وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة، اتفاقية للدفاع المشترك تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعا.
يأتي الاتفاق وسط إعادة تشكيل للمشهد الأمني في الشرق الأوسط، بعد الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والهجمات الإيرانية على دول خليجية، إلى جانب تهديدات الحوثيين للمملكة والممرات البحرية. كما يبني على اتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني الموقع في أيلول/سبتمبر 2025.
تدخل الرياض الاتفاق بثقل اقتصادي وعسكري كبير. فقد أنفقت نحو 83.2 مليار دولار على الدفاع في 2025، لتصبح ثامن أكبر منفق عسكري عالمياً، فيما ارتفع إنفاقها العسكري في الربع الأول من 2026 بنسبة 26% على أساس سنوي.
وتملك المملكة قدرات جوية ودفاعية وصاروخية متقدمة، إضافة إلى منشآت نفطية وموانئ وممرات بحرية تجعل أمنها مرتبطاً مباشرة بأمن الطاقة العالمي.
وفي إطار رؤية 2030، تستهدف الرياض توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030، بعدما بلغت النسبة نحو 24.9% نهاية 2024. كما تعزز التعاون العسكري مع باكستان، الذي اتخذ بعداً ميدانياً مع وصول قوة باكستانية تضم مقاتلات وطائرات دعم إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في نيسان/أبريل 2026.
تقدم أنقرة قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية متنامية. وبلغت صادرات صناعاتها الدفاعية والجوية نحو 8.5 مليارات دولار في 2025، مع استهداف تجاوز 10 مليارات في 2026.
وتشمل قدراتها المسيّرات، والصواريخ والرادارات والحرب الإلكترونية والسفن الحربية، إلى جانب برامج مثل المقاتلة "قآن" والدبابة "ألتاي". كما تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة وخبرة واسعة في العمليات المشتركة.
لكن عضوية تركيا في الناتو لا تجعل الحلف طرفاً في اتفاق مكة، ولا تنشئ التزاماً على الحلف بالدفاع عن أي من أطرافه.
تضيف إسلام آباد قوة بشرية وقدرات صاروخية ونووية. وتضم قواتها المسلحة نحو 660 ألف عسكري عامل، فيما يقدر معهد "سيبري" ترسانتها النووية بنحو 170 رأساً في كانون الثاني/يناير 2026.
ويمنح هذا العامل الاتفاق وزناً استراتيجياً إضافياً، لكنه لا يعني قيام مظلة نووية باكستانية للسعودية. فالبيانات المتاحة لم تتضمن التزاماً نووياً، فيما شددت الأطراف الثلاثة على الطابع الدفاعي للاتفاق.
رغم صيغة الدفاع المشترك، لا يعني الاتفاق بالضرورة أن تعرض إحدى الدول لهجوم سيؤدي تلقائياً إلى دخول الدولتين الأخريين الحرب بكل قدراتهما. فالتفاصيل المتعلقة بآلية التفعيل، وحجم الرد، والقوات التي يمكن نشرها، وشروط التدخل المباشر، لا تزال غير واضحة علنا.
وقد يكون هذا الغموض جزءا من استراتيجية الردع: رفع كلفة مهاجمة أي طرف، مع إبقاء هامش واسع أمام الحكومات الثلاث لتحديد طبيعة الرد وفقاً لنوع الهجوم وحجمه والظروف السياسية.
لذلك، تكمن أهمية الاتفاق في الردع السياسي والاستراتيجي بقدر القوة العسكرية الفعلية. فهو ينقل العلاقات الثلاث من التعاون في التسليح والتدريب إلى التزام سياسي بالدفاع المشترك، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في كيفية تحويله إلى إجراءات عملياتية.
يعكس الاتفاق تحولا أوسع في حسابات الأمن الإقليمي. فبعد عقود من الاعتماد الخليجي الكبير على الولايات المتحدة، دفعت الهجمات الصاروخية والمسيرات وتهديدات الملاحة والطاقة دول المنطقة إلى تنويع مصادر أمنها.
ولا يعني ذلك أن الرياض تتخلى عن واشنطن؛ فهي لا تزال شريكها العسكري الرئيسي، وأبرمت معها في 2025 حزمة دفاعية معلنة بنحو 142 مليار دولار. لكن اتفاق مكة يضيف طبقة جديدة من الشراكات الإقليمية.
وتراقب إيران الاتفاق بحذر، إذ قد تجد نفسها أمام معادلة يصبح فيها أي هجوم واسع على السعودية قابلاً لتوسيع نطاق المواجهة. كما تراقبه إسرائيل في ظل التوتر مع تركيا وتعقيدات العلاقات السعودية-الإسرائيلية، وإن كان من المبكر اعتباره موجهاً ضدها. أما الهند، فتتابع التطور بسبب تطور الشراكة العسكرية بين باكستان والسعودية، والآن دخول تركيا على الخط.
في المحصلة، لا يعني اتفاق مكة تراجع النفوذ الأمريكي بقدر ما يعكس انتقال حلفاء واشنطن تدريجيا من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى شبكة متعددة المستويات من الشراكات والردع، تضم الولايات المتحدة إلى جانب قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان.