سرعة انتصار المعارضة السورية في الإطاحة بالرئيس بشار الأسد أضافت بُعدًا استثنائيًا لأهمية هذه اللحظة التاريخية. و ما يجعل هذا الحدث أكثر لفتًا للنظر هو أن الثورة، التي ستغير ملامح المنطقة، كانت انتفاضة قادها السوريون بأنفسهم، دون أن تكون مفروضة من أي قوة أجنبية.
ففي غضون أكثر من أسبوع بقليل، تمكنت قوات هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني من إنهاء خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، كاشفةً عن هشاشة النظام في جوهره، وعجز داعميه الرئيسيين، إيران وروسيا، عن تقديم الدعم اللازم لبقائه. و النتيجة تمثلت في نكسة كبيرة لكل من موسكو وطهران، بينما يبدو أن تركيا، الداعم لبعض فصائل المعارضة، هي المستفيد الأبرز.
ومع ذلك، فإن سقوط الأسد ينذر بمزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، حيث ستسعى الدول المجاورة بشكل حثيث إلى احتواء خطر انتشار الاضطرابات مع تبدل موازين القوى الإقليمية.
• غياب طهران وموسكو:
بالنسبة لإيران، يمثل سقوط الأسد خسارة لـ"الجسر البري" الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسط الشرقي وقاعدة لنفوذها الإقليمي، خاصة عبر وكلائها مثل حزب الله. وكان قرار طهران بعدم إرسال قوات لدعم الأسد واحدًا من أكثر التحركات تأثيرًا خلال تقدم المعارضة.
و قد يعكس هذا القرار إدراكًا لحالة الضعف القاتلة للنظام السوري، الذي كان يفتقر إلى الشعبية حتى قبل الأزمة الاقتصادية المستمرة. كما قد يكون مؤشرًا على ضعف إيران نفسها، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها هي وحزب الله في الصراع مع إسرائيل.
ومع ذلك، قد يشير ذلك أيضًا إلى إدراك براغماتي لدى طهران بأنها لن تحقق أي مكاسب من التدخل، سواء في علاقاتها مع جيرانها العرب أو مع إدارة ترامب القادمة آنذاك. و هذا القرار قد يثير تساؤلات إضافية حول هشاشة النظام في طهران، رغم أنه لا ينبغي التقليل من صموده وقدرته على التكيف.
أما بالنسبة لروسيا، فإن سقوط الأسد يمثل ضربة يصعب تحديد مداها بدقة. و الحكومة التي ستتولى السلطة في دمشق يُتوقع -حتى الآن- أن تحترم الاتفاقية التي أبرمها الأسد والتي تمنح روسيا حق استخدام قاعدة عسكرية على الساحل السوري. ولكن هذه الأصول المهمة عرضة للخطر، ما قد يؤثر على نفوذ موسكو في المنطقة.
وكما هو الحال مع طهران، اختارت موسكو عدم دعم الأسد في أيامه الأخيرة. و قد يكون هذا القرار انعكاسًا للضعف أو مجرد انشغال بالأزمة في أوكرانيا. ورغم أن روسيا ما زالت تحتفظ بنفوذٍ واسع في المنطقة، إلا أنها ستحتاج إلى إعادة بناء شبكاتها لتحقيق تأثيرٍ مستدام.
• التحديات الجديدة لأنقرة:
على النقيض، لدى تركيا سبب للشعور برضا حذر، لكن الإطاحة بالأسد ستجلب معها تعقيدات كبيرة. و تربط تركيا علاقة وثيقة بأبو محمد الجولاني، لكنها لا تتحكم في قواته؛ حيث إن الجيش الوطني السوري يُعد الوكيل الأكثر ارتباطًا بأنقرة. و حتى الآن، ركزت تركيا على معالجة المشكلات القريبة من حدودها، خاصة التحدي المستمر الذي يشكله المقاتلون الأكراد الساعون إلى الحكم الذاتي.
و الآن، ستضطر أنقرة إلى الانشغال بما يجري في دمشق وجنوب سوريا. كما ستدرك أن قرارات سوريا، باعتبارها دولة عربية، تتأثر بشكل كبير بعلاقاتها مع جيرانها العرب.
لذلك، ستكون استجابة السعودية والعراق والأردن محور الاستقرار -أو عدمه- للنظام السوري الجديد. فبعد سنوات من انتقاد الأسد، أعادت هذه الدول سوريا العام الماضي إلى الجامعة العربية؛ كما دعا مجلس التعاون الخليجي في الأول من ديسمبر/ كانون الثاني المعارضة السورية إلى وقف التصعيد.
و ستجد هذه الدول نفسها الآن مضطرة للتعامل مع الجولاني والقوى الأخرى المسيطرة على الشمال الشرقي. و الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تعبر عن انزعاجها من الجذور الإسلامية لهيئة تحرير الشام، رغم محاولات الجولاني مؤخرًا لتخفيف هذا الطابع.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن سقوط الأسد يمثل خروج خصم راسخ من المشهد بشكل مفاجئ. وعلى الرغم من أن ذلك يضعف العمق الاستراتيجي لإيران في المنطقة، وهو ما تعتبره إسرائيل مكسبًا، إلا أن حكومتها ستراه أيضًا تأكيدًا على جدوى استراتيجيتها في اغتيال قيادات حزب الله. لكن الفوضى والقتال قرب حدودها وفي محيط مرتفعات الجولان المحتلة ستتطلب اهتمامًا عسكريًا مستمرًا، وهو أمر قد يكون صعبًا، خاصة في ظل غياب وقف لإطلاق النار في غزة.
بالنسبة للغرب، فإن رحيل ديكتاتور كان على صلة وثيقة بروسيا وإيران ليس مصدرًا للأسف على الإطلاق. لكن سقوط الأسد يكشف أيضًا عن عجز الغرب عن تشكيل مستقبل المنطقة كما كان يأمل في السابق. و إخفاق الرئيس باراك أوباما في معاقبة الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيميائية ضد شعبه في عام 2013، رغم اعتباره ذلك "خطًا أحمر" في العام السابق، ترك بصمة دائمة على سياسات الغرب تجاه سوريا.
أما بالنسبة لسوريا نفسها، فإن إزالة الأسد قد تحمل معها الراحة، وربما الازدهار، الذي تأمل فيه الحشود التي تحتفل بسقوطه. فقد تسبب وحشية نظامه والمعاناة الاقتصادية التي أعقبت العقوبات ووضع سوريا كدولة منبوذة في معاناة كبيرة في جميع أنحاء البلاد.
و الكثير سيتوقف على ما إذا كان أبو محمد الجولاني سيسعى إلى تشكيل حكومة بنفسه أم سيختار نموذجًا أكثر تصالحًا وشمولية، كما يأمل بعض المراقبين الإقليميين. لكن الطريق من انتصار المعارضة إلى ظهور حكومة جديدة ودولة مستقرة تخدم الشعب السوري طويل وشاق.