوذه في محافظة الضالع. وفي الوقت نفسه، كانت خريطة الطريق التي تقودها السعودية بشكل شبه منفرد تتجه نحو تقاسم السلطة والموارد مع الحوثيين، وهو ما هدد مكاسب المجلس الانتقالي والمصالح الاستراتيجية للإمارات في اليمن.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي — تحت غطاء احتفالات رمزية في عدن — هجومًا واسعًا نحو شرق البلاد، تمكن خلاله من السيطرة على مساحات كبيرة من محافظتي حضرموت والمهرة. وقد حظيت هذه العملية، التي أُعدّ لها بعناية، بدعم لوجستي وعملياتي من الإمارات، ما أحدث تحولًا جوهريًا في موازين السيطرة على الأرض لصالح المجلس وعلى حساب الحكومة المعترف بها دوليًا.
وتبدو هذه العملية خطوة استباقية لمنع تقاسم محتمل للموارد مع الحوثيين، وفرض واقع جغرافي جديد. كما تعكس رفض الإمارات انفراد السعودية بإدارة مسار السلام بما يهدد نفوذها المتراكم. وقد أدركت الرياض سريعًا خطورة هذا التقدم، سواء عبر اختلال التوازنات في المحافظات الشرقية أو اقتراب قوات المجلس الانتقالي من حدودها الجنوبية.
وعلى هذا الأساس مارست المملكة العربية السعودية ضغوطًا على المجلس الانتقالي الجنوبي للانسحاب، في حين امتنعت الإمارات العربية المتحدة عن تقديم دعم فعلي لهذه الجهود الدبلوماسية. وخلال تلك المرحلة المتوترة، اتسم موقف أبوظبي بصمت استراتيجي ترافق مع وساطة شكلية لدى عيدروس الزبيدي، مقابل تشدد متزايد من جانب الرياض التي لم تعد تستبعد اللجوء إلى إجراءات قسرية.
وقد بلغت ردة الفعل السعودية ذروتها في 30 ديسمبر/ كانون الأول، مع تنفيذ ضربات جوية استهدفت سفنًا إماراتية، بالتزامن مع صدور بيان شديد اللهجة من مجلس القيادة الرئاسي اليمني. وبوصفه تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي صراحةً بأنها “عمل تمرّد”، والمطالبة بـ“انسحاب فوري للقوات الإماراتية”، تكون السلطات اليمنية — بدفع حاسم من الرياض — قد كرّست قطيعة سياسية باتت علنية بين القوتين.
•تباين المسارات الاستراتيجية بين السعودية والإمارات
منذ عام 2015 لم تتقاسم الدولتان الحليفتان القراءة ذاتها لطبيعة التهديد. فبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، ارتبط النزاع في اليمن أساسًا بصراعها مع إيران، ما جعل حركة أنصار الله (الحوثيين) العدو الرئيسي. أما الإمارات العربية المتحدة فقد جعلت من مكافحة الإخوان المسلمون — الممثلين محليًا عبر حزب الإصلاح — أولوية استراتيجية، حتى وإن جاء ذلك على حساب التعامل مع التهديد الحوثي بقدر أقل. وبعد خمس سنوات من الحرب، بدت المناطق الجنوبية، ولا سيما محيط عدن، وكأنها منطقة نفوذ شبه حصرية للقوى الموالية للإمارات، وبالتالي خاضعة للتأثير المباشر لأبوظبي.
•أولويات أمنية متباينة واستخدام مختلف للقوى المحلية
منذ الأيام الأولى للتدخل العسكري في اليمن، برز نوع من التقسيم الجغرافي للأدوار بين السعودية والإمارات. فقد ركزت الإمارات جهودها على السواحل اليمنية، بدءًا من المكلا شرقًا، مرورًا بمنشأة الغاز في بلحاف، وصولًا إلى ميناء عدن. كما دعمت عمليات عسكرية امتدت لاحقًا حتى الحديدة على البحر الأحمر بحلول عام 2019. وفي ظل انهيار الجيش اليمني بعد سيطرة الحوثيين على السلطة، بدأ الطرفان الإقليميان تشكيل قوى عسكرية محلية جديدة.
اعتمدت السعودية على تحالفات أكثر تقليدية، فدعمت القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع اليمنية، إضافةً إلى وحدات سلفية في صعدة بقيادة رداد الهاشمي، مع الحفاظ على حضور عسكري محدود نسبيًا. كما ركزت جهودها على تأمين حدودها الجنوبية ومحافظة مأرب الغنية بالنفط.
وفي المقابل، عملت الإمارات على إقصاء رجال الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي تدريجيًا، وتعزيز نفوذ حلفائها المحليين، خاصة التيارات الانفصالية والسلفية.
ومنذ عام 2019 بدأ يتشكل تدريجيًا نظام قوى جديد: فقد تراجع نفوذ القوى الموالية للسعودية، في حين احتكرت القوى الموالية للإمارات — وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي — مراكز القرار، تاركةً للحكومة المعترف بها دوليًا هامشًا ضيقًا للحركة في العاصمة المؤقتة. وقد حمل هذا الاختلال بذور خلاف استراتيجي مرشح للانفجار.
•السيطرة على الأرض، الرهانات البحرية، وعودة السعودية إلى التدخل القسري
منذ نهاية عام 2021 سعت المملكة العربية السعودية إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر، مفضّلةً أدوات الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية بما ينسجم مع توجهات رؤية 2030. وفسّر جزء من الفاعلين المحليين هذا النهج الحذر بوصفه سلبية، ما أتاح هامشًا أوسع لتوسع النفوذ الإماراتي. ومع ذلك، لم يخلُ هذا الحذر من خطوات هدفت إلى موازنة الاستراتيجية الإماراتية، وخصوصًا من خلال دعم قوى سلفية قادرة على الحد من هيمنة الشبكات المرتبطة بأبوظبي. وفي هذا السياق أسهمت الرياض، منذ عام 2022، في إنشاء وتفعيل تشكيلات سلفية منافسة للمجلس الانتقالي الجنوبي، مثل قوات درع الوطن وقوات الطوارئ.
غير أن تحولات أواخر عام 2025 عكست عودة واضحة من الرياض إلى نمط تدخل أكثر مباشرة وانتقائية. صحيح أن توظيف القوى السلفية ساهم في احتواء التوسع الانفصالي، لكنه في الوقت ذاته ينطوي على مخاطر كبيرة تتمثل في تعميق الانقسامات داخل الجنوب، وإشعال مواجهات جديدة. كما أثار هذا المسار قلقًا متزايدًا لدى حركة الحوثيين، وهو ما انعكس في تصريحات بعض قادتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
•الديناميات الميكروسياسية للقوى السنية المحلية في اليمن
لا يمكن فهم التصعيد الأخير في اليمن من زاوية المواجهة الثنائية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا فقط. إذ تكشف التطورات عن إعادة تشكيل لموازين القوى بين فاعلين سنّة محليين ينتمون إلى مسارات أيديولوجية مختلفة، لكن مجالات نشاطهم تتداخل في بعض الجغرافيا.
وتشمل هذه الأطراف: القوى السلفية، وحزب الإصلاح (الفرع اليمني للإخوان المسلمون)، والمجلس الانتقالي الجنوبي. ومن هذا المنظور، يمثّل التصعيد الراهن عامل تسريع لتفاعلات تنافسية كانت قائمة أصلًا، خصوصًا في المحافظات الجنوبية.
•التفتت الأيديولوجي والاختلالات الوظيفية بين السلفيين وحزب الإصلاح
تُعد القوى السلفية مجموعة غير متجانسة، لكنها تتميز بانتشار واسع وقدرة عسكرية معتبرة، ولا سيما في لحج وأبين وشبوة وحضرموت. وقد أثبتت فاعلية كبيرة في القتال ضد الحوثيين جنوبًا وغربًا. غير أن هذه الفاعلية لم تتحول إلى حضور سياسي مستقل، إذ تميل القوى السلفية إلى الاصطفاف ضمن مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي. كما أن رفضها العقائدي للعمل الحزبي يحدّ من قدرتها على تحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ مؤسسي.
ونظرًا لافتقارها إلى الموارد والطموح السياسي، غالبًا ما تنخرط القوى السلفية في شبكات رعاية إقليمية متغيرة. فبعد تلقي دعم من الإمارات في البداية، انتقلت تدريجيًا إلى التقارب مع المملكة العربية السعودية. وبهذا أصبحت أداة تساعد الرياض على الحد من نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد تمكنت السعودية، بدعم سلفي، من فرض حلّ المجلس الانتقالي لنفسه من الرياض. ومع ذلك، يبقى دور هذه القوى وظيفيًا بالدرجة الأولى؛ فهي وحدات قتالية منضبطة تُستخدم أساسًا ضد الحوثيين، وبشكل غير مباشر في موازنة حزب الإصلاح.
يثير هذا التحول تساؤلات حول حدود “اللّا-سياسية” التي يتبناها التيار السلفي. فمن جهة، يُظهر قدرة على تحقيق استقرار قصير المدى، ومن جهة أخرى يظل عاجزًا عن تطوير مشروع سياسي مستدام.
أما حزب الإصلاح، فيظل الفاعل السني الأكثر تنظيمًا، نظرًا لامتلاكه بنية سياسية واضحة، وشبكات قبلية واسعة، وحضورًا حكوميًا، وقدرات عسكرية. ويمنحه نفوذه في مأرب وتعز — إلى جانب قوات طارق صالح في المخا — موقعًا مهمًا في معادلة القوة.
ومع ذلك، تجعل حساسية موقعه منه فاعلًا تجمع عليه الخصومة من جهات متعددة. فهو قوة لا يمكن إقصاؤها، لكنه أيضًا مثير للانقسام، الأمر الذي يحد من قدرته على بناء تحالفات مستقرة.
•الجنوب كميدان لإعادة تشكيل موازين القوة
يتميز المجلس الانتقالي الجنوبي بوضوح مشروعه السياسي، وقدرته على ترسيخ سلطته ميدانيًا في ظل فراغ مؤسسي عام. ومن خلال خطاب معادٍ للإخوان المسلمون ورفع شعار مكافحة الإرهاب، نجح في تهميش شبكات حزب الإصلاح في عدن، مستخدمًا أدوات قسرية للحد من حضورها. ويستند نفوذه إلى جهاز أمني يميل إلى المركزية، وقاعدة اجتماعية جنوبية متماسكة حول مطلب الحكم الذاتي. وهذه المعطيات تجعل منه فاعلًا يصعب إزاحته، رغم محاولات إضعافه مؤسسيًا.
مع ذلك، قد تصطدم هذه التعبئة بحدودها الذاتية، نتيجة الطابع العشائري والمناطقي الذي يطبع الهرمية القيادية للمجلس. فقد اعتمد المجلس لفترة طويلة استراتيجية تراكم تدريجي للسلطة، تقوم على ترسيخ السيطرة الإقليمية بدل الانخراط في مواجهة مباشرة على المستوى الوطني. كما أن تحالفه التكتيكي مع بعض القوى السلفية أتاح له إضعاف حزب الإصلاح، والاستجابة في الوقت نفسه لاعتبارات دينية وأيديولوجية محلية، دون الانجرار إلى صراع مفتوح طويل الأمد.
غير أن هذه الاستراتيجية بقيت مرهونة بدرجة كبيرة لاعتماد المجلس البنيوي على دعم الإمارات العربية المتحدة، وهو ما حدّ من استقلاليته الاستراتيجية، خاصة في المناطق التي تبدو فيها الهوية الجنوبية أكثر تشتتًا مثل حضرموت. واليوم يبدو المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه عرضة للتصدّع الداخلي؛ إذ أسهم الإفراط في استخدام القوة وبعض الحسابات الاستراتيجية الخاطئة — ولا سيما التوسع نحو الشرق — في تآكل تدريجي لشرعيته وسلطته.
ومن جهة أخرى، فإن الارتباط الوثيق للمجلس، بقيادة عيدروس الزبيدي، بسياسات أبوظبي واصطفافه مع بعض توجهاتها الإقليمية — بما في ذلك سياق التقارب مع إسرائيل — قد أضعف مصداقيته لدى شريحة من قاعدته الاجتماعية. وفي هذا الإطار، يبدو لجوؤه إلى القوى السلفية أيضًا وسيلة للحفاظ على قدر من الشرعية المحلية، في محاولة لتعويض التراجع المطّرد في استقلاليته السياسية.
ويؤدي التفاعل بين القوى السلفية، وحزب الإصلاح اليمني، والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى تكوين مشهد صراعي يتسم بتصعيد مجزّأ ومحلي الطابع. فبدل السعي إلى تحقيق انتصار حاسم، يفضّل هؤلاء الفاعلون اعتماد استراتيجيات تقوم على تقويض تدريجي لقدرات خصومهم. وتعكس هذه الديناميات ما يمكن وصفه بـ“حرب داخل الحرب”، حيث تتحول المنافسة الداخلية ضمن المعسكر الحكومي إلى عامل مؤثر في مسار النزاع اليمني.
وبعدما كان كل من حزب الإصلاح والمجلس الانتقالي يسعى سابقًا إلى القضاء المتبادل، تفرض التحولات الأخيرة — المتأثرة بشكل كبير بسياسات المملكة العربية السعودية — نوعًا من التعايش القسري بين هذه الأطراف. فالبنية الراهنة لإعادة التوازن، المدفوعة بالرياض، أوجدت وضعية لا يمتلك فيها أي طرف مصلحة في إقصاء الآخرين بالكامل. إذ يستمد كل فاعل جزءًا من شرعيته ووظيفته من وجود منافسيه.
ويعمل التصعيد الجاري بين القوى الإقليمية، المصحوب بإعادة تموضع الفاعلين المحليين، كآلية لتنظيم الصراع تحت إشراف السعودية، بما يسمح بإعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى دون إحداث إعادة ترتيب عنيفة للنظام السياسي، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي.
وتبرز التحليلات الميكروسياسية للقوى السنية المحلية تحولًا في طبيعة النزاع، حيث تحل ديناميات السلطة المحلية تدريجيًا محل منطق الانتصار العسكري الشامل. وفي هذا السياق، يظهر المكوّن السلفي المرتبط بالمجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل وظيفي ومحوري في بناء نظام إقليمي بديل، بينما يحتفظ حزب الإصلاح بمركزية هشّة وتبعية نسبية. وهكذا لا ينهي التصعيد الحالي النزاع، بل يعيد تعريف خطوط الانقسام، بما يخدم مسار إعادة التوازن التدريجي أكثر من كونه يسعى إلى حل شامل.
•الخاتمة
لا تمثّل المرحلة التي انطلقت في نهاية عام 2025 في اليمن نهاية للحرب، ولا انسحابًا نهائيًا للإمارات العربية المتحدة، التي لا يزال حضورها مدعومًا بشبكة واسعة من الميليشيات والفاعلين المحليين. لكنها تكشف، بالمقابل، عن فشل واضح لتحالف إقليمي بُني على أهداف استراتيجية متضاربة. فعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية بدت وكأنها حققت انتصارًا تكتيكيًا من خلال إعادة ترسيخ نفوذها داخل المعسكر الحكومي اليمني، تبقى هذه المكانة هشّة. إذ تحتفظ الإمارات العربية المتحدة بشبكات سياسية وعسكرية واقتصادية قادرة على استعادة نشاطها، بما في ذلك عبر مصالح مشتركة — ولو غير مباشرة — مع حركة أنصار الله (الحوثيين). ورغم تعقيد وضعها، يظهر الحوثيون اليوم في موقع أضعف نتيجة سنوات الحرب، والضربات الجوية الأمريكية، وتأثير التقارب الإيراني–السعودي برعاية الصين.
علاوة على ذلك، يواصل الصراع الداخلي بين القوى السنية المحلية تشكيل الديناميات الأساسية للنزاع، من خلال التنافس بين السلفيين، وحزب الإصلاح اليمني، والمجلس الانتقالي الجنوبي. وتؤكد هذه البنية سيادة المنطق المحلي للسلطة على احتمالات تحقيق انتصار عسكري حاسم. وفي هذا الإطار، تبدو القوى السلفية الأكثر تقدّمًا في بناء نظام إقليمي بديل، بينما يحتفظ حزب الإصلاح بموقع مركزي لكنه هش هيكليًا، يجمع بين الضرورة والجدل في آن واحد.
وعلى المستوى الإقليمي، تسهم هذه الانشقاقات في إعادة تشكيل أوسع لتوازنات التحالفات، حيث يغدو اليمن ليس مجرد هامش غير مستقر، بل فضاءً استراتيجيًا محوريًا عند ملتقى البحر الأحمر وقرن أفريقيا والخليج العربي. وتؤكد الأزمة اليمنية بذلك تحولًا رئيسيًا: إذ لم تعد النزاعات المحلية في الشرق الأوسط قابلة للفصل عن التنافس بين القوى الإقليمية والاستراتيجيات النفوذية. وأي محاولة لتحقيق استقرار دائم تتطلب الاعتراف بالطبيعة المعقدة والمتشابكة لهذه الديناميات، التي تتفاعل على ثلاثة مستويات متزامنة — محلي، ووطني، وإقليمي — وتشكل تطورات اليمن اليوم إحدى أبرز صور هذه التعقيدات الاستراتيجية.
لقرأة المادة من موقعها الأصلي على الرابط: