في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني، قُطع وقت الغداء في العاصمة السعودية بدويّ صفارات الإنذار. وقال المسؤولون إن الأمر لا يتجاوز اختبارًا روتينيًا (إذ أُجري تمرين مشابه في عام 2021). لكن أصوات الإنذار والتنبيهات الهاتفية كانت أيضًا تذكيرًا بالحرب غير المحسومة على حدود المملكة الجنوبية.
ففي عام 2014، خرج الحوثيون —وهي ميليشيا مدعومة من إيران خاضت تمردًا طويلًا ضد الحكومة اليمنية— من معقلهم في شمال البلاد، وتمكنوا في نهاية المطاف من السيطرة على صنعاء، العاصمة، ومعظم المدن الرئيسية الأخرى. وفي العام التالي شكّلت السعودية تحالفًا عربيًا لصدّ الحوثيين، لكن العملية سرعان ما تحولت إلى مستنقع. وبعد أكثر من عقد، ما يزال الحوثيون يسيطرون على معظم غرب اليمن، حيث يقيم نحو ثلاثة أرباع السكان.
وقد صمد وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة بين المملكة والحوثيين إلى حدّ كبير منذ ما يقارب أربع سنوات، إذ لم تشنّ الميليشيا هجمات على المدن السعودية منذ عام 2022. غير أن التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الحرب ظلّ عصيًا، إلى حدّ كبير بسبب تعنت الحوثيين؛ فكلما قدّمت السعودية تنازلًا، تستثمره الميليشيا للمطالبة بالمزيد.
لكن منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، انشغل الحوثيون بأولويات أخرى؛ فقد بدأوا بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل عقب اجتياحها غزة، في استعراض تضامني مع الفلسطينيين شكّل أيضًا وسيلة لصرف الأنظار عن سوء إدارتهم الداخلية. إلا أن وقف إطلاق النار في غزة، الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول، أوقف حملتهم ضد إسرائيل مؤقتًا. ويخشى بعض الدبلوماسيين أن يعاود الحوثيون الآن توجيه اهتمامهم نحو السعودية.
وقد صعّد الحوثيون بالفعل من خطابهم تجاه المملكة. ففي سبتمبر/ أيلول، اتهم عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة المنعزل، السعودية بالتواطؤ مع إسرائيل. وفي الشهر الماضي، حذّر إعلاميو الجماعة من استئناف الهجمات عبر الحدود إذا لم ترفع السعودية ما وصفوه بـ”الخنق الاقتصادي” لليمن.
ويكشف هذا الخطاب عن السبب الحقيقي وراء التهديدات: فالحوثيون يواجهون أزمة مالية خانقة. وتتعدد أسباب ذلك؛ إذ أدت الضربات الإسرائيلية —التي جاءت ردًا على هجمات الحوثيين— إلى تدمير موانئ ومصانع إسمنت وغيرها من الشركات التي كانت تدرّ إيرادات للجماعة. كما أدت العقوبات الأمريكية إلى قطع تدفقات مالية مهمة. ورغم ندرة البيانات الدقيقة، يرى بعض المحللين اليمنيين دلائل على تراجع الحوالات المالية إلى مناطق سيطرة الحوثيين، نتيجة إرهاق الجاليات اليمنية في الخارج وتشديد القيود على التحويلات.
ولا تزال الجماعة تمتلك مصادر دخل غير مشروعة، من تهريب المخدرات إلى عمليات مرتبطة بالعملات الرقمية. لكنها تتعرض لضغط شديد أيضًا؛ ففي بعض الأشهر تدفع رواتب منقوصة، وفي أشهر أخرى لا تدفع شيئًا. ويقدّر وضّاح العولقي، الخبير الاقتصادي في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن واردات الغذاء والوقود في مناطق الحوثيين سجلت انخفاضًا بنسبة 20% و27% على التوالي حتى شهر أغسطس/ آب، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويتضمّن اتفاق السلام الذي جرى التفاوض حوله خلال الأعوام الماضية التزامًا مؤقتًا من السعودية بدفع رواتب القطاع العام في مناطق سيطرة الحوثيين. وحتى في حال تعذّر التوصل إلى اتفاق نهائي، قد يأمل الحوثيون في استخدام التهديدات لدفع المملكة إلى “شراء” الهدوء.
غير أن هذا النهج على حافة الهاوية قد يرتدّ عليهم. فبحلول الوقت الذي دخل فيه وقف إطلاق النار السعودي–الحوثي حيّز التنفيذ عام 2022، كانت الحرب في اليمن قد أرهقت حلفاء المملكة؛ إذ قُتل آلاف المدنيين اليمنيين بفعل ضربات سعودية سيئة الاستهداف، فيما لقي آخرون حتفهم بسبب الجوع والمرض. وقيّد جو بايدن مبيعات السلاح للسعودية بعد فترة وجيزة من تولّيه الرئاسة عام 2021. وبحلول ذلك الوقت كانت الإمارات العربية المتحدة، وهي الأكثر قدرة في التحالف الذي تقوده السعودية، قد سحبت معظم قواتها بالفعل.
لكن الوضع اليوم يبدو مختلفًا تمامًا؛ فكلٌّ من السعودية والإمارات يتمتعان بعلاقات جيدة مع دونالد ترامب، الذي أمر مطلع هذا العام بحملة قصف استمرت سبعة أسابيع ضد الحوثيين لوقف هجماتهم على السفن التجارية.
وأعلن الرئيس الأمريكي أن السعودية حليف رئيسي من خارج الناتو، ووقّع اتفاقًا دفاعيًا مع المملكة خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني. وقد يواجه ضغوطًا للتدخل إذا تعرّضت السعودية لهجوم جديد. أمّا إسرائيل، فمن جانبها قد تقرر تصعيد ضرباتها الجوية ضد الحوثيين، ليس فقط لإضعاف خصم لها، بل أيضًا لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج التي تضررت خلال حرب غزة.
وقد تراجع حضور الحرب في اليمن على الأجندة الدولية خلال العامين الماضيين. لكن ذلك قد لا يستمر؛ فهناك خشية من أن الحوثيين أصبحوا أكثر خبرة بعد عامين من الهجمات على إسرائيل. ويُقال إن معدلات التجنيد قد ارتفعت، وإن لم يكن ذلك كله طوعًا، إذ تمارس الجماعة التجنيد الإجباري وتستخدم الأطفال مقاتلين. أما قادتها فأصبحوا أقل استعدادًا لتقديم التنازلات من أي وقت مضى. ويقول أحد الدبلوماسيين: “كان الجميع يعتقدون أنهم قادرون على إدارة الوضع في اليمن، لكن ذلك لم يعد ممكنًا.”
لقراءة المادة من موقعها الاصلي: