حوار: فراس أبوبكر… موسيقي عدني يحول الشغف إلى مشروع حياة ويؤسس تجربة فنية لدمج المكفوفين
يمن فيوتشر - يمن فيوتشر: الخميس, 12 فبراير, 2026 - 03:59 مساءً
حوار: فراس أبوبكر… موسيقي عدني يحول الشغف إلى مشروع حياة ويؤسس تجربة فنية لدمج المكفوفين

الموسيقي العدني فراس أبوبكر سالم إبراهيم حوّل شغفه المبكر بالألحان إلى مسار حياة مهني منذ الطفولة.
إبراهيم، المولود في عدن قبل 30 عامًا، التحق بمعهد جميل غانم عام 2009، وتخرج في معهد الفنون عام 2012، بعد رحلة دراسة رسخت اختياره للموسيقى كهوية شخصية ومشروع مستمر.

عشقه الأول كان البيانو، غير أن تخصصه في آلة القانون، التي وجهه إليها المعهد لندرتها، شكل هويته الفنية وجعله من أبرز عازفيها في المدينة.

في حوار مع "يمن فيوتشر" قال إنه يجمع في تجربته بين التكوين الأكاديمي والتدريب الذاتي اليومي، مؤكدًا أن الفرق بين العازف الحرفي والموسيقي الواعي يكمن في الفهم الثقافي والقدرة على الإبداع لا مجرد إتقان التقنية.

إبراهيم، المتأثر برموز الموسيقى العربية واليمنية وأساتذته في المعهد، يرى أن المشهد الفني في اليمن يواجه تحديات تتعلق بالتكرار وضعف الدعم المؤسسي، رغم تاريخ عدن الثقافي.

في تدريبه يركز على بناء شخصية المتدرب عبر الانضباط والصبر والدعم النفسي، معتبرًا أن صناعة الموسيقي تبدأ من دعم الإنسان قبل المهارة.

من أبرز مبادراته تأسيس فرقة موسيقية للمكفوفين، في تجربة إنسانية هدفت إلى الدمج الاجتماعي وتغيير نظرة المجتمع من الشفقة إلى الاحترام.

ويصف الموسيقى في زمن الأزمات بأنها ملجأ نفسي وصوت جماعي للتعبير عن الأمل والهوية.

يطمح الفنان الصاعد إلى إنشاء أكاديمية موسيقية وتأسيس أوركسترا يمنية قادرة على حمل اسم البلاد خارجيًا، إلى جانب حفظ التراث الموسيقي وتطويره، رغم ما يواجهه من ضعف الإمكانيات والتهميش المؤسسي. 

وبالنسبة له، الموسيقى رحلة اكتشاف مستمرة، لا تعرف الخطأ بقدر ما تعرف الشغف والتعلم الدائم.


نص الحوار..
- كيف بدأت علاقتك بالموسيقى، أين ومتى أدركت أنها مسار حياة لا مجرد هواية؟ (ما القصة؟)

بدأت علاقتي مع الموسيقى في مرحلة الطفولة، حيث اجتذبني عالم الألحان منذ اللعب على أورغ لعبة في سن الثامنة. لكن التحول من الهواية إلى مسار حياة حدث عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي، حيث بدأت أهرب من المدرسة لحضور حصص الموسيقى في معهد الفنون الجميلة، مصممًا على تعلم الفن بشكل حقيقي. كانت لحظة الإدراك الأكبر عندما وعدوني بالانتظام الرسمي بعد الصف التاسع، وبدأت أحضر بانتظام كطالب ملتحق. استمرت الرحلة بعدها حتى حصولي على دبلوم المعهد عام 2012، لتؤكد أن الموسيقى ليست مجرد شغف عابر، بل هي اختيار حياة.

- ما الآلة الأقرب إلى قلبك، وكيف أسهمت في تشكيل هويتك الموسيقية؟

الآلة الأقرب إلى قلبي هي البيانو، فقد كانت عشقي الأول منذ الطفولة.
لكن هويتي الموسيقية تشكلت فعليًا بآلة القانون، بعد أن وجهني المعهد إليها لندرتها، وأصبحت بفضلها العازف الأول في عدن.

- هل تعتبر نفسك موسيقيًا أكاديميًا أم عصاميًا، وكيف انعكس ذلك على أسلوبك في التدريب؟
أعتبر نفسي موسيقيًا يجمع بين الأكاديمي والعصامي.
تخرجي من معهد الفنون الجميلة أعطاني الأساس النظري والقواعد الأكاديمية المتينة، لكن أسلوبي في التدريب يعتمد بشكل كبير على الممارسة اليومية والتدريب الذاتي المستمر، الذي كنت ولا أزال ألتزم به لأصل إلى مستوى الاحتراف. هذا المزيج ساعدني في تطوير أسلوبي الخاص.

- ما التجارب أو المحطات التي كان لها الأثر الأعمق في وعيك وتكوينك الموسيقي؟ بمن تأثرت؟

معهد الفنون الجميلة حوّل شغفي من هواية إلى مسار أكاديمي، ووجهني لتخصص آلة القانون التي أصبحت هويتي الفنية، ووصلت بها إلى مرتبة العازف الأول في عدن.
الموسيقى الشرقية العربية هي المنبع الذي تشربت منه الذائقة الموسيقية منذ الطفولة من خلال الاستماع، وتمكنت لاحقًا من فهم وإتقان مقاماتها وروحها عبر آلة القانون.
أما فيما يتعلق بمن تأثرت به:
تأثرت بالفنان أحمد بن أحمد قاسم، والفنان محمد سعد عبدالله، وأم كلثوم، إلى جانب العازف التركي إيتاش.
كما تأثرت بشكل مباشر بمعلمي وعازفي المعهد الذين وجهونا، وتأثرت بشكل غير مباشر برواد الموسيقى الشرقية التي كنت أسمعها منذ الصغر، مما ساهم في تكوين أذن موسيقية ووعي فني.

- برأيك، ما الفرق بين تعليم العزف تقنيًا وصناعة موسيقي يمتلك وعيًا فنيًا حقيقيًا؟ وكيف ترى هذا الوعي الفني في عدن واليمن؟

تعليم العزف التقني يهدف إلى إتقان المهارات العملية والعلمية، كقراءة النوتة وتنفيذها بدقة. أما صناعة موسيقي واعٍ فنيًا فتهدف إلى بناء وعي وفهم أعمق للموسيقى، ليصبح العازف مبدعًا وليس ناقلًا فقط، بحيث يُضفي شخصيته وإحساسه، ويفهم السياق الثقافي، ويساهم في تجديد الفن.

الوعي الفني في اليمن معقد؛ وعدن كانت مركزًا ثقافيًا تاريخيًا في البلاد، لكن المشهد يواجه تحديات. هناك نقد لكون الإنتاج الفني يغلب عليه التكرار والنسخ دون تجديد حقيقي، مما يفرق بين “الحرفي الماهر” و“الفنان المبدع”. كما أن الدعم المؤسسي للأجيال الجديدة محدود.

- ما الصفات التي تراها أساسية في المتدرب الناجح بعيدًا عن الموهبة؟
الاجتهاد والمثابرة،
الانضباط في التدريب،
حب الآلة والفن، التواضع وحب التعلم، الصبر والإصرار، وفهم أن الإتقان يحتاج وقتًا وعدم الاستسلام بسرعة.
هذه الصفات، إلى جانب الموهبة، هي التي تحول الهواة إلى محترفين مبدعين.


- كيف تتعامل مع لحظات الإحباط أو التراجع التي يمر بها المتدربون؟

منهجي يقوم على مستويين رئيسيين:
التحفيز النفسي المباشر:
الدعم العاطفي عبر بناء علاقة صداقة وكسب الثقة أولًا، التشجيع المستمر من خلال المتابعة والهدايا التحفيزية.
تيسير التعلم:
تحبيب التمارين عبر تنويعها وتكرار الأغاني بلطف،
بناء الثقة والخبرة عبر العزف الجماعي لإشعارهم بالانتماء والفرحة بالموسيقى،
الدمج مع الكبار لرفع سقف طموحهم واكتساب الخبرة والقدوة.
لماذا منهجي ناجح؟
يجمع بين الدعم النفسي (القلب)، والتدريب العملي (العقل)، والاندماج المجتمعي (الروح). هذا يخلق بيئة آمنة ومحفزة، وهو بالضبط ما يحتاجه المتدرب حين يتراجع، خاصة في سياق قد تكون فيه موارد التعلم الموسيقي الرسمية محدودة. هذا المنهج الشخصي والداعم هو ما يميز المعلم المدرك أن صناعة الموسيقي تبدأ من دعم الإنسان بداخله.

- كيف تقيّم واقع الموسيقى اليوم، ودورها في المجتمع، خاصة في أزمنة الأزمات؟

الموسيقى ملجأ نفسي ضروري في الحالة التي نعيشها، حيث تصبح متنفسًا وعالمًا خاصًا للجمال وطرد الطاقة السلبية.
واقع الموسيقى في زمن الأزمات واقع مزدوج؛ فهي من ناحية ترفيه وملاذ نفسي فردي من وطأة الواقع، ومن ناحية أخرى صوت جماعي للمقاومة والتعبير عن الأمل والهوية.
دورها يتعاظم عندما تعلو أصوات الرصاص، لتصبح لغة مشتركة تعبر عما يعجز النطق عنه.

- كيف وُلدت فكرة تأسيس فرقة موسيقية للمكفوفين، وما الدافع الإنساني وراءها؟

الفكرة وُلدت بشكل طبيعي عندما التقيت بشباب مكفوفين موهوبين. قررنا معًا تحدي الصعوبات وإثبات إمكاناتنا من خلال الفن، وقمت بتدريبهم وتأهيلهم لتحقيق هذا الحلم.
الهدف كان خلق مساحة آمنة وداعمة، وتحقيق الاندماج الاجتماعي، وإثبات الذات والقدرة، والرغبة في تأكيد أن الإعاقة البصرية ليست عائقًا أمام الإبداع، وأن المكفوفين يمكنهم تحقيق التميز المهني وإحداث تغيير في المجتمع من خلال الفن.

- ما خصوصية التدريب الموسيقي مع المكفوفين، وما أبرز التحديات التي واجهتك في هذه التجربة؟
التدريب مع المكفوفين يعتمد على:
حاستي السمع واللمس بدلًا من النظر،
التواصل الشفهي والتناغم العاطفي أكثر من الإشارات البصرية.
أبرز التحديات وتخطيها:
كان التحدي صعوبة التواصل في البداية، ثم فهمت عالمهم وصرت أحدهم. استخدمت الهدايا والفرح والتحفيز لكسر الحاجز العاطفي، فاخترقت لغة القلب حاجز الإعاقة واختفت التحديات.
هذا النهج الذي اتبعته هو جوهر التدريب الفعال: تحويل التحدي إلى فرصة للتواصل الإنساني العميق قبل التعليم الفني.

- ما الأثر النفسي والاجتماعي الذي لمسته على أعضاء الفرقة، وكيف تفاعل المجتمع مع المبادرة؟
إعادة نظر وتفاعل إيجابي: عروض الفرقة تحدث تغييرًا في النظرة المجتمعية نحو المكفوفين من الشفقة إلى الاحترام.
شكل من أشكال الدمج الاجتماعي: تتحول العروض إلى جسور للتواصل وتجعل المكفوفين جزءًا فاعلًا في المشهد الثقافي.
باختصار، أحدثت المبادرة تغييرًا مزدوجًا: عززت قوة الأعضاء من الداخل، وغيّرت النظرة تجاههم من الخارج، لتثبت أن الفن من أقوى أدوات التغيير.

- في المحصلة، ماذا تعني لك الموسيقى على المستوى الإنساني، وما رسالتك للشباب الراغبين في خوض هذا الطريق؟

الموسيقى هي ملاذي الإنساني من قسوة الواقع، وجسر للتواصل مع كل القلوب. في رحلتي هي سلاح شخصي ضد القبح، ووسيلة للتواصل مع الآخر، ورسالة مقاومة بالجمال.

رسالتي للشباب: لتكن رحلتك مبنية على حب حقيقي، واجتهاد منضبط، وهدف إنساني، وإصرار لا يعرف اليأس.

- ما هي طموحاتك وأهدافك؟ وما الفرص والصعوبات أمامك؟
طموحاتي:
إنشاء أكاديمية موسيقية لتخريج جيل عازفين أكاديميين مثقفين،
تشكيل أوركسترا سيمفونية يمنية تحمل اسم الوطن عالميًا،
إنتاج أعمال فنية جديدة تزاوج بين الماضي والحاضر،
حفظ وتطوير التراث الموسيقي اليمني من الاندثار.
الفرص:
الفرصة الأساسية هي الأكاديمية نفسها كصانعة للجيل ومشغلة للطاقات،
حاجة المجتمع لمؤسسة أكاديمية تضمن استمرارية الفن.
التحديات:
ضعف الإمكانيات المادية، التهميش المجتمعي أو المؤسسي لهذا الصرح الكبير، صعوبة تطوير مناهج تجمع بين السيمفونية العالمية والهوية اليمنية.

- ولو كتبت رسالة لمبتدئ أو مبتدئة في طريق الموسيقى، ما الذي ستقوله له ولها؟
رسالتي:
تحلَّ بالصبر، فالإتقان يأتي مع الوقت. استمتع بالرحلة ولا تستعجل النتائج.
كن منضبطًا: التمرين القصير المنتظم أفضل من التدريب الطويل غير المنتظم.
استمع أكثر، وطوّر أذنك الموسيقية بالاستماع لمختلف أنواع الموسيقى والعازفين.
لا تخشَ الخطأ، فالأخطاء جزء من التعلم.
اعزف بحرية وتجرأ على التجريب.
احتفظ بالشغف حيًا، وتذكر دائمًا لماذا أحببت الموسيقى منذ البداية.
أراك في القمة…
لا يوجد خطأ في الموسيقى؛ كل تجربة جديدة هي اكتشاف وليست خطأ.


التعليقات