منذ نحو أسبوعين، تعيش إيران على وقع حركة احتجاجية متصاعدة، بدأت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار، قبل أن تتخللها مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين، ثم تتحول تدريجيا إلى ملف الساعة الذي تتجه إليه أنظار واشنطن وتل أبيب، اللتين عبرتا عن دعمهما "للشعب الإيراني"، وسط تهديدات من دونالد ترامب بالتدخل عسكريا. وفي محاولة لاحتواء الحراك ومنع تسرب صوره إلى الخارج، لجأت السلطات الإيرانية إلى قطع شبه كامل للإنترنت عن البلاد، وسط أنباء متضاربة حول أعداد القتلى الذين سقطوا حتى الساعة.
"أسوأ انقطاع للإنترنت في تاريخ إيران"
منذ أكثر من ستين ساعة، باتت إيران معزولة فعليا عن العالم الخارجي، فلا اتصال بالإنترنت، ولا قدرة للمواطنين على التواصل في ما بينهم. ونقلت صحيفة "ذا غارديان" (The Guardian) البريطانية عن الباحث الإيراني في الحقوق الرقمية أمير رشيدي قوله إن "فور بدء قطع الإنترنت، انخفضت حركة الاتصال بين إيران والخارج بنحو 90 في المئة"، لافتا إلى أن المكالمات الدولية باتت محظورة.
من جهته، أكد علي طهراني، أحد مسؤولي تطبيق "سايفون" (Psiphon) ، وهي منصة تستخدم على نطاق واسع في إيران لتجاوز الرقابة والوصول إلى الإنترنت المحجوب، أن ما يجري يعد "أسوأ انقطاع للإنترنت في تاريخ إيران".
وفي تصريح لموقع "إيران إنترناشونال" (Iran International) الذي يقع مقره في لندن، أوضح علي طهراني أن "حتى الاتصالات عبر ستارلينك تأثرت"، علما أن خدمة ستارلينك توفر الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وتعد عادة الملاذ الأخير لنقل المعلومات إلى الخارج في ظل قطع الشبكات المحلية.
من جهتها، أشارت منظمة "نت بلوكس" (NetBlocks) المعنية بمراقبة انقطاعات الإنترنت إلى أن مستوى الاتصال في إيران لا يتجاوز 1 في المئة من مستواه المعتاد، مؤكدة أن "هذا الإجراء الرقابي يشكل تهديدا مباشرا لأمن الإيرانيين وسلامتهم في لحظة مفصلية من مستقبل البلاد".
طهران عززت قدراتها على التحكم بالإنترنت
وأشار الخبير الإيراني في الحقوق الرقمية، أمير رشيدي، إلى أنه "لم يشهد من قبل استخدام ما يعرف بأجهزة التشويش" (Brouilleur)، مرجحا أن تكون هذه التكنولوجيا هي التي تستخدمها طهران حاليا، وربما تم تزويدها بها من قبل روسيا أو الصين.
من جهته، قال فالير نديور، المتخصص في الشؤون الرقمية، في حديث لإذاعة "فرنسا الدولية"، إن"إيران يبدو أنها عززت قدراتها على التحكم بهذه التقنيات الخاصة بتقييد الوصول إلى الإنترنت".
اقرأ أيضا
وتجدر الإشارة إلى أن النظام الإيراني اعتاد في السنوات الأخيرة اللجوء إلى قطع واسع للاتصالات خلال فترات الاحتجاج، بدءا من احتجاجات عام 2022، بعد وفاة الشابة مهسا أميني، وصولا إلى حرب الـ12 يوما مع إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي. لكن، بحسب المراقبين، فإن الانقطاع الحالي للإنترنت يعد "الأشد والأوسع نطاقا".
لا إنترنت للشعب.. وخامنئي استثناء
من جهتهم، رأى الإيرانيون المقيمون في الخارج، الذين كثفوا نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي دعما للاحتجاجات، أن القيود المفروضة على الإنترنت قد جرى تنسيقها لتتزامن مع ساعات انطلاق التجمعات، حيث كانت تتفاقم مع تصاعد الحشود في الشوارع، وتخف حدتها مع تراجع أعداد المحتجين.
خلال الأيام الأولى للاحتجاجات في 28 ديسمبر/كانون الأول، استهدفت عمليات قطع الإنترنت بشكل أساسي المناطق الحضرية وبؤر الاحتجاجات. وركزت السلطات على أحياء في طهران، مثل نارمك، مولوي، والبازار الكبير، الذي انطلقت منه الحركات الاحتجاجية.
وبحسب المراقبين، تسعى السلطات الإيرانية إلى منع المحتجين من التنسيق فيما بينهم، وفي الوقت نفسه حجب الأدلة المتعلقة بالقمع والعنف، بحيث أصبح من الصعب معرفة حجم الخسائر البشرية والتطورات في الميدان.
وفي هذا السياق، أفادت منظمة "إيران هيومن رايتس" (Iran Human Rights) يوم الاحد 11 يناير/كانون الثاني بأنها" تأكدت من مقتل 192 متظاهرا على الأقل" منذ بداية الاحتجاجات في إيران.
وبالتزامن مع هذه التطورات، يبدو أن هناك شخصا واحدا على الأقل لا يزال يتمتع بالوصول إلى الإنترنت، حيث يواصل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله خامنئي، نشر وإعادة نشر تدوينات على حساباته عبر منصة "إكس" بلغات متعددة. ما يعني أن التقنيات المستخدمة في قطع الإنترنت شاملة ودقيقة في آن واحد، ما ينذر بإمكانية استمرار هذا الانقطاع لفترة أطول.