تفكيك رواية «المليونية» في عدن: تحقيق جيومكاني وإحصائي حول حشود فعالية "الثبات والتصعيد"
يمن فيوتشر - خاص: السبت, 24 يناير, 2026 - 05:46 مساءً
تفكيك رواية «المليونية» في عدن: تحقيق جيومكاني وإحصائي حول حشود فعالية

•المدخل والسياق
روجت وسائل إعلام ومنصات رسمية، في مقدمتها قناة عدن المستقلة، لوصف «المليونية» عند تغطية فعالية «الثبات والتصعيد» التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، الجمعة 23 يناير/كانون الثاني 2026، في ساحة العروض بمديرية خور مكسر في عدن.

تأتي الفعالية في سياق سياسي حساس أعقب الإعلان عن حل المجلس الجنوبي، 9 يناير/كانون الثاني 2026، ومغادرة قيادات الصف الأول، ما يضفي أهمية استثنائية على التحقق من الأرقام المتداولة بوصفها مؤشرًا على الوزن الشعبي الفعلي، لا خطابًا تعبويًا.
تهدف المادة إلى التحقق من صحة الأعداد المعلنة، عبر إخضاع المواد البصرية المنشورة لتحليل علمي محايد، باستخدام أدوات التحقق الجنائي الرقمي Digital Forensics، وتطبيق المنهجيات المعتمدة عالميا في إحصاء الحشود Crowd Counting.

المنهجية
اعتمد التحقيق مقاربة علمية مركبة تجمع بين التحليل الجيومكاني Geospatial Mapping والنمذجة الحسابية، وفق ثلاث مراحل مترابطة:
- المرحلة الأولى تمثلت في تحليل الصور الجوية ومقاطع الفيديو المنشورة، ومطابقة المعالم العمرانية الظاهرة فيها مع صور الأقمار الصناعية الحديثة عبر Google Earth Pro، بهدف ترسيم النطاق الفعلي للتجمع البشري Crowd Polygon، وتحديد المساحة الصافية القابلة للوقوف Net Standable Area بعد استبعاد العوائق الثابتة مثل الجزر المشجرة، المركبات، والأرصفة غير المستخدمة.
- المرحلة الثانية شملت تحليل الكثافة البشرية Density Estimation بالاعتماد على معيار جاكوبس Jacobs Method، من خلال فحص عينات عشوائية من الصور عالية الدقة لتقدير المسافات البينية بين الأفراد، وتحديد معامل الكثافة الواقعي المعبر عن الوضع الميداني.
- المرحلة الثالثة تمثلت في الحساب النهائي عبر ضرب المساحة الصافية في معامل الكثافة، مع الاستعانة بأدوات محاكاة الحشود مثل MapChecking للوصول إلى نطاق رقمي منطقي للأعداد.

•تحديد النطاق الجغرافي للتجمع
أظهر التحليل الجيومكاني أن مركز الحشود Epicenter تمركز حول المنصة الرئيسية في ساحة العروض، وتحديدًا في المساحة المفتوحة المقابلة لحي الشابات، حيث سُجلت أعلى كثافة بشرية.
أما الامتداد المتصل للحشود شمالًا، فقد انتهى عند محيط معهد الأحقاف وبنك الكريمي قرب مستشفى آزال، وهو ما يمثل الحد الشمالي للتجمع Northern Limit. ولم تُظهر الصور الجوية وجود امتداد بشري متصل يتجاوز هذه النقطة.
وبعد استبعاد المساحات غير القابلة للاستخدام الفعلي، قُدرت المساحة الصافية التي شغلها المشاركون بنحو 26 ألف متر مربع، مع هامش خطأ محدود.

•تحليل الكثافة والواقع الميداني
كشف الفحص الدقيق للصور الجوية، خصوصًا اللقطات العمودية، عن نمط توزيع غير متجانس للحشود.
وسجلت الكثافة أعلى مستوياتها قرب المنصة الرئيسية، ثم تراجعت تدريجيًا باتجاه المناطق الوسطى، وصولًا إلى كثافة منخفضة عند الأطراف الخارجية.
وأظهرت الصور وجود مسافات فاصلة واضحة بين الأفراد Gaps تسمح بالحركة ورفع الأعلام واللافتات بأريحية، ما ينفي حالة التكدس الشديد Crush Density التي تميز الحشود الخانقة.
بناء على ذلك، جرى اعتماد معيار جاكوبس Jacobs Method لتقدير الكثافة، مع اعتماد كثافة واقعية تراوحت بين 1.8 و2.0 شخص لكل متر مربع.
ولغرض تقديم تقدير سخي لصالح فرضية الحشد الكبير، احتسب التحقيق سيناريو حد أقصى High Density Scenario عند 2.5 شخص لكل متر مربع، وهو رقم يتجاوز الكثافة المرصودة فعليًا في معظم أجزاء التجمع.

 

•النتائج والتقدير الرقمي النهائي
بتطبيق المعادلة الحسابية الأساسية، العدد يساوي المساحة مضروبة في الكثافة، توصل التحقيق إلى النتائج التالية:
في السيناريو الواقعي، يتراوح عدد المشاركين بين 40 ألفًا و50 ألف شخص، وهو تقدير ينسجم مع القدرة الطبيعية على الحركة ورفع الأعلام داخل المساحة المشغولة.
أما في سيناريو الحد الأقصى النظري، وبافتراض امتلاء كامل المساحة بكثافة مرتفعة جدًا، فلا يتجاوز العدد نحو 65 ألف شخص.

•تفنيد رواية «المليونية»
تؤكد هذه النتائج أن توصيف الفعالية بـ«المليونية» يفتقر إلى أي أساس علمي أو هندسي. فاستيعاب مليون شخص داخل مساحة تبلغ 26 ألف متر مربع يتطلب كثافة غير ممكنة فيزيائيًا تصل إلى نحو 38 شخصًا في المتر المربع، وهو ما يتعارض مع القوانين الفيزيائية والبيولوجية للحركة البشرية.

كما يبين التحقق أن الصور الملتقطة بزوايا منخفضة أو بعدسات مقربة قد تخلق وهمًا بصريًا بضغط المسافات، بينما تكشف الصور الجوية العمودية الفراغات الحقيقية التي تخفيها اللقطات الأرضية، وهو ما جرى الاعتماد عليه أساسًا في هذا التقدير.

 

خاتمة

لا يناقش هذا التحقق النوايا السياسية ولا دوافع الدعوة أو المشاركة، لكنه بصدد فحص الأرقام كما هي.
وتظهر المعطيات الجيومكانية والحسابية أن حجم الحشود في فعالية 23 يناير/كانون الثاني 2026 يظل محصورًا في إطار عشرات الآلاف، ولا يقترب من التوصيف المتداول.
وفي قياس الحشود، تُعد الأرقام معطى قابلًا للتحقق وفق معايير هندسية وإحصائية محددة، لا توصيفًا إنشائيًا. وعند غياب هذا القياس، تتحول الأرقام من أداة توصيف إلى أداة تضليل، بغض النظر عن الجهة التي تصدرها.


التعليقات